نبض مصر

تعويضات حكوميّة جديدة للنوبيّين... هل تحلّ قضيّة العودة إلى الأرض قريباً؟

p
بقلم
بإختصار
أعاد قرار الحكومة المصرية بتشكيل لجنة صرف تعويضات أبناء النوبة المتضرّرين من إنشاء السدّ العاليّ وتعلية خزّان أسوان، قضية إعادة توطين النوبيين بأرضهم القديمة إلى الواجهة من جديد، حيث لا يزال كثيرون يحلمون بالعودة إلى بلاد الذهب التي هُجَرُوا منها قبل 56 عاما، وسط محاولات من الناشطين النوبيين لتدويل القضية أمام لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لكسب خطوة في صراعهم المستمر مع الحكومات المصرية.

القاهرة: ينتظر النوبيّ حسين جبر الحصول على تعويض حكوميّ متأخّر، يزيل بعضاً من مرارة التهجير التي تجرّعتها عائلته الكبيرة على مدار العقود الخمس الأخيرة منذ عمليّة التهجير الكبرى للقرى النوبيّة المعروفة ببلاد الذهب، والواقعة في أقصى جنوب مصر، في سبيل إنشاء السدّ العاليّ.

وبدأت محافظة أسوان في 25 حزيران/ يونيو الماضي بمكاتب وزارة التضامن الاجتماعي في مركزي نصر النوبة وكلابشة تتلقّى طلبات صرف تعويضات أبناء النوبة المتضرّرين من إنشاء السدّ العاليّ وتعلية خزّان أسوان، بناء على قرار مجلس الوزراء في شباط/ فبراير 2019 بتشكيل اللجنة الوطنيّة لصرف التعويضات لمتضرّري النوبة، الذين لم يسبق تعويضهم.

وكان وزير شؤون مجلس النوّاب المستشار عمر مروان أعلن خلال مؤتمر صحافيّ في مجلس الوزراء بـ19 حزيران/يونيو الماضي، أنّ التعويضات الجديدة بتوجيه رئاسيّ، موضحاً أنّه صدر قرار في عام ٢٠١٧ من رئيس الوزراء لحصر المتضرّرين، وانتهت بنحو ٣٨٥١ مستحقّاً للتعويض من بناء الخزّان، و٧٨٦٥ مستحقّاً من بناء السدّ العاليّ، منهم ٣١٠٧ متضرّرين من فقد السكن والباقي فقد أراضي، بإجماليّ 11700 متضرّر.

وأكّد عمر مروان أنّ الحكومة حريصة على حصول النوبيّين على حقوقهم بشكل منظّم ودقيق، وهي الوعود التي تغدقها السلطة في مصر على أهل النوبة منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ستينيّات القرن الماضي، لكنّها لم تف بوعودها وتتجاهل عودتهم إلى حضن النيل في بلادهم القديمة.

ومرّت عمليّة تهجير النوبيّين بمراحل عدّة، بدأت في عام 1902 لبناء خزّان أسوان لتنظيم الفيضانات السنويّة لنهر النيل، تبعها تهجير جديد في عام 1912 لتعلية الخزّان نفسه، ثم ّالتعلية الثانية في عام 1933، الأمر الذي أسفر عن غرق عدد من القرى وسقوط عشرات الضحايا. وبعدما ظنّوا أنّهم لن يرتحلوا مرّة أخرى فوجئوا بعمليّة جديدة بدأت في تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 1963 وانتهت في حزيران/يونيو من عام 1964 لبناء السدّ العاليّ، وأخرجت خلالها الحكومة حوالى 135 ألف نوبيّ يعيشون في 44 قرية من بيوتهم المطلّة على بحيرة ناصر وتمّ نقلهم إلى أراض قاحلة غير صالحة للزراعة.

حين خرج النوبيّون مطرودين من جنّتهم بدوافع خدمة مصالح الدولة بتوليد الكهرباء، بالتعاون مع السودان، وعدهم جمال عبد الناصر بالعودة بعد ثبوت منسوب المياه أو بعد 10 سنوات من بناء السدّ، لكنّ السنوات العشر صارت 56، مات خلالها الأجداد وما زال الآباء والأحفاد مستمرّين في رحلة طويلة من الحلم والمطالبة والضغط الدوليّ لانتزاع الحقوق.

"نعم أحلم بالعودة، لكن نتعامل مع الأمر الواقع، فالباقي من العمر لا يسمح لنا بالمزيد من النضال والحرث في المياه"، قالها حسين جبر،المولود في العام 1956 لـ"المونيتور"، الذي استقرّ مقام عائلته بعد التهجير في قرية بلانة الجديدة، بمركز نصر النوبة، الذي يعيش فيه نحو 70 ألف مواطن معظمهم من النوبيين الذين هجروا.

عائلة جبر كانت تمتلك 8 فدادين أرض ومنزلين في قرية بلانة النوبة القديمة تقلّص تعويضها من اللجنة الجديدة إلى 3 فدادين فقط وبيت واحد، وهو ما لا يعترض عليه جبر رغم ضعف المقابل الماديّ الذي حدّدته الدولة.

وأعلنت الحكومة في 19 حزيران/يونيو الماضي تقسيم التعويضات الجديدة إلى سكنيّة وزراعيّة، حيث يتمّ تعويض صاحب الأرض بأرض أخرى، في حين سيتمّ تعويض من له رغبة في التعويض الماليّ بواقع 25 ألف جنيه للفدّان، و225 ألفاً عن المسكن.

يرفض جبر ربط قبول التعويض الحكومي بدعوات العودة لأرض النوبة القديمة، يوضح: "لماذا ترفض تعويض مستحق عن أراضيك ومساكنك، الموضوع لا يحتمل المزايدة، لذا نقبل بالمتاح بدلا من انتظار حلم بعيد المنال" يقصد العودة للنوبة القديمة.

لا يفكّر جميع النوبيّين بطريقة جبر البراغماتيّة نوعاً ما، فهناك من يشكّك في نوايا التحرّك الأخير للحكومة، ويعتبره مجرّد بروباغندا لإطالة المفاوضات مع النوبيّين في حقّ العودة، بعد أن شهدت السنوات الأخيرة نشاطاً ملحوظاً من الناشطين النوبيّين في الداخل والخارج للضغط على الحكومة من أجل تطبيق ما جاء في الدستور الحاليّ.

ونصّت المادّة 236 من الدستور على الآتي: "تعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكّان النوبة إلي مناطقهم الأصليّة وتنميتها خلال عشر سنوات"، وهو ما لم يتحقّق على أرض الواقع حتّى الآن بسبب مماطلة الحكومة في قانون إنشاء هيئة إعمار وتنمية بلاد النوبة. 

وأشارت عضو الاتّحاد النوبيّ العام الناشطة النوبيّة وفاء عشري في تصريحات لـ"المونيتور" إلى أنّها لا تشجّع فكرة الحصول على التعويضات من دون إصدار قانون هيئة إعمار تنمية بلاد النوبة، الذي أوقفته الحكومة بشكل مفاجئ لدواعي الأمن القوميّ، معربة عن قلقها من التفاف الحكومة على مطالب النوبيّين مجدّداً.

وبالنّسبة إلى وفاء عشري، فالتعويض الماليّ ليس حلاًّ لقضيّة القرن لديهم، فهم يشتاقون إلى أرضهم القديمة واستعادة هويّتهم وتراثهم، فهي تريدها مكاناً يحافظ على التراث النوبيّ وعاداته وتقاليده ويكون حاضنة اجتماعيّة للهويّة الثقافيّة النوبيّة التي يخشون أن تتعرّض للاندثار.

وفي الإطار ذاته، يسعى ناشطون نوبيّون إلى استكمال حملة تدويل القضيّة التي بدأها الأديب النوبيّ حجّاج أدول للمرّة الأولى، حين تحدّث عن ممارسة العنصريّة والتطهير ضدّ النوبيّين خلال مؤتمر نظمه أقباط المهجر في واشنطن بعام 2005، تحدث خلاله عن تعرض النوبيين للاضطهاد في مصر، فيبرز اسم رئيس اتحاد النوبيّين في النمسا حمدي سليمان، الذي يسعى إلى استغلال تواجده في فيينّا منذ سنوات لتدويل القضيّة، مؤكّداً أنّ التعويض المستحقّ عن المساكن والأراضي لا يلغي حقّ العودة، وهذا مبدأ قانونيّ ودوليّ.

"التعويض يكون عن شيء تالف أو غائب، ونوبتنا أرضنا ما زالت هناك، فلا تعويض عن موطن تاريخيّ نراه أمام أعيننا"، هذا ما قاله لـ"المونيتور" حمدي سليمان، الذي أشار أيضاً إلى أنّ الحكومة لا يهمّها كثيراً تشتيت النوبيين بين محافظات مصر وضياع هويّتهم ولغتهم وتراثهم.

لا تنفصل القضيّة النوبيّة عن أزمة تهميش الحكومات المصريّة لمطالب الأقليّات، إذ أنّها تتّبع معها استراتيجيّة التخدير التي تتّبعها مع كلّ الأقليّات، الأمر الذي يبقي مطالبها عالقة لأطول وقت، وفقاً لأستاذ الاجتماع السياسيّ في الجامعة الأميركيّة الدكتور سعيد صادق، الذي أوضح في حديث لـ"المونيتور" أنّ سياسة الحكومة المصريّة مع كلّ الأقليّات واحدة، ألا وهي المماطلة، ثمّ التجاهل في حجج مختلفة، فإذا أعطت أهل النوبة حقوقهم بإعادتهم إلى أراضيهم سيُفتح الباب أمام بقيّة الأقليّات كالأقباط والشيعة والملحدين وأصحاب الميول الجنسيّة المختلفة للمطالبة بحقوقهم، وهو ما لا تريد حدوثه.

وبرّر صادق إعلان الحكومة عن لجنة جديدة للتعويضات برغبتها في تسكين موقّت لآلام النوبيّين، لكنّه رفض ربط ذلك بالضغوط الدوليّة التي يشكّلها نشطاء النوبة، لأنّ الحكومة لا تكترث إلى الضغوط ولا ترغب بالوقت نفسه في إعاقة مشروعاتها الاستثماريّة في الأراضي المطلّة على السدّ العاليّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

Ahmad al-Bordeny is an Egyptian journalist who covers political and social topics for Egypt's Al-Shorouk newspaper and other Arab periodicals.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept