نبض العراق

ناشطون وصحافيّون يغادرون بغداد خوفاً من الاعتقالات

p
بقلم
بإختصار
اضطرّت مجموعة من الصحافيّين والناشطين البارزين إلى مغادرة العاصمة بغداد باتّجاه إقليم كردستان العراق وعمّان، بعد ورود معلومات عن وجود حملات اعتقالات قد تطالهم.

غادر صحافيّ عراقيّ باتّجاه محافظة إربيل عاصمة إقليم كردستان العراق في 9 تشرين الأوّل/أكتوبر الحاليّ، بسبب وصول معلومات عن وجود قائمة معدّة من قبل الحكومة العراقيّة عن صحافيّين وناشطين في المجتمع المدنيّ، وأنّ اسمه من ضمن هذه الأسماء.

وقال الصحافيّ، الذي يعمل في قناة فضائيّة ورفض ذكر اسمه خوفاً على حياته، خلال مقابلة مع "المونيتور": "اضطررت للسفر إلى إربيل لحين هدوء الأوضاع، فهناك تشدّد وسطوة حكوميّة وملاحقات وحملة اعتقالات قد تطال كلّ من كتب عن التظاهرات وأيّدها وتحدّث عنها".

أضاف: "الذهاب إلى إربيل لا يعني أنّ السلطات هناك لا تعتقل من ينتقدها أو يتحدّث عن الفساد والحريّات، لكنّها محطّة موقّتة بالنّسبة إلينا نحن الذين هربنا من أيّ خطر قد يلحق بنا في بغداد".

مخاوف هذا الصحافيّ وغيره من الصحافيّين والناشطين في المجتمع المدنيّ، جاءت بعد أن انتشرت معلومات عن وجود قوائم حكوميّة تضمّ أسماء صحافيّين وناشطين في المجتمع المدنيّ لاعتقالهم على خلفيّة نشرهم انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في التظاهرات.

وبحسب منظّمة "مراسلون بلا حدود"، فإنّ "العراق يأتي في المرتبة 156 من بين 180 دولة على لائحة المنظّمة لمؤشّر حريّة الصحافة في العالم لعام 2019.

وبحسب معلومات متداولة نشرتها الصحافة المحليّة، فإنّ السلطات العراقيّة أعدّت عبر جهاز الأمن الوطنيّ الذي يترأسه فالح الفيّاض، وهو رئيس "هيئة الحشد الشعبيّ" أيضاً، وكذلك مديريّة أمن "الحشد الشعبيّ"، مهامّاً لاعتقال صحافيّين وناشطين. ووفقاً للتسريبات، فإنّ الصحافيّين والناشطين الذين وضعوا في القائمة بلغ عددهم 130 صحافيّاً وناشطاً.

ولقد أيّدت تلك المعلومات مصادر أمنيّة خاصّة بـ"المونيتور"، وقالت شرط عدم الكشف عن اسمها: "إنّ الحشد الشعبيّ حضّر مجموعة أسماء لاعتقالها، وتشمل صحافيّين وناشطين ومدوّنين كان قد حدّدهم في أوقات سابقة، إلاّ أنّ تصاعد لهجة خطبة المرجعيّة علي السيستاني في 11 تشرين الأوّل/أكتوبر الحاليّ دفعه إلى التريّث، لكنّ الأسماء ذاتها بقيت مراقبة".

بيد أنّ مصادر في "هيئة الحشد الشعبيّ" نفت تلك المعلومات، وقالت: "لم نضع أيّ قائمة بأسماء صحافيّين أو ناشطين أو مدوّنين لاعتقالهم".

قال مدير إعلام الحشد الشعبي مُهند العقابي خلال مقابلة مع "المونيتور": إن "ما أُشيع عن وجود نية لدى الحشد بإعتقال صحفيين وناشطين ومدونين وإستهداف مؤسسات إعلامية، لا يعدو كونه كلام فيس بوك ويفتقر للموضوعية، ولا يوجد أَي دليل على ذلك، بل أن الحشد الشعبي حتى في المعارك كان الجهة الامنية الأكثر استقبالاً للصحفين بمختلف انتماءاتهم وجنسياتهم، وحتى أؤلئك الذين يختلفون معه ويُعارضونه".

وأضاف "إذا سألنا كل الاشخاص الذي إدعوا تهديدهم من قبل الحشد أو أؤلئك الذين قالوا إن الحشد أغلق وهاجم مؤسسات إعلامية، عن الدليل، فإنهم سيقولون بأنهم إستقوا معلوماتهم من مواقع التواصل الإجتماعي. هذا حديث ساذج، والمراد منه ضرب ضرب سمعة الحشد فهنالك جهات مهمتها الأساسية زج الحشد في اَي امر سلبي".

ويعتقد العقابي أن "هناك من يحاول استغلال هذه الشائعات لمغادرة العراق من اجل الحصول على لجوء أوربا وأميركا. ليس كل ما موجود من صفحات شخصية وعامة تدعي انها تمثل الحشد هي صحيحة فالعديد منها مزورة ونتمنى من الجميع معرفة ما يصدر من الحشد عن طريق مواقعه الرسمية".

وعلم "المونيتور" من مصادرمقربة من المراجع الدينية في النجف أنّ رسائل إنذار وجّهت من جهة خارجيّة إلى عدد من زعماء الأحزاب والمراجع الدينيّة في العراق، منهم زعيم "تيّار الحكمة" عمّار الحكيم، تحذّرهم من دعم المظاهرات.

واختفى ناشطون في المجتمع المدنيّ ومؤيّدون للتظاهرات، بعد أقلّ من أسبوع على انطلاقها، وهم: ميثم الحلو الذي قيل إنّه عالج جرحى التظاهرات وناشطان آخران هما: عقيل التميمي وفلاّح حسن.

وأشار رئيس "مرصد الحريّات الصحفيّة" زياد العجيلي خلال حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "ما حدث في العراق من مهاجمة وإحراق وسائل إعلام وقطع الاتصالات وتهديد الصحافيّين وملاحقتهم، هو بمثابة انزلاق خطر لسقوط الديموقراطيّة الحديثة"، وقال: "للأسف الشديد، إنّ الحكومة العراقيّة الحاليّة تشوّه سمعة الدولة من خلال استخدامها أقصى أنواع العنف ضدّ المتظاهرين وتهديداتها للصحافيّين، ثمّ تنكر صلتها بهذه الأعمال، وهذا الإنذار الرئيسيّ الذي جعل أبرز الصحافيّين والناشطين يغادرون بغداد وبعض المدن الجنوبيّة. وتستمرّ أجهزة الأمن الحكوميّة في البحث عن الصحافيّين البارزين وجمع المعلومات عنهم".

ولفتت مجموعة من الصحافيّين البارزين غادرت إلى عمّان وإربيل والسليمانيّة خلال حديث لـ"المونيتور" إلى أنّها لن تعود إلى بغداد ما لم تكن هناك ضمانات "حقيقيّة لحفظ سلامتها"، معتبرة أنّ ذلك "يحتاج إلى اعتراف رسميّ من الحكومة بأنّ التهديدات التي وصلت إلى الصحافيّين صدرت من أجهزتها الأمنيّة".

وفي 5 تشرين الأوّل/أكتوبر، هاجم مسلّحون قيل إنّهم "مجهولون" مكتب قناتيّ "العربيّة" و"العربيّة الحدث" السعوديّتين في منطقة أبو نؤاس ببغداد، وكذلك مكتب قناة "NRT عربيّة" التي تملكها النائبة السابقة عن "حركة التغيير" الكرديّة سروة عبد الواحد في المنطقة ذاتها.

وعلى بعد مئات الأمتار، تمّ إحراق مبنى قناة "دجلة،" التي يملكها زعيم حزب "الحلّ" العراقيّ جمال الكربولي في منطقة الجادريّة، فضلاً عن تهديد قناتيّ "الشرقيّة" التي يملكها الإعلاميّ سعد البزّاز و"الرشيد" التي يملكها زعيم الحزب الجمهوريّ سعد عاصم الجنابي.

لم تكن عمليّة استهداف هذه القنوات اعتباطيّة، بل ممنهجة، فوسائل الإعلام هذه كانت أكثر من غطّى الاحتجاجات التي بدأت في الأوّل من تشرين الأوّل/أكتوبر. ووفقاً لمعلومات "المونيتور"، فإنّ هذه القنوات تلقّت تهديدات سابقة قبل الاعتداء عليها بيومين، تفيد بضرورة تغيير سياسة تغطية الاحتجاجات.

وقالت مسؤولة حملات العراق في منظّمة العفو الدوليّة رازاو صالحي لـ"المونيتور": "إنّ السلطات العراقيّة فشلت في خلق بيئة آمنة للصحافيّين والناشطين في المجتمع المدنيّ، وعليها أن تترجم حديثها عن احترام الحقوق والحريّات إلى عمل على أرض الواقع، لأنّ حريّة التعبير والصحافة محميّة وفقاً للقوانين الوطنيّة العراقيّة والتزامات العراق الدوليّة".

هذه هي المرّة الأولى التي يشعر فيها الصحافيّون العراقيّون بهذا الحجم من المخاطر التي تحيط بهم. ففي أوقات سابقة، كانت هناك حالات تهديد فرديّة لبعض منهم، والتي على أثرها غادروا بغداد أو العراق، لكن لم تكن هناك هجرة شبه جماعيّة بعيداً عن بغداد.

ليس من مصلحة الحكومة، قبل الصحافيّين، أن تكون مجموعة من أبرز الصحافيّين والناشطين في المجتمع المدنيّ العراقيّ بعيدة عن العاصمة، فهذا الأمر مؤشّر خطر على النظام الديموقراطيّ في عراق ما بعد عام 2003. كما يعتبر من أبرز المساوئ التي يمكن أن توصم بها حكومة عادل عبد المهدي.

وفي المحصّلة، يتحتّم على حكومة عبد المهدي، من ضمنها "الحشد الشعبيّ"، إرسال تطمينات إلى الصحافيّين والناشطين في المجتمع المدنيّ وإبعاد أيّ عمليّات ترهيب أو اعتداء قد تطالهم، فالاعتداءات التي طالت مجموعة مؤسّسات إعلاميّة واضطرار مجموعات بارزة إلى ترك العاصمة بغداد، لا يمكنهما أن توصلا رسائل إيجابيّة عن مرحلة ما بعد تحرير العراق من تنظيم "داعش".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

مصطفى سعدون هو صحفي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان. عمل مراسلاً في مجلس النواب العراقي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept