نبض العراق

مجلس النواب العراقي يدرس وضع فقهاء في المحكمة الاتّحاديّة العليا

p
بقلم
بإختصار
يثير مشروع قانون المحكمة الاتّحاديّة العليا جدلاً واسعاً في الشارع العراقيّ، حيث يمنح سلطة قضائيّة لرجال الدين في البلد.

أنهى البرلمان العراقيّ القراءة الثانية لمسوّدة قانون المحكمة الاتّحاديّة العليا في 13 حزيران/يونيو، وسط خلافات حامية حول معظم المواد المقترحة، وفي مقدّمتها تلك التي تنصّ على تعيين رجال دين في المحكمة والجهة المسؤولة عن اختيارهم.

وفشل البرلمان العراقيّ في دوراته السابقة في تشريع قانون المحكمة الاتّحاديّة العليا التي لاتزال تعمل حتّى الآن بموجب قانون عام 2005 والذي أصدرته الحكومة الموقّتة آنذاك استناداً إلى قانون إدارة الدولة، على الرغم من معارضته كثيراً من مواد الدستور الدائم الذي أقرّ في نهاية العام ذاته، وخصوصاً المادّة 92 التي أوجبت أن تكون المحكمة مستقلّة وعليا، لكن برئاسة رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يختار قضاتها أيضاً.

وفي المسوّدة الحاليّة لمشروع القانون، وهي مشابهة لمسوّدة عام 2015، تتكوّن المحكمة من الرئيس ونائبه، و11 عضواً، 4 منهم من فقهاء الإسلام (لهم حقّ الاعتراض الـ"فيتو")، تصادق عليهم لجنة مكوّنة من الرئاسات الثلاث (الجمهوريّة والوزراء والبرلمان)، الأمر الذي ترفضه الكتل البرلمانيّة، وترى أنّ الأمر من صلاحيّات البرلمان حصراً.

وتطالب الكتل الكرديّة بأن يكون هناك اثنان من الأعضاء الأكراد في المحكمة بحجّة أنّ صلاحيّاتها تشمل كلّ البلاد، بما فيها إقليم كردستان.

كما حدّدت المسوّدة مدّة خدمة الأعضاء بـ12 عاماً، واشترطت انعقاد المحكمة الاتّحاديّة العليا، في حضور ثلثي الأعضاء، وحصرت تقديم طلب تفسير نصوص الدستور إلى رؤساء السلطات التنفيذيّة الاتّحاديّة والمحلّيّة، ورئيس مجلس النوّاب، إلّا أنّ اللجنة القانونيّة في البرلمان اقترحت أن تكون مدّة خدمة الأعضاء 9 سنوات فقط، ومنح باقي مؤسّسات الدولة حقّ طلب تفسير النصوص الدستوريّة.

ولعلّ الخلاف الأهمّ حول قانون المحكمة هو حول تفسير المادّة 92 من الدستور، حيث أشارت إلى وجود خبراء في الفقه الإسلاميّ في المحكمة الاتّحاديّة، الأمر الذي تراه الكتل الإسلاميّة ملزماً لتعيينهم كأعضاء، فيما ترى القوى المدنيّة أنّ الدستور أرادهم كخبراء للاستعانة بآرائهم وحسب، لا سيّما وأنّ وضع رجال دين في أعلى سلطة قضائيّة سيؤدّي إلى خلافات حول الجهة التي ستختارهم أو التي يمثّلونها، خصوصاً في بلد متعدّد المذاهب مثل العراق، ناهيك عن مخاوف تحوّل المحكمة إلى سلطة دينيّة عليا باعتبار أنّ رجال الدين فيها سيحصلون على الثلث المعطّل لأيّ قرار تتّخذه المحكمة.

قال رئيس اللجنة القانونيّة في البرلمان ريبوار هادي لـ"المونيتور" إنّ "موضوع تعيين قضاة المحكمة الاتّحاديّة واختيار فقهاء الإسلام، إضافة إلى طريقة اتّخاذ القرارات والتصويت داخلها، هي أكثر القضايا الخلافيّة في القانون المقترح"، مشيراً إلى أنّ "الكتل الكردستانيّة طالبت بأن يكون رئيس إقليم كردستان طرفاً في اختيار القضاة على اعتبار أنّه من اختصاص المحكمة النظر في القضايا الخلافيّة بين الإقليم والمركز".

وأوضح هادي أنّ "المخاوف من أسلمة القضاء في البلاد مصدرها المادّة 92 من الدستور التي نصّت على وجود خبراء في الفقه الإسلاميّ داخل المحكمة وأنّ الخلاف الآن هو ما إذا كان دورهم استشاريّاً أو يحقّ لهم التصويت في كلّ القرارات".

إلّا أنّ هاجس الخوف من أسلمة القضاء، من وجهة نظر التيّار المدنيّ في البلاد تتبعه أيضاً مخاوف من شمول المحكمة الاتّحاديّة بنظام المحاصصة الطائفيّة والعرقيّة المتّبع في البلاد منذ عام 2003 الذي قد يحوّل القضاء إلى محلّ نزاع، بدلاً من أن يكون أداة لحلّ النزاعات الكثيرة في البلاد، ووفقاً للنائب عن التيّار المدنيّ رائد فهمي فإنّ "الدستور لم ينصّ على حقّ التصويت لفقهاء الإسلام"، وقال لـ"المونيتور" إنّ "قانون المحكمة الاتّحاديّة العليا هو أهمّ قانون تأسيسيّ في الدولة العراقيّة، لذا فإنّ شمولها بالمحاصصة الطائفيّة يعني التأسيس لنظام يعارض مبادئ الديمقراطيّة".

وأشار فهمي إلى وجود مقترحات عدّة تعالج مسوّدة القانون ومنها "أن يكون ترشيح رئيس المحكمة الاتّحاديّة العليا ونائبه وقضاتها عن طريق الانتخاب من قبل قضاة السلطة القضائيّة من بين قضاة الصنف الأوّل بدل اختيارهم من قبل الرئاسات الثلاث أو البرلمان".

في المقابل، تصرّ الكتل الإسلاميّة على وجود فقهاء في الشريعة كأعضاء في المحكمة الاتّحاديّة على أن يتمّ اختيار القضاة من قبل البرلمان. وقد شرح النائب عن حزب الفضيلة الإسلاميّ عمّار طعمة في بيان في 13 حزيران/يونيو الجاري أسباب اعتراض كتلته على مسوّدة القانون، ومن بينها أنّ "المسوّدة تجمع بين رئاستي المحكمة الاتّحاديّة العليا ومجلس القضاء الأعلى، كما تشترط انعقادها في حضور ثلثي الأعضاء، الأمر الذي قد يعطّل صدور الأحكام، لذا نقترح أن يكون الانعقاد بالغالبيّة المطلقة". كما اقترح "موافقة 3/4 خبراء الفقه الإسلاميّ من أعضاء المحكمة على تمرير أيّ قرار دستوريّ تصدره المحكمة أو معارضته".

وفي ظلّ هذا المشهد، ترجح بعض الأطراف السياسيّة في البلاد تأجيل مناقشة المسوّدة النهائيّة لقانون المحكمة الاتّحاديّة العليا، وطرحها للتصويت قريباً، بسبب كثرة الخلافات لا سيّما وأنّه من القوانين الحسّاسة وتتولّى بموجبه المحكمة الكثير من الصلاحيّات المهمّة، ومنها "تفسير النصوص الدستوريّة ومراقبة تنفيذ القوانين وفضّ النزاعات بين الحكومات المحلّيّة والحكومة الاتّحاديّة وتكون قراراته ملزمة وغير قابلة للطعن والاستئناف"، والحال ينطبق على قوانين أخرى فشل النظام التوافقيّ المحاصصاتيّ العراقيّ في تمريرها مثل التعديلات الدستوريّة والخدمة الاتّحاديّة ومجلس الاتّحاد والنفط والغاز والعلم والشعار والنشيد الوطنيّ وغيرها الكثير من التشريعات المعطّلة والتي يعكس الخلاف حولها حقيقة الأزمة في بنية النظام السياسيّ والصراع بين التيّارات المدنيّة والقوميّة والإسلاميّة لتغيير ذلك النظام في الشكل الذي يحقّق أهدافها وشعاراتها.

والقضاء العراقيّ الذي يتعرّض باستمرار إلى ابتزاز السلطات السياسيّة، سيكون في حال المصادقة على قانون المحكمة الاتّحاديّة العليا بصيغته الحاليّة، أكثر خضوعاً لقادة الكتل والأحزاب السياسيّة التي تستحوذ على الرئاسات ومقاعد البرلمان، فتعيينهم لقضاة أعلى محكمة في البلاد ولمدّة 12 عاماً يعني أنّ المحكمة ستدار من قبل هؤلاء القادة لـ3 دورات تشريعيّة مقبلة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

عمر ستار كاتب وصحافي عراقي مختص في الشان السياسي عمل لوسائل اعلام محلية وعربية حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept