نبض فلسطين

الحكومة الفلسطينيّة تقدّم منحاً إلى الخرّجين للعمل في الأغوار والسكن فيها... فهل هذا ممكن؟

p
بقلم
بإختصار
أعلنت الحكومة الفلسطينيّة في 19 آب/أغسطس عن نيّتها تقديم منح إلى الخرّيجين للعمل في منطقة الأغوار والسكن فيها، لتشجيع التواجد في المنطقة المهدّدة بالمصادرة الكاملة، ولكن على الأرض، يبدو تنفيذ هذه الخطّة غير ممكن.

لا يجد الشابّ محمود بشارات من منطقة حمصة الفوقا في الأغوار الشماليّة، مانعاً من التقدّم للاستفادة من المنحة التي أعلنت عنها الحكومة الفلسطينيّة في 19 آب/أغسطس، ولكن بشرط أن توفّر الحكومة الخدمات الأساسيّة للاستفادة من هذه المنح.

وكان رئيس الوزراء الفلسطينيّ محمّد اشتيّه أعلن في افتتاح جلسة حكومته الأسبوعيّة في 19 آب/أغسطس عن توجّه الحكومة إلى منح منحا مالية وتسهيلات إلى الخرّيجين من الشباب الفلسطينيّ، الذين لديهم استعداد للسكن في مناطق الأغوار وقراها، والعمل مع أهلها في مشاريع إنتاجيّة، في سبيل تعزيز صمود المواطنين في هذه المنطقة.

ولم تقدّم الحكومة الفلسطينيّة في إعلانها عن المنحة، تفاصيل عن المستفيدين منها وكيفية الاستفادة منها وقيمتها المادية.

وقال بشارات (27 عاماً) لـ"المونيتور" إنّه تخرّج منذ 5 سنوات من كليّة التربية بجامعة القدس المفتوحة، ولكنّه لم يجد عملاً، ممّا دفعه إلى العمل عاملاً في إحدى المستوطنات، ويقول إنّ هذه المنح في حال نفّذت ستكون حلًّا للبطالة ولحاجتهم إلى الخروج من مناطقهم والبحث عن عمل خارجها.

بشارات، كما غيره من سكّان منطقته، تعرّض منزله إلى الهدم أكثر من مرّة، من قبل القوات الإسرائيلية بحجة البناء في مناطق عسكرية، ويعيش في منطقته على الرغم من قلّة المياه وعدم وجود الكهرباء، إلّا أنّه على استعداد للبقاء في منطقته بالحدّ الأدنى من ظروف العمل.

وبالنسبة إليه، في حال حصل على هذه المنحة سيكون في إمكانه شراء مزيد من الأغنام، والعيش من مردودها، وتابع: "الصمود في الأغوار ممكن ولكن لا بدّ من دعم حقيقيّ من قبل الحكومة".

خالد دراغمة من بلدة تياسير في الأغوار الوسطى، حاله كما حال بشارات، تخرّج من الجامعة في العام 2011، من جامعة القدس المفتوحة تخصص لغة عربية، ولكنّه لم يجد وظيفة حكوميّة كمعلم لغة عربية، على الرغم من إعلان الحكومة أنّ توظيف أبناء الأغوار أولويّة في وزارة التربية و التعليم عام 2015.

قال دراغمة (30 عاماً) لـ"المونيتور" إنّ هذه الإعلانات لا جدوى منها في ظلّ انعدام الخدمات المقدّمة إليهم في منطقة عين الحلوة بالأغوار الشمالية، حتّى أنّه اضطرّ إلى تغيير مكان سكنه إلى مدينة طوباس لإدخال أبنائه إلى المدارس، فمنطقة عين الحلوة لا يوجد فيها مدارس بالمطلق. وتابع: "كيف يمكن العيش في منطقة بلا كهرباء ولا ماء ولا مواصلات ولا مدارس".

لم تقدّم الحكومة الفلسطينيّة في إعلانها عن المنحة، تفاصيل، سوى أنّها تأتي لدعم صمود الفلسطينيّين في أكثر المناطق توتّراً، وفي ظلّ السيطرة الإسرائيليّة الكاملة على المنطقة التي تشكّل 31% من مساحة الضفّة الغربيّة.

وتتعدّى أهمّيّة الأغوار بالنسبة إلى الفلسطينيّين المساحة الجغرافية، إلى كونها عمقاً استراتيجيّاً وزراعيّاً مهمّاً، حيث من الصعب تجاوزها في حال إقامة أيّ دولة فلسطينيّة، إلى جانب تشكيلها سلّة فلسطين الغذائيّة، إذ تنتج 50% من أجمالي المساحات الزراعيّة في الضفّة الغربيّة، و60% من إجمالي ناتج الخضار.

إلى جانب هذه الأهمّيّة، تتهدّد الأغوار توجّهات إسرائيليّة، عدم الانسحاب منها في أيّ تسوية سياسيّة، وهو ما يطبّق على الأرض واقعاً من خلال إجراءات إسرائيليّة حثيثة للسيطرة على كامل الأراضي، من خلال تحويل الأراضي العسكرية أو المحميات طبيعية ثم تحويلها إلى مستوطنات.

كلّ ذلك هو ما جعل الحكومة تتّجه إلى هذا الإعلان، كما قال الناطق باسمها ابراهيم ملحم لـ"المونيتور": الهدف هو الردّ على مخطّطات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وحكومته بضم الأغوار وتمكين المواطنين في الأغوار من تواجدهم على أرضهم واستصلاحها و استثمارها وحمايتها".

وبحسب ملحم، فإنّ لا آليّات واضحة حتّى الآن لتنفيذ هذا الإعلان، ولكنّها ستحدّد وفقاً لاحتياجات المواطنين في الأغوار، وتشمل في الأساس منحاً زراعيّة لتشجيع العمل واستصلاح الأراضي.

وتابع: "هناك حزمة من الأنشطة والفعاليّات التنمويّة سيتمّ تنفيذها بالتوازي مع هذه الخطّة".

وحول توقّعات الحكومة للإقبال على الخطّة، قال ملحم: "نتوقّع أن يكون هناك من يهتمّ بهذه المنحة من العاطلين عن العمل والخرّيجين الجدد من سكّان الأغوار أنفسهم الذين يمكنهم العمل في الأغوار".

هذا ما تتوقّعه الحكومة، ولكن على الأرض هل هذا ممكن؟ رئيس مجلس المالح والمضارب البدويّة مهدي دراغمة يشكّك بذلك، ويصفه بـ"القرار المتأخّر".

وتابع دراغمة لـ"المونيتور": "الأوضاع على أرض الواقع في الأغوار غير ملائمة لتنفيذ مثل هذه المشاريع، فالفلسطينيّ في الأغوار محاصر داخل الخيمة التي يسكنها وله حرّيّة الحركة فيها".

وبحسب دراغمة، لم تتبقّ أرض تحت السيطرة الفلسطينيّة أو يملكها الفلسطينيّون للعمل فيها، فهي إمّا أراضٍ عسكريّة مغلقة للتدريبات العسكريّة، أو محميّات طبيعيّة يمنع العمل فيها، أو بؤر استيطانيّة من الصعب الاقتراب منها.

وقال دراغمة إنّ على الحكومة تمكين المواطنين المتواجدين فعلاً في الأغوار خوفاً من هجرتهم.

وتأكيداً لحديثه، قال دراغمة إنّه وخلال فصل الشتاء، كانت قرابة الـ170 عائلة تسكن المالح ولكن حاليّاً لا توجد سوى 30 عائلة، بسبب قلّة المياه والمراعي، وسيطرة المستوطنين على الأراضي.

وأضاف مستهجناً: "لا أدري على ماذا استندت الحكومة في قرارها، فالجميع يعلم أنّ الفلسطينيّ لا يستطيع نصب خيمة، وإن فعل، لا يمضي يوماً حتّى تقوم إسرائيل بإزالتها".

وطالب دراغمة الحكومة بخطط أكثر واقعيّة للفلسطينيّين في الأغوار ومنح الشباب، وهم أكثر الفئات التي تغادر المنطقة، امتيازات حقيقيّة وليس إعلانات إعلاميّة، وذلك بتوفير أبسط مقوّمات الصمود من المياه والكهرباء، وتأمين الوظائف لخرّيجي الأغوار.

الناشط في منطقة الأغوار حمزة زبيدات من بلدة الزبيدات في منطقة الأغوار، ويعمل في مركز العمل التنمويّ، يوافق على ما ذهب إليه دراغمة، ويقول إنّه قرار لا توجد له أيّ قيمة حقيقيّة على الأرض، من دون وجود خطّة حكوميّة شاملة لحماية الأغوار التي حسم أمرها لصالح إسرائيل، كما يقول.

وتابع زبيدات لـ"المونيتور": "المطلوب اليوم في منطقة الأغوار أن نحافظ على ما هو موجود، وتوفير مقوّمات الصمود لسكّان المنطقة، والتصدّي لتفريغ مناطق كاملة من سكّانها، كما هو الحال في مناطق العوجا والجفتلك أخصب المناطق الزراعية في الأغوار".

وقال زبيدات إنّه من المهمّ التواجد الرسميّ الدائم في الأغوار، على غرار ما حدث في منطقة الخان الأحمر من اعتصام مستمر منذ سبتمبر 2018 وحتى الأن.

وتبقى هذه القرارات حبراً على ورق بالنسبة إلى أهالي الأغوار حتّى تصبح واقعاً على الأرض، خصوصاً أنّهم تلقّوا وعوداً من الحكومات السابقة لم تنفّذ حتّى الآن.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept