نبض فلسطين

لماذا أنهى عبّاس عمل مستشاريه؟

p
بقلم
بإختصار
أسباب عدّة دفعت بالرئيس محمود عبّاس لإنهاء عمل مستشاريه بشكل مفاجئ، أهمّها توجّهه لإعادة تشكيل قائمة المستشارين حوله، نظراً إلى تزايد عددهم، والأزمة الماليّة التي تعصف بالسلطة الفلسطينيّة.

رام الله – الضفّة الغربيّة: أصدر الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، في 19 آب/أغسطس، قراراً قضى بإنهاء خدمات جميع مستشاريه، "بصفتهم الاستشاريّة"، بصرف النظر عن مسميّاتهم أو درجاتهم، وإلغاء العمل بالقرارات والعقود المتعلّقة بهم، وإيقاف الحقوق والامتيازات المترتّبة على صفتهم كمستشارين.

ولم يتضمّن القرار الذي نشرته وكالة الأنباء الرسميّة "وفا" الأسباب التي دفعت بمحمود عبّاس إلى اتّخاذه أو عدد المستشارين الذين طالهم القرار، لكنّ "وكالة وطن للأنباء" نشرت في 19 آب/أغسطس أسماء 10 مستشارين قالت انه تم فصلهم ، أبرزهم: مستشار الشؤون الدينيّة محمود الهبّاش، مستشار الشؤون الديبلوماسيّة مجدي الخالدي، ومستشار الشؤون القانونيّة علي مهنّا.

وفي هذا السياق، أشار مستشار عبّاس للشؤون الخارجيّة والعلاقات الدوليّة نبيل شعث في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "قرار الرئيس إداريّ اقتصاديّ مرتبط بالأزمة الاقتصاديّة التي تمرّ بها السلطة، وازداد عدد مستشاريه عبر السنوات الماضية. ولذلك، يريد الرئيس أن يختار مجموعة صغيرة منهم لتبقى"، موضحاً أّنه سيبقى على رأس عمله كمستشار لعبّاس، قائلاً: "سألت الرئيس، هل القرار يشملني، فقال لي: لا يشملك".

من جهته، قال كمال الشرافي، وهو مستشار الرئيس عباس لحقوق الإنسان والمجتمع المدني وشمله قرار الرئيس، خلال حديث لـ"المونيتور": "أعتقد أنّ قرار الرئيس يأتي في إطار إعادة هيكلة وبناء مؤسّسة الرئاسة".

وقال: "القرار ليس سببه المال ومستحقّات المستشارين، وإنّما إعادة بناء أنفسنا، خصوصاً أنّ هناك عدداً ليس بقليل من المستشارين للرئيس، الذي رأى أنّنا لسنا في حاجة إليهم، خصوصاً أنّ بعضهم يشغل مناصب عليا في الدولة". وأشار إلى أنّ عدد المستشارين ناهز الـ20 مستشاراً.

وتعدّ الأزمة الماليّة التي تعاني منها السلطة والناجمة عن احتجاز إسرائيل أموال المقاصّة منذ شباط/فبراير الماضي، أحد الدوافع لاتّخاذ عبّاس قرار إنهاء عمل مستشاريه، خاصة ان المستشار يتقاضى راتب وزير (3000 دولار حسب القانون)، اضافة الى المكافآت او الامتيازات التي يحصلون عليها، وما يرجّح هذا السبب صدور قرار ثان من عبّاس، بالتزامن مع القرار الأوّل، ينصّ على إلزام رئيس الحكومة السابقة (رامي الحمد الله) وأعضائها بإعادة المبالغ التي تقاضوها عن الفترة التي سبقت موافقته في حزيران/يونيو من عام 2017 على زيادة رواتبهم ومكافآتهم، على أن يدفعوا المبلغ المستحقّ عليهم دفعة واحدة، واستعادة المبالغ كافّة التي تقاضوها بدل إيجار المنازل، ممّن لم يثبت استئجاره منزلاً خلال الفترة نفسها، حسب نص القرار الذي نشرته "وفا".

وكان موقع "عكس التيّار" الإلكترونيّ نشر، في 28 أيّار/مايو من عام 2019، وثائق أظهرت رفع الحكومة لراتب رئيسها وأعضائها بمقدار ألفيّ دولار، ليصبح راتب رئيس الوزراء 6000 دولار وراتب الوزير 5000 دولار، مستندة بذلك إلى توقيع من عبّاس على تلك الزيادة في حزيران/يونيو من عام 2017، لكن من دون تعديل قانون مكافآت ورواتب أعضاء المجلس التشريعيّ وأعضاء الحكومة والمحافظين رقم (11) لسنة 2004، حيث قامت الحكومة بصرف تلك الزيادة بداية عام 2015 بأثر رجعيّ. 

وعقب تداول الوثائق بشأن رفع رواتب الوزراء ومدى قانونية ذلك القرار، قرّرت الحكومة برئاسة محمّد اشتيّة بعد مناقشتها، في 31 أيّار/مايو، إحالة الملف إلى عبّاس لاتّخاذ المقتضى القانونيّ بشأنه، وقرّر عبّاس في اليوم ذاته وقف الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة السابقة والمتعلّقة بزيادة رواتب وزرائها، وأن تكون رواتب وزراء الحكومة الحاليّة ومن في حكمهم (المستشارين) حسب القانون، في اشارة الى قانون مكافآت ورواتب اعضاء المجلس التشريعي واعضاء الحكومة رقم 11 لعام 2004 والذي حدد راتب رئيس الحكومة ب، 4 الاف دولار وراتب الوزير بـ 3 الاف دولار.

واثار موضوع رواتب المستشارين والوزراء وما يتمتعون به من امتيازات الرأي العام الفلسطيني واهتمامات وسائل الاعلام المحلية، حيث وُجهت انتقادات من نشطاء وصحفيين ومواطنين الى السلطة خاصة انها تتحدث عن ازمة مالية تعاني منها، وعدم قدرتها على صرف رواتب الموظفين، بينما يتمتع المسؤولين في الحكومة والرئاسة من وزراء ومستشارين برواتب عالية وامتيازات.

ودفعت زيادة رواتب الوزراء اطراف دولية لانتقاد السلطة، كالمبعوث الاممي للشرق الاوسط نيكولاي ميلادينوف، والمبعوث الأمريكي لعملية السلام في الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات.

لقد جاء قرار الرئيس، في توقيت جيد، بل تأخر قليلا، فالازمة المالية دخلت شهرها السابع وكان من الضروري أن يعطي الرئيس عباس نموذجا ورسالة عملية سواء للمواطنين او للمجتمع الدولي، بتبني قرارات بالتقشف بدءا من مكتبه من خلال التخلص من العدد الكبير من المستشارين، وانه لن يسمح باستغلال المال العام حتى ولو من الوزراء، ليغلق الرئيس بالقرارين الباب امام اي انتقادات دولية ومحلية.

لقد حصد الرئيس اشادة وتاييد المحللين وكتاب الرأي والمواطنين بشكل كبير عقب هذا القرار على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ما رفع شعبية الرئيس لدى الجماهير، خاصة انه شدد في 15 حزيران/يونيو خلال اجتماع مع حركة الشبيبة في رام الله، بحسب ما نشره الناطق باسم حركة "فتح" منير الجاغوب في صفحته على "فيسبوك": "أخطأنا وصحّحنا الخطأ، وعلى الجميع تصويب من يخطىء.. والخطأ هو الاستمرار بالخطأ"، "وعلى كلّ من أخذ قرشاً مش من حقّه يرجعو"، بينما ذكرت شبكة "أجيال" في 17 حزيران/يونيو من عام 2019 أنّ عبّاس أوعز إلى رئيس هيئة مكافحة الفساد أحمد البرّاك ضرورة فتح كلّ ملفّات الوزراء في الحكومة السابقة، بدءاً من رئيس الحكومة.

وذكرت وكالة "فرانس برس"، في 19 آب/أغسطس، "أنّ عبّاس اتّخذ هذا القرار بعدما قدّمت لجنة خاصّة شكّلها في حزيران/يونيو الماضي تقريراً تفصيليّاً عن المبالغ التي يتقاضاها كبار الموظّفين في السلطة، وبخاصة المستشارين".

من جهته، قال الكاتب والمحلّل السياسيّ جهاد حرب لـ"المونيتور": إنّ هناك غموضاً في أسباب قرار عبّاس بشأن مستشاريه، لكنّه قد يكون لثلاثة أسباب، أوّلها: أنّه سيتيح لقادة حركة "فتح" الهيمنة على المشهد السياسيّ الفلسطينيّ في حال تعيينهم مستقبلاً كمستشارين، وثانيها: أنّه رسالة إلى المجتمع الفلسطينيّ أنّه شرع في خطّة تقشّف بدأت من مكتبه بإنهاء الامتيازات التي يحصل عليها مستشاروه وتقليل عددهم، وثالثها: سوء ائتمان بعض المستشارين ووجود اختلالات جوهريّة في عمل بعضهم كتقديم مصلحتهم الشخصيّة على المصلحة العامّة. 

وكان عضو اللجنة المركزيّة لحركة "فتح" اللواء توفيق الطيراوي طالب عبّاس في بيان صحافيّ، بـ7 آب/آغسطس، بالتدخّل لوقف تعدّي مسؤولين (لم يذكرهم) على أراضي الدولة، مشيراً إلى أنه نبّه عبّاس في وقت سابق لهذا الملف، وأنّ عبّاس أصدر أوامره لمستشاره القانونيّ لمتابعته مع الأجهزة الأمنيّة.

وقال توفيق الطيراوي: "راجعت المستشار القانونيّ أكثر من مرّة، لكنّ الأمور بقيت على حالها. وللأسف، زادت التعدّيات والاستغلال من قبل بعض المسؤولين".

بدوره، قال مدير البحوث والسياسات في "المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجيّة – مسارات" خليل شاهين لـ"المونيتور": إنّ قرار عبّاس إيجابيّ، وينبغي تشجيعه، لأنّه ينهي ظاهرة غير طبيعيّة في السياسة الفلسطينيّة تتمثّل بالعدد الكبير من المستشارين، بعضهم ليس مختصّاً. وبالتالي، هذا الملف كان محطّ انتقاد الرأي العام كونه يشكّل أحد مظاهر الفساد.

ولفت خليل شاهين إلى أنّ تعيين المستشارين كان سياسة متّبعة منذ الرئيس ياسر عرفات لإرضاء القيادات الفلسطينيّة التي كانت تغضب في حال تمّ إعفاؤها من منصبها، او عدم انضمامهم الى احدى اللجان الاساسية في منظمة التحرير او في السلطة وقال: إنّ القرار يجب أن يكون حافزاً لتعزيز النزاهة والشفافيّة ومكافحة مظاهر الفساد، واستعادة ثقة الجمهور.

وأشار إلى أنّ المستشارين لا يعملون بشكل منتظم. ولذلك، فإنّ عبّاس يحتاج إلى مستشارين على شكل هيئة تقوم بالدور المطلوب منها بتقديم رؤيتها إلى عبّاس حول قضايا استراتيجيّة واقتصاديّة وسياسيّة، وقال: "إنّ إيجاد هيئة أو مؤسّسة استشاريّة حول الرئيس تضمّ مختصّين وكفاءات بات أمراً ملحّاً، من أجل إنهاء الطريقة الارتجاليّة في تعيين المستشارين".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept