نبض فلسطين

خطّة إسرائيليّة لإنعاش اقتصاد الفلسطينيّين تثير مخاوفهم السياسيّة

p
بقلم
بإختصار
أعلن عضو الكنيست عن حزب الليكود والرئيس السابق لبلديّة القدس نير بركات عن خطّة اقتصاديّة لتحسين الوضع المعيشيّ في الضفّة الغربيّة، بتشغيل 200 ألف عامل فلسطينيّ في 12 منطقة صناعيّة في الضفّة والقدس، وتعتمد على التعاون مع الفلسطينيّين مباشرة... السطور الآتية تناقش الخطّة ومدى مساهمتها في إنعاش الواقع الاقتصاديّ في الضفّة، وما هي المناطق الصناعيّة المتوقّعة، وحجم استيعابها أعداد العمّال الفلسطينيّين، وإمكانيّة مشاركة السلطة فيها أو مقاطعتها.

كشفت صحيفة "إسرائيل اليوم" في 24 حزيران/يونيو عن خطّة خاصّة بعضو الكنيست عن حزب الليكود والرئيس السابق لبلديّة القدس نير بركات تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصاديّ في الضفّة الغربيّة، وتركّز على المناطق "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيليّة، والتي تضمّ 60 في المئة من مساحة الضفّة، ويعيش فيها 400 ألف مستوطن.

وتأتي الخطّة، استكمالاً لصفقة القرن الأميركيّة، وتؤكّد أنّ الرخاء الاقتصاديّ للفلسطينيّين والإسرائيليّين في الضفّة سيأتي بتعاونهم، بإنشاء 12 منطقة صناعيّة مشتركة، يعمل فيها 200 ألف فلسطينيّ، مع وجود 30 ألفاً يعملون حاليّاً في المنطقة "ج"، نصفهم في المناطق الصناعيّة والباقي في المستوطنات.

وكشفت الصحيفة الإسرائيليّة أنّ نير بركات أعدّ خطّته، بالتعاون مع البروفيسّور مايكل بورت من جامعة هارفارد، عقب قيامهما بجولات ميدانيّة في الضفّة، للتعرّف على أماكن المناطق الصناعيّة المشتركة، وقُدّمت إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أخيراً ومستشاريّ الرئيس الأميركيّ جيسون غرينبلات وجيراد كوشنر، وقادة المستوطنين في الضفّة، وجميعهم رحّبوا بها.

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة "النّجاح الوطنيّة" بنابلس نائل موسى لـ"المونيتور": "إنّ الخطّة الاقتصاديّة الإسرائيليّة ستعمل على إنعاش اقتصاد الفلسطينيّين في الضفّة، وترفع معدّلات دخلهم، رغم أنّها ترفض التعاطي مع موضوعهم السياسيّ، وتعتمد الجانب الاقتصاديّ فقط. السلطة الفلسطينيّة ستعلن رفضها لهذه الخطّة، لكن تحت الطاولة قد تتساوق معها، وتريد الظهور كمن فرضت عليها، وليست منخرطة فيها طواعيّة. إن حصلت الخطّة على دعم أميركيّ فستجد طريقها للتنفيذ في الضفّة".

تقترح خطّة بركات بناء 4 مناطق صناعيّة جديدة في شمال الضفّة ومعاليه أدوميم، وترقوميا بتلال الخليل الجنوبيّة، بما يتيح الوصول السهل نسبيّاً إليها من قبل الإسرائيليّين والفلسطينيّين، وإقامة حديقة صناعيّة ضخمة قرب مستوطنة محولا في شمال غور الأردن لتوظيف 100 ألف شخص، وبجانب مستوطنات: حيننيت، حرميش، وبلدة برطعة، وإنشاء 3 مناطق صناعيّة توظّف 168 ألفاً، لأنّ تنفيذها سيضاعف أجور العمّال الفلسطينيّين.

وتعرض الخطّة تطوير السياحة في المستوطنات الإسرائيليّة بالضفّة، بإنشاء وتطوير 12 موقعاً سياحيّاً ستضخّ الأوكسجين الاقتصاديّ للشعبين، وتوظيف العمّال الفلسطينيّين على نطاق واسع في المراكز السياحيّة.

وقال عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير واصل أبو يوسف لـ"المونيتور": "إنّ هناك إجماعاً قياديّاً وفصائليّاً فلسطينيّاً، وعلى مستوى المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ والقطاع الخاص ورجال الأعمال، بمقاطعة كلّ خطّة إسرائيليّة وأميركيّة تهدف إلى تغليب الجانب الاقتصاديّ على السياسيّ، من دون الدخول في تفاصيل خطّة بركات. وهذا الموقف ينسحب على كلّ الخطط التي تحاول بيع الفلسطينيّين أوهاماً بتحسين ظروف حياتهم".

السلطة التي تغيّبت عن قمّة البحرين لأنّها تتجاوز الصراع مع إسرائيل بجوانبه السياسيّة وتركّز على المسائل الاقتصاديّة، لم تصدر موقفاً من خطّة بركات، رغم التوقّع بأنّها سترفضها لأنّها لا تعتمد التنسيق معها، بل التواصل مع الفلسطينيّين مباشرة، مع أنّهم يعلنون أنّ أيّ خطّة اقتصاديّة لن تنجح، في ظلّ وجود الاحتلال الإسرائيليّ، ولن يكتب النجاح لأيّ مشاريع اقتصاديّة مقابل طيّ الملف السياسيّ. وهذا يذكّرنا بالرفض الفلسطينيّ للمشاريع الاستيطانيّة في الضفّة، لكنّ السلطة في الوقت ذاته تغضّ الطرف عن عمل عشرات آلاف العمّال الفلسطينيّين في المستوطنات.

وأكّد رئيس الوزراء الفلسطينيّ محمّد اشتيه في مقاله بصحيفة "واشنطن بوست" بـ25 حزيران/يونيو أنّ "الفلسطينيّين ليسوا في حاجة إلى المساعدات والصدقات، بل إلى حقوقهم من الحريّة، وإنهاء إسرائيل هيمنتها على حياتهم واقتصادهم، فلا يمكن شراؤهم أو رشوتهم للقبول بأيّ شيء".

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة "بيرزيت" نصر عبد الكريم لـ"المونيتور": "إنّ الخطّة الاقتصاديّة الإسرائيليّة من شأنها أن تحسّن مستوى معيشة الفلسطينيّين في الضفّة، لكنّ تفاصيلها الفنيّة ليست واضحة: فمن سيشرف على المناطق الصناعيّة التي سيتمّ بناؤها؟ ومن سيعمل فيها؟ الفلسطينيّون يخشون أن تشكّل الخطّة تطبيعاً اقتصاديّاً الأمر الذي قد يعيق موافقة السلطة عليها".

تكتسب خطّة بركات الاقتصاديّة أهميّتها في تزامن إعلانها مع انطلاق قمّة البحرين الاقتصاديّة في 25 و26 حزيران/يونيو، التي تركّز على الازدهار الاقتصاديّ في الشرق الأوسط، وتمنح الفلسطينيّين جزءاً كبيراً من المشاريع الاقتصاديّة والفرص الاستثماريّة المعروضة.

ويأتي نشر الخطّة الإسرائيليّة، بعد يومين من إعلان مسؤول أميركيّ، أخفى هويّته، في 22 حزيران/يونيو، تفاصيل الخطّة الاقتصاديّة الأميركيّة للمنطقة، وتتضمّن تقديم 50 مليار دولار لإنعاش الاقتصاد الفلسطينيّ وتوفير قروض بفوائد منخفضة، وتوفير مليون وظيفة جديدة في الضفّة وغزّة، ومضاعفة الناتج المحليّ للأراضي الفلسطينيّة، وتخفيض معدّل الفقر لدى الفلسطينيّين.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" في غزّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ خطّة بركات جزء من حمى مقترحات اقتصاديّة إسرائيليّة وأميركيّة بعد فشل الحلول السياسيّة، وتتزامن مع الانهيار الاقتصاديّ الفلسطينيّ، مع نموّ متصاعد للاقتصاد الإسرائيليّ، وبشكل متسارع. خطّة بركات مستلهمة من كون المشاريع الاقتصاديّة والتشغيليّة والمدن الصناعيّة الموجودة في الضفّة الغربيّة ناجحة وفاعلة، لكنّ مشكلتها تكمن في التحكّم الإسرائيليّ بها، متى تعمل ومتى تتوقّف، بسبب السيطرة الأمنيّة. المناطق الصناعيّة التي تدعو إليها خطّة بركات تسعى إلى إقامة اندماج وتشغيل مشترك فلسطينيّ- إسرائيليّ، وتعطي نتائج سياسيّة وأمنيّة فعّالة لصالح إسرائيل".

تأتي خطّة بركات كمحاولة لتعميم المناطق الصناعيّة القائمة حاليّاً في الضفّة بمدن أريحا وجنين وسلفيت والخليل ونابلس والأغوار، مع أنّ الخطة، إن بدأ تطبيقها، ستعني اعترافاً فلسطينيّاً بالسيادة الإسرائيليّة على المناطق "ج" التي ستقام عليها المناطق الصناعيّة.

قد يلاقي الكشف عن هذه الخطّة في هذا التوقيت بالذات قبولاً فلسطينيّاً شعبيّاً لأنّها تتزامن مع ارتفاع معدّلات البطالة في الضفّة بمعدّلات كبيرة، إذ بلغت 18 في المئة، وفقاً لبيان "الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ" في أيّار/مايو.

تشير الخطّة الاقتصاديّة الإسرائيليّة إلى أنّنا أمام خطوة جديدة في مسار السلام الاقتصاديّ الذي يتجاوز الملف السياسيّ، الذي يتبنّاه اليمين الإسرائيليّ الحاكم. ولعلّ ما قد يسرّع في تطبيقها، رغم بعض الصعوبات السياسيّة والأمنيّة، أنّها تتناغم مع توجّهات الإدارة الأميركيّة الحاليّة وبعض الدول العربيّة، التي تريد القفز عن المسائل السياسيّة، وتحصر حلّ الصراع الفلسطينيّ - الإسرائيليّ عبر بوّابته الاقتصاديّة البحتة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept