نبض فلسطين

"سماسرة التصاريح"... ظاهرة تتّسع في الضفّة الغربيّة ومحاولات لمحاربتها

p
بقلم
بإختصار
الحكومة الفلسطينيّة تبدأ بخطوات محاربة ظاهرة "سماسرة تصاريح العمل" التي تمنح إلى العمّال الفلسطينيّين الراغبين في العمل بإسرائيل، وتقرّر تعديل القانون لإمكانيّة ملاحقتهم قانونيّاً بهدف حماية الاقتصاد الفلسطينيّ من التسرّب الماليّ الحاصل بفعل تلك الظاهرة، وحماية حقوق العمّال أيضاً.

مدينة غزّة، قطاع غزّة — يعاني سوق العمل في الأراضي الفلسطينيّة من ظاهرة قديمة جديدة يطلق عليها اسم "سماسرة التصاريح"، وهم عبارة عن وسطاء بين العمّال الفلسطينيّين ومشغّليهم في إسرائيل، يتقاضى بموجبها أولئك الوسطاء مبالغ ماليّة من العامل الواحد تتراوح بين 2500 و3000 شيكل (714-857 دولاراً أميركيّاً) كلّ شهر، مقابل حصول العامل على تصريح للعمل داخل إسرائيل.

الظاهرة، التي أخذت بالتوسّع في الأعوام الثلاثة الأخيرة، أصبح من يعملون فيها لديهم مكاتب خاصّةفي الضفّة الغربيّة، الأمر الذي دفع بالحكومة الفلسطينيّة إلى إصدار قرارفي 15 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري، لوقف تلك الظاهرة بكلّ الوسائل، وذلك بهدف الحفاظ على حقوق العمّال الفلسطينيّين وحمايتهم قانونيّاً، في ظلّ غياب قوانين فلسطينيّة واضحة تمنع تلك الظاهرة.

وفي هذا السياق، أصدر وزير العمل الفلسطينيّ نصري أبو جيش، في 15 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري، بياناًأوضح فيه خطوات الحكومة لوقف تلك الظاهرة، تتمثّل بتعديل المادّة رقم (2) من قرارمجلس الوزراء الفلسطينيّ رقم (9) لسنة 2009، والمتعلّق بنظام مكاتب التشغيل الخاصّة، بحيث تضاف فقرة جديدة على النحو الآتي: "يحظّر ممارسة الوساطة في خدمات التشغيل من قبل أيّ شخص طبيعيّ أو معنويّ بشكل يخالف أحكام وشروط هذا النظام".

وأوضح نصري أبو جيش أنّ تعديل تلك المادّة يتضمّن أيضاً فقرة تجيز للعامل المتضرّر ملاحقة الشخص الوسيط قضائيّاً واسترداد المبالغ التي دفعها من دون وجه حقّ.

تصاريح العمل التي تصدرها إسرائيل مجّاناً للفلسطينيّين، يقدّر عددهابـ100 ألف تصريح سنويّاً، وتضع إسرائيل شروطاًلمنح تلك التصاريح تتمثّل بأن يكون الشخص قد تخطّى الـ22 عاماً من عمره، وأن يكون متزوّجاً، وألاّ يسري عليه أيّ منع أمنيّ، والأخير هو إجراء تقوم به الجهات الأمنيّة الإسرائيليّة للتأكّد من أنّ الشخص لم ينخرط في أيّ أعمال عدائيّة ضدّ إسرائيل.

وكشف المدير العام للتشغيل في وزارة العمل الفلسطينيّة رامي مهداوي لـ"المونيتور" عن قيام وزارته برفع العديد من القضايا إلى الجهات الفلسطينيّة المختصّة خلال الأشهر الأخيرة، وتحديداً وزارة الداخليّة، من أجل ملاحقة أشخاص فلسطينيّين يقومون باستغلال حاجة العمّال الفلسطينيّين للحصول على تصريح عمل في إسرائيل، متوقّعاً أن تشهد الفترة القريبة المقبلة إجراءات قضائيّة رادعة ضدّ أولئك السماسرة.

وبيّن رامي مهداوي أنّ الخسائر التي يتكبّدها العامل الفلسطينيّ من جرّاء تلك الظاهرة كبيرة، إذ يتمّ حرمانه من نصف معاشه الشهريّ، إضافة إلى حرمانه من التسجيل بشكل رسميّ لدى الدوائر الفلسطينيّة المختصّة على أنّه عامل. وبالتّالي، يفقد حقّه في التأمين الصحيّ ومدخّرات نهاية الخدمة والتعويض عن الإصابة أثناء العمل وغيرها، لافتاً إلى أنّ الوزارة تلقّت شكاوى عدّة من قبل عمّال تمّ استغلالهم من قبل السماسرة.

وأوضح أنّ أولئك الوسطاء تعدّوا على عمل المؤسّسات الحكوميّة الفلسطينيّة في قضيّة تصاريح العمل، إذ أنّ مهمّة القيام بإجراءات الحصول على تصريح للعمل في إسرائيل تتمّ من خلال تقديم العامل طلباً رسميّاً في مديريّات وزارة العمل المنتشرة في المحافظات، والتي تقوم بالتواصل مع الجهات الحكوميّة الأخرى كوزارة الشؤون المدنيّة لتسهيل الحصول على تلك التصاريح من إسرائيل.

ونظّمت اتفاقيّة باريس الاقتصاديّة الموقّعة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين خلال عام 1994، في مادّتها رقم 37، دخول العمال الفلسطينيّين إلى إسرائيل عبر الجهات الرسميّة الفلسطينيّة، وذلك بهدف ضمان حصول العمّال على حقوقهم العماليّة كاملة، والتي نصّت عليها المادّة رقم 38 من الاتفاقيّة.

من جهته، أكّد الناطق الإعلاميّ باسم هيئة الشؤون المدنيّة الفلسطينيّة وليد وهدان لـ"المونيتور" أنّهم الجهة الفلسطينيّة الوحيدة المخوّلة التواصل مع إسرائيل لتسهيل حصول المواطنين الفلسطينيّين على تصاريح العمل أو العلاج وغيرها، متّهماً الجهات الرسميّة الإسرائيليّة بغضّ الطرف عن استغلال أرباب العمل الإسرائيليّين للعمّال الفلسطينيّين.

وبيّن أنّ إسرائيل تقوم بإصدار التصاريح لجهتين فقط، هما: الشؤون المدنيّة الفلسطينيّة التي تقوم بتقديم كشوف بأسماء من يريدون الحصول على تصاريح، وأرباب العملفي إسرائيل الذين يحصلون على عدد من تلك التصاريح بشكل قانونيّ ويقومون بالتواصل مع العمّال الفلسطينيّين بشكل مباشر أو من خلال وسطاء.

وحذّرتوحدة تنسيق الأعمال الإسرائيليّة في المناطق الفلسطينيّة من تلك الظاهرة، وأعلنرئيسها كمال أبو ركن في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2018، أنّهم يقومون بمحاولات لمحاربة تلك الظاهرة واعتماد طريقة تشغيل جديدة تتمثّل بإقامة علاقة مباشرة بين العامل الفلسطينيّ والمشغّل الإسرائيليّ بشكل يلغي الحاجة إلى أولئك الوسطاء.

واعتبر أحد سماسرة التصاريح الذي تواصل معه "المونيتور"، وفضّل عدم كشف هويّته، خوفاً من الملاحقة، أنّ المبالغ الماليّة التي يتلقّاها من الراغبين في الحصول على تصريح هي مقابل الجهد الذي يقوم به من أجل استخراج تلك التصاريح في فترة زمنيّة قصيرة لا تتجاوز الأسبوع، لافتاً إلى أنّ الكثير من العمّال الذين لجأوا إليه تقدّموا بطلبات منذ أشهر للحصول على تصريح عمل عبر الدوائر الرسميّة الفلسطينيّة ولم يتمكّنوا من الحصول عليها، إما بسبب المنع الأمنيّ من قبل الدوائر الأمنيّة الإسرائيليّة وإمّا بسبب الإهمال في الدوائر الحكوميّة الفلسطينيّة.

وشدّد على أنّ المبالغ التي يتلقّاها تقسّم مناصفة بينه وبين أرباب العمل في إسرائيل الذين يحصل من خلالهم على تصاريح العمل للفلسطينيّين.

وقدّر الأمين العام لاتّحاد نقابات عمّال فلسطين شاهر سعد في حديث لـ"المونيتور" خسائر الاقتصاد الفلسطينيّ بسبب تلك الظاهرة بأكثر من مليار دولار سنويّاً، مشيراً إلى أنّ تلك الظاهرة تمثّل انتهاكاً لاتفاقيّة باريس الاقتصاديّة واتفاقيّات العمل الدولية، والتي لا تجيز دفع طالب العمل مبالغ ماليّة مقابل الحصول على فرصة عمل. 

وأظهر تقريرصادر عن "الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ" في شباط/فبراير الماضي، أنّ عدد العمّال الفلسطينيّين في إسرائيل خلال عام 2018، بلغ 127 ألف عامل، 59 في المائة منهم لديهم تصاريح عمل و30 في المائة يعملون من دون تصاريح.

من الصعب التكهّن ما إذا ستنجح المؤسّسات الفلسطينيّة في محاربة ظاهرة سماسرة تصاريح العمل، وذلك في ظلّ غياب القوانين الرادعة، ناهيك عن عدم تحكّمها في آليّة إصدار تلك التصاريح.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

كاتب وصحفي فلسطيني يعمل في مهنة الصحافة منذ 9 سنوات، عمل في العديد من الوسائل الإعلامية الفلسطينية والأجنبية. حاصل على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة، شارك في إعداد كتاب عن "حصار غزة" لصالح وكالة الأناضول التركية ونشر بعدة لغات.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept