نبض العراق

هل يستثمر المتظاهرون الزيارة الأربعينيّة في التحشيد ضدّ الحكومة؟

p
بقلم
بإختصار
يسعى المتظاهرون إلى استثمار الزيارة الأربعينيّة في التحشيد لحراكهم الاحتجاجيّ ضدّ الحكومة والأحزاب السياسيّة والتثقيف حوله، بغية توسيع رقعة الاحتجاجات في المناطق العراقيّة.

تتخوّف السلطات الحكوميّة في العراق من احتمال استثمار المحتجّين الزيارة الأربعينيّة الخاصّة بمقتل الإمام الحسين (أحد أئمّة الشيعة) والتي ستصادف في 19 تشرين الأوّل/أكتوبر الحاليّ، للضغط عليها وتنفيذ مطالبهم، لذا دعت في أكثر من مناسبة إلى ضرورة تأجيل الفكرة التي طرحت عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ.

ودعت قيادة عمليّات بغداد (أعلى سلطة أمنيّة في العاصمة العراقيّة) في 10 تشرين الأوّل/أكتوبر الحاليّ إلى "عدم التظاهر لتجنّب إشغالها عن تأمين زيارة الأربعين"، وتأتي هذه الدعوة بعدما دعت مجموعة من المتظاهرين إلى ضرورة استثمار الزيارة الأربعينيّة لتوسيع رقعة الاحتجاج ضدّ الحكومة.

وانتشرت لافتات في بعض شوارع بغداد والمحافظات الجنوبيّة تشير إلى وجود طريقين، الأوّل إلى كربلاء حيث مرقد الإمام الحسين، والثاني سمّي بطريق "ثورة الحسين" في إشارة إلى طريق الاحتجاجات، وهذا ما أثار مخاوف السلطات العراقيّة التي سارعت إلى الدعوة إلى عدم التظاهر.

ويحتجّ العراقيّون منذ أكثر من عقد، عندما بدأت التظاهرة الأولى في عام 2008، على سوء الخدمات والفساد المتفشّي في مؤسّسات الدولة، إضافة إلى ارتفاع نسبة خطّ الفقر إلى 30% تقريباً، وارتفاع نسبة البطالة بين مجتمع الشباب إلى 40%  وفقاً لإحصاءات صندوق النقد الدوليّ لعام 2018.

قال علي السومري، وهو متظاهر وأحد أبرز قيادات تظاهرات عام 2015، لـ"المونيتور": "نعم، هناك إمكانيّة كبيرة لاستثمار الزيارة من أجل التحشيد للتظاهرات المقبلة، وهو واجب سيجد الكثير من خطباء الدين أنفسهم مرغمين على فعله حتّى وإن كانوا من الموالين للحكومة، وذلك بسبب ارتفاع موجة الاحتجاج في العراق، واهتمام دول العالم بها، وتسليط الضوء على الجرائم التي صاحبتها، إضافة إلى تناول المرجعيّة لها في خطبتها الأخيرة".

وأضاف أنّ "الأهمّ، إضافة إلى التحشيد هو المطالبة بالكشف عن المعتقلين وإطلاق سراحهم والتوقّف عن ترهيب الصحافيّين والإعلاميّين والناشطين من المتظاهرين الذين تتمّ متابعتهم وتهديدهم منذ أن بدأت الاحتجاجات".

أعلن مكتب رئيس الحكومة العراقيّة عادل عبد المهدي، في 8 تشرين الأوّل/أكتوبر، عن اتّفاق مع تنسيقيّات التظاهرات لتأجيل الاحتجاجات لما بعد الزيارة، لكنّ ذلك يبدو جزءاً من عمليّة تهدئة الشارع، فليس للحراك الاحتجاجيّ العراقيّ أيّ تنسيقيّات، وليس لديه أيّ قادة معروفين، ولم يكشف مكتب عبد المهدي عن أيّ صور للقاء جمعه مع من قال إنّه "اتّفق معهم على التأجيل".

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة النهرين في بغداد ياسين البكري لـ"المونيتور" إنّ "الحسين في الاعتقاد والمخيال الشيعيّ هو رمز للثورة والاحتجاج على ظلم الحاكم، واستثمرت تلك الرمزيّة كثيراً في تأريخ العراق المعاصر والحديث، من هنا كان الحاكم يستعدّ أمنيّاً ليوم المقتل والأربعين، لكن بعد عام 2003، تغيّر الوضع وأصبحت السلطة تستثمر في هذه الزيارة لتثبيت أركان السلطة وكسب شرعيّة مذهبيّة موازية لشرعيّة صندوق الانتخاب، بل وتوظّفها انتخابيّاً، أو لتعبئة الشارع الشيعيّ ضدّ المنافسين من الطوائف الأخرى".

وأضاف أنّ "المتغيّر المهمّ هذا العام أنّ الاحتجاجات تشكّلت في الجغرافيا والديموغرافيا الشيعيّة ضدّ السلطة الشيعيّة، وهذا يمثّل مأزقاً كبيراً للسلطة وحالة جديدة في الواقع العراقيّ بعد عام 2003، فالمحتجّون يفهمون التأثير العاطفيّ الكبير للمناسبة وقدرتها على التعبئة، لذلك يسعون إلى استثمارها، والسلطة متخوّفة لأنّها تفهم مقدار الطاقة الثوريّة التي تتولّد في هذه المناسبة، ومتخوّفة من قدرتها على ضبط الأمور أمنيّاً، فهي تخشى انضمام قوى الأمن إلى المتظاهرين أو عدم طاعة الأوامر القامعة للتظاهر تحت تأثير هذه المناسبة".

في 4 تشرين الأوّل/أكتوبر، ظهر محافظ النجف لؤي الياسري في مقابلة تلفزيونيّة، وهو شبه يتوسّل المتظاهرين لتأجيل تظاهراتهم لما بعد الزيارة الأربعينيّة، وبعد 8 أيّام، ظهر محافظ كربلاء، حيث المكان الأساسيّ للزيارة الأربعينيّة، نصيف الخطابي، بخطاب مشابه لما قاله نظيره محافظ النجف.

وتسرّب الحكومة العراقيّة معلومات إلى وسائل الإعلام وعبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعيّ تشير إلى وجود اتّفاقات على إنهاء التظاهرات، أو على الأقلّ تأجيلها أثناء الزيارة الأربعينيّة، لكنّ المتظاهرين لم يبدوا أيّ موقف رسميّ في هذا الشأن، ولم يتحدّث أيّ منهم عن تأجيلها.

تعرف الحكومة العراقيّة جيّداً أنّ التظاهرة إذا ما خرجت من داخل حشود الزائرين إلى الإمام الحسين، فإنّها ستكون مثل كرة الثلج تكبر في شكل سريع، كما أنّها ستحمل رسائل عدّة، أوّلها أنّ الزائرين الشيعة تظاهروا ضدّ حكومة شيعيّة، وثانيها أنّ الإحتجاجات مهما بلغت ذروتها، فإنّ المساس بالمتظاهرين يعني إنهاء شرعيّة حكومة عبد المهدي.

قال الكاتب والصحافيّ اللبنانيّ مصطفى فحص الذي يراقب الشأن العراقيّ لـ"المونيتور" إنّ "كلّ الجهات تنظر إلى الأربعينيّة بحذر، الحكومة وحتّى المتظاهرون، خصوصاً أنّ الزيارة طقس دينيّ حرّ، بمعنى أنّ الزائر يستطيع مخاطبة من يزوره بما يشاء، تحديداً بما يتعلّق بالإصلاح والعدل، وهذا ما خرج من أجل الإمام الحسين".

وأضاف: "لا شباب الحراك يريدون استغلال الأربعينيّة حتّى لا يتّهمون باستغلال الدين، ولا الحكومة تريد ذلك، لذا تعمل على تجنّب الخسائر، لكنّني لا أعتقد أنّ الزيارة ستخلو من الشعارات المتوافقة مع الاحتجاج، وقد تكون الأربعينيّة أحد عوامل الدفع في اتّجاه خروج الناس إلى الشارع".

في المحصّلة، إنّ الزيارة الأربعينيّة لن تكون منطلقاً لبدء الاحتجاجات من جديد، لكنّها ستكون نطقة تحشيد وتثقيف للخروج بحركة احتجاجيّة كبيرة خلال الأيّام التي تعقب هذه المناسبة، وهذا ما يؤشّر إلى أنّ الأيّام المقبلة ستكون مليئة بالاحتجاجات في المناطق العراقيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : shiite, imam hussein, pilgrimage, adel abdul mahdi, arbaeen, demonstrations, protests in iraq

مصطفى سعدون هو صحفي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان. عمل مراسلاً في مجلس النواب العراقي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept