نبض فلسطين

استمرار تسريب أملاك الكنيسة الأرثوذكسيّة إلى الشركات الاستيطانيّة

p
بقلم
بإختصار
تتواصل عمليّات تسريب أملاك الكنيسة الأرثوذكسيّة في مدينة القدس إلى الشركات الاستيطانيّة بموجب صفقات بيع وتأجير طويل الأمد يقوم بها مسؤولون في الكنيسة، الأمر الذي يهدّد بضياع المزيد من تلك الأملاك وتهويدها.

رام الله، الضفّة الغربيّة — رفضت المحكمة الإسرائيليّة العليا في مدينة القدس، بـ10 حزيران/يونيو، استئناف بطريركيّة الروم الأرثوذكس ضدّ صفقة تأجير 3 عقارات لها في البلدة القديمة بالقدس إلى جمعيّة عطيرت كوهانيم الاستيطانيّة لمدّة 99 عاماً، مع إمكانيّة تجديد العقد مرّة أخرى، وأقرّت المحكمة بصحّة الصفقة التي تعرف بصفقة "باب الخليل".

وكانت الصفقة تمّت خلال عام 2004، لكن أمرها كشف في عام 2005، حين نشرت صحيفة "معاريف" تقريراً صحافيّاً عن تأجير 3 أملاك تابعة للكنيسة إلى الجمعيّة الاستيطانيّة، وهي: فندقا البترا والإمبريال في ساحة عمر بن الخطّاب بمنطقة باب الخليل، أحد الأبواب الرئيسيّة لبلدة القدس القديمة، وقصر المعظميّة في باب حطّة - شمال المسجد الأقصى.

وتسبّبت الصفقة في عزل البطريرك إيرينيوس في 7 أيّار/مايو من عام 2005، خلال اجتماع لمجمع كنسيّ (سينودس) عقد في القدس، وهو القرار الذي اتخذه كذلك رؤساء الكنائس الارثوذكسي في العالم خلال اجتماع للمجمع الكنسي عقد في 24 ايار/ مايو 2005 في بطريركية القسطنطينية المسكونية في تركيا، وتجريده من قبل محكمة الكنيسة في 16 أيّار/مايو من عام 2005 من رتبته البطريركيّة وإعادته إلى رتبة راهب، بعد اتّهامه بتسريب أملاك الكنيسة إلى الإسرائيليّين، من خلال منحه وكالة عامّة إلى أمين الصندوق السابق في البطريركيّة نيكولاس باباديموس، الذي وقّع على صفقات التأجير.

وقدّمت البطريركيّة الأرثوذكسيّة خلال عام 2017 استئنافاً إلى المحكمة العليا الإسرائيليّة في القدس، ضدّ قرار المحكمة المركزيّة في المدينة بـ31 تمّوز/يوليو من عام 2017، التي أقرّت بصحّة الاتفاقيّة.

وأثار قرار المحكمة العليا ردود فعل غاضبة في الطائفة الأرثوذكسيّة بفلسطين ضدّ البطريركيّة، إذ دعا المجلس المركزيّ الأرثوذكسيّ ولجنة المتابعة المنبثقة عن المؤتمر الوطنيّ لدعم القضيّة العربيّة الأرثوذكسيّة، الذي عقد في 1 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2017، والحراك الشبابيّ العربيّ الأرثوذكسيّ، في بيان صحافيّ بـ14 حزيران/يونيو من عام 2019 إلى تشكيل لجنة تحقيق لمواجهة تداعيات صفقة باب الخليل ومخاطرها ومحاسبة المقصّرين، لا سيّما الطاقم القانونيّ التابع للبطريركيّة، الذي أخفق في متابعة القضيّة.

وأشار عضو المجلس المركزيّ الأرثوذكسيّ جلال برهم في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ البطريركيّة تعاملت مع الملف قانونيّاً بالكثير من التقصير المتعمّد في تقديم الأدلّة والبراهين إلى المحكمة المركزيّة، بهدف خسارة القضيّة، وقال: إنّ البطريركيّة توصّلت إلى تفاهم غير مكتوب مع شركة عطيرت كوهانيم في 1 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2009، يقضي باستمرار القضيّة في المحكمة الإسرائيليّة بين الطرفين الأساسيّين (شركات الاستيطان والبطريركيّة)، وشطب المستأجرين كمدّعى عليهم، مع إعطاء الحقّ إلى شركة الاستيطان بتقديم دعاوى ضدّ المستأجرين متى تشاء، وإنّ أيّ قرار سيصدر من المحكمة العليا سيكون ملزماً للمستأجرين. وبالتّالي، أقرّت المحكمة المركزيّة بالقدس في 9 كانون الثاني/يناير من عام 2010 شطب أسماء 22 مستأجراً من الدعوى وأسقطتهم، وفق ما اكده برهم.

ولفت جلال برهم إلى أنّ البطريركيّة استلمت مبلغ الصفقة كاملاً، والبالغ مليون و850 ألف دولار، موزّعاً على فندق البترا بقيمة نصف مليون دولار، وفندق الإمبريال بقيمة مليون و250 ألف دولار، وقصر المعظميّة بـ55 ألف دولار، وقال: من المتوقّع أن تبدأ شركة عطيرت كوهانيم بملاحقة المستأجرين خلال الفترة المقبلة قضائيّاً لطردهم من محالهم التجاريّة، وإلزامهم بدفع الإيجار لهم بأثر رجعيّ عن السنوات السابقة (منذ عقد الصفقة) باعتبارها المستفيد الحقيقيّ عن تلك العقارات.

واتّهم السلطة الفلسطينيّة والمملكة الأردنيّة بعدم الاهتمام بقضيّة أوقاف الكنيسة الأرثوذكسيّة من خلال إبقاء اعترافها بالبطريرك ثيوفيلوس الثالث وعدم عزله، قائلاً: "إنّ المؤتمر الوطنيّ لدعم القضيّة العربيّة الأرثوذكسيّة، الذي عقد في عام 2017 أوصى بسحب الاعتراف بالبطريرك ثيوفيلوس الثالث، وإقالته ومحاسبته على كلّ الصفقات التي قام بها لصالح إسرائيل"، في اشارة الى ان ثيوفيلوس الثالث تعامل باستخفاف وعدم جدية في ملف الاملاك امام المحكمة الاسرائيلية.

أضاف: "قدّمنا توصيات المؤتمر الذي شاركت فيه كلّ الفصائل الفلسطينيّة إلى المجلس المركزيّ لمنظّمة التحرير خلال اجتماعه بكانون الثاني/يناير من عام 2018، والمجلس الوطنيّ لمنظّمة التحرير في اجتماعه خلال أيّار/مايو من عام 2018، وقرّرا اتّخاذ الإجراءات الضروريّة اللاّزمة لحماية هذه الأوقاف ووقف تهريبها وتصفيتها، لصالح إسرائيل"، وهو ما لم يحدث، حسب ما قاله برهم.

ولفت برهم إلى أنّ أكثر من 390 شخصيّة فلسطينيّة تقدّمت بشكوى جزائيّة ضدّ ثيوفيلوس مكوّنة من 500 صفحة، تشمل وثائق ومستندات تثبّت تورّطه في تسريب أملاك الكنيسة إلى الشركات الإسرائيليّة في 30 آب/أغسطس من عام 2017 إلى النائب العام الفلسطينيّ (بعد شهر من قرار المحكمة المركزية الاسرائيلية بصحة وسلامة صفقة باب الخليل) ، لكن حتّى هذه القضيّة لا نعلم مصيرها، ولم يتّم التعامل معها النائب العام الفلسطيني، وقال: "نضع علامة استفهام لماذا لم يتمّ التعامل مع هذه الشكوى حتّى الآن، رغم توافر كامل الشروط القانونيّة والضروريّة لدى النائب العام".

وليد الدجاني (74 عاماً) من مدينة القدس، تستأجر عائلته فندق الإمبريال الذي بني خلال عام 1893، والمكوّن من 50 غرفة، ويقع على مساحة 1800 متر مربّع، منذ عام 1949 من الكنيسة الأرثوذكسيّة، حسب ما أكّده لـ"المونيتور"، لافتاً إلى أنّه يتوقّع في غضون الأيّام أو الأسابيع القليلة المقبلة أن يصله طلب مغادرة الفندق وتسليمه، وقال: "لدينا عقد إيجار مكتوب مع الكنيسة، أبرمه والدي، ومدّته 3 أجيال، أيّ يبقى معنا إلى حين موتي، ثمّ يأتي ولدي، فحفيدي إلى حين موته".

ولفت إلى أنّه بعد القرار الأخير لمحكمة العدل العليا تحوّل الخلاف بين عطيرت كوهانيم والبطريركيّة إلى خلاف مع المستأجرين من أجل إخلائهم من تلك العقارات، مشيراً إلى أنّ إيجار الفندق السنويّ يبلغ 250000 شيكل ( 69,5 ألف دولار) سنويّاً، وأنّه كان ملتزماً بدفع المبلغ إلى البطريركيّة حتّى عام 2009 حيث توقّف عن الدفع بسبب عدم قدرته على ذلك وبعلم الكنيسة وموافقتها، وهو العام نفسه الذي اتّفقت فيه الكنيسة مع الشركة الإسرائيليّة على إسقاط أسماء المستأجرين من القضيّة.

وأوضح الدجاني، الذي يدير الفندق منذ عام 1997، بعد أن كان يشغل منصب عميد معهد إدارة الفنادق والسياحة في جامعة بيت لحم لمدّة 25 عاماً، أنّ الفندق غير مجد اقتصاديّاً كمشروع تجاريّ، لكنّ عائلته متمسّكة به نظراً إلى مكانته وعراقته وموقعه في قلب القدس القديمة، وهو لا يقلّ أهميّة عن الحرم القدسيّ وكنيسة القيامة.

ورغم المطالبات المستمرّة من قبل الطائفة الأرثوذكسيّة للسلطة الفلسطينيّة والمملكة الأردنيّة بإيلاء قضيّة أملاك الكنيسة الاهتمام الكافي، وسحب الاعتراف بثيوفيلوس الذي تتّهمه الطائفة بلعب دور بارز في تسريب تلك العقارات، إلاّ أنّ عدم الاستجابة لها قد يسهم في استمرار تسريب العقارات إلى الشركات الإسرائيليّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept