نبض مصر

مصر وتركيا... فتور سياسيّ ورواج تجاريّ

p
بقلم
بإختصار
تدخل اتّفاقيّة التجارة الحرّة بين مصر وتركيا حيّز التقييم في عام 2020، إمّا بتجديدها أم بتجميدها، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حولها، في ظلّ الفتور السياسيّ القائم بين البلدين.

القاهرة - السياسة والتجارة بين الدول وجهان لعملة واحدة، تأثيرهما متبادل، فكلّما زادت العلاقات السياسيّة صلابة، سهّل ذلك من تدفّق التجارة المنظورة وغير المنظورة، إلّا أنّ الحالة المصريّة-التركيّة لا تلتزم بتلك القاعدة. فعلى الرغم من التوتّر السياسيّ بين البلدين والتراشق الإعلاميّ على خلفيّة الإطاحة بالرئيس المنتخب محمّد مرسي بعد احتجاجات شعبيّة ساندتها القوّات المسلّحة المصريّة في 30 حزيران/يونيو 2013، إلّا أنّ اتّفاقيّة التجارة الحرّة بين البلدين والتي وقّعت في 27 كانون الأوّل/ديسمبر 2005، ودخلت حيّز التنفيذ بين البلدين في 1 آذار/مارس 2007، حقّقت رقماً قياسيّاً في التبادل التجاريّ بين البلدين في عام 2018، حيث زاد حجم الصادرات التركيّة إلى مصر مقارنة بعام 2017 بنسبة 29,4%، قدّرت بـ3.05 مليارات دولار في عام 2018، فيما زادت الصادرات المصريّة إلى تركيا بنسبة 9,68%مقارنة بعام 2017، قدّرت بـ2.19 مليار دولار.

ينتهي العمل باتّفاقيّة التجارة الحرّة بين البلدين في عام 2020، وقد أثارت تساؤلات حول تجديد العمل بها بين البلدين أو تجميده، في ظلّ الفتور السياسيّ القائم.

بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما حدث في مصر في 30 يونيو 2013 كان بمثابة "انقلاب" ضد رئيس منتخب ومنذ ذلك الحين بدأت تركيا توفر ملاذ آمن لقادة الإخوان المسلمين الفارين من مصر.

ويقول الباحث في الشؤون التركيّة في مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة كرم سعيد لـ"المونيتور": "إنّ العلاقة الساخنة سياسيّاً بين البلدين ناتجة عن موقف شخصيّ من الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان ضدّ الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي، لذا فإنّ ما تمرّ به العلاقات السياسيّة لن يستمرّ على المدى الطويل، وأنقرة ستتّخذ موقفاً إيجابيّاً من التفاهم مع القاهرة، مثل المصالحات التي اتّخذتها مع تلّ أبيب وواشنطن وموسكو وطهران، لذا فإنّ التبادل التجاريّ والاستثمارات المباشرة في كلا البلدين سوف تدفع نحو تذليل العقبات السياسيّة لتحسين العلاقات الاقتصاديّة".

أضاف: "كلا الدولتين تعانيان من أزمات اقتصاديّة تدفعهما نحو استمرار العمل باتّفاقيّة التجارة الحرّة وعدم الدخول في صدام تجاريّ مباشر، فرجال الأعمال من كلا الدولتين يضغطون في اتّجاه تجديد العمل بالاتّفاقيّة، كذلك انخفاض الليرة التركيّة والجنيه المصريّ بعد التعويم يتطلّب حرص الجانبين على زيادة الصادرات وتقليل تكلفة الإنتاج، من أجل تعافي الاقتصاد في كلا الدولتين".

وسجّلت الليرة التركية أدنى مستوى لها مقابل الدولار الأمريكي في 12 آب/ أغسطس 2018 ، حيث بلغت 7.24 ليرة تركية لكل دولار ، في حين انخفضت قيمة الجنيه المصري من 7 إلى حوالي 20 جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي في ديسمبر 2016.

وأوضح: "توقيع مصر على اتّفاقيّة المناطق الصناعيّة المؤهّلة (كويز) مع إسرائيل وأميركا، وكذلك تفعيل اتّفاقيّة الشراكة المصريّة-الأوروبّيّة، شجّعا الاستثمارات التركيّة على التواجد في السوق المصريّ للاستفادة من المزايا التي تتيحها تلك الاتّفاقيّات، حيث ستنفذ المنتجات التركيّة المصنوعة في مصر إلى الأسواق الأوروبّيّة وأميركا، وطبيعة الاستثمارات التركيّة في مصر من شركات صناعيّة وزراعيّة تضيف إلى الناتج المحلّيّ المصريّ، وتوفّر ما يقارب الـ60 ألف فرصة عمل تجعل منها حائط صدّ في وجه محاولات تصفيتها، ممّا يجعل من الإبقاء عليها ضرورة للاستفادة منها في الناتج المحلّيّ المصريّ، الأمر الذي يثبت حاجة البلدين لتجديد اتفاقية التجارة الحرة ".

وعلى النقيض، قال الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة الدكتور بشير عبد الفتّاح لـ"المونيتور": "في الدول العربيّة، السياسة تحكم الاقتصاد وليس الاقتصاد من يحكم السياسة، لذا الاستمرار في الاتّفاقيّة أو تجميدها يرتبطان بالعديد من المؤشّرات السياسيّة، أبرزها بقاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية في السلطة".

وأوضح: "تركيا استفادت من الاتّفاقيّة في شكل أكبر من الجانب المصريّ، وهو ما يظهر في عجز الميزان التجاريّ بين البلدين لصالح تركيا، لأنّ تركيا عندها مزايا تصديريّة تفوق الجانب المصريّ، سواء بالدعم الكبير الذي تعطيه إلى كلّ مصدّر تركيّ أم بتنوّع اقتصادها بين صناعات متقدّمة، وكذلك الزراعة والسياحة والخدمات مثل الشحن البحريّ والجوّيّ".

جدير بالذكر أنّ الاتحاد المصريّ لجمعيّات المستثمرين برئاسة محمّد فريد خميس قد طالب بإلغاء اتّفاقيّة التجارة الحرّة، وجاء في بيان له في نهاية عام 2018 أنّ الاتّفاقيّة تسمح بدخول منتجات تركيّة تامّة الصنع من دون أيّ رسوم جمركيّة، وذلك يثير التخوّف من موجة إغراق للسوق المصريّة بالمنتجات التركيّة، مستفيدة من انخفاض الليرة التركيّة.

بدوره، قال رئيس شعبة المستوردين أحمد شيحة لـ"المونيتور": "من يطالبون بإلغاء الاتّفاقيّة هم من يحتكرون سلع بعينها في مصر ويطرحونها في الأسواق بأسعار عالية ولا يريدون أيّ منافسة لمنتجاتهم في السوق المصريّ، وإنّ الجنية المصريّ أنخفض أمام الدولار بعد التعويم بدرجة أعلى من انخفاض الليرة التركيّة أمام الدولار".

قال نائب رئيس شعبة المستوردين محسن التاجوري لـ"المونيتور": "السوق التركيّ هو سوق واعد يقدّم إلى مصر منتجات عالية الجودة بتكلفة منخفضة أكثر من نظيرتها الأوروبّيّة والأميركيّة، وإنّ انخفاض الليرة التركيّة لا دخل لتركيا فيه، لذا لا يوجد أيّ نوع من الممارسات غير الشريفة في تنفيذ الاتّفاقيّة، كما أنّ شعبة المستوردين تدعم بقوّة استمرار الاتّفاقيّة وتدعو إلى انفراج في الأزمة السياسيّة بين البلدين".

أوضح أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة حسن نافعة لـ"المونيتور" أنّه إذا كانت هناك نيّة لإلغاء اتّفاقيّة التجارة الحرّة بين الجانبين، لتمّ إلغاؤها في ظلّ ذروة الأزمة السياسيّة بين الجانبين في إطار المكايدة السياسيّة، كما حدث في اتّفاقيّة "الرورو" في عام 2014، والتي أبرمت بين الطرفين في عام 2012، لتسهيل نقل صادرات البلدين، عن طريق استغلال الموانئ المصريّة لنقل الصادرات التركيّة من المواد الغذائيّة والأجهزة الكهربائيّة والمنسوجات إلى دول الخليج العربيّ، وليس بعد مضي 7 سنوات من 30 حزيران/يونيو 2013، لذا من المستبعد تجميد الاتّفاقيّة في عام 2020".

وقالت عضو لجنة الشؤون الاقتصاديّة النائب بسنت فهمي لـ"المونيتور": "استمرار تنفيذ الاتّفاقيّة ضروريّ، فتركيا هي ثاني مستورد للسلع المصريّة على مستوى العالم بعد إيطاليا عن عام 2018".

وأوضحت: "العديد من الدول الأوروبّيّة ترى أنّه من الأنسب أنّها تستثمر في أفريقيا، لمنع الهجرة غير الشرعيّة وأيضاً لمكافحة الإرهاب، ومصر من أكثر الدول التي لديها فرص لجذب تلك الاستثمارات عن طريق ما تنفّذه من بنية تحتيّة، خصوصاً في الطرق والكهرباء والمناطق الاقتصاديّة الخاصّة والقوانين الجديدة المشجّعة للاستثمار، فبالتالي الفرص التصديريّة لمصر وتركيا وغيرها ستكون أفضل خلال الفترة المقبلة، ممّا يحتم الإبقاء على العمل باتّفاقيّة التجارة الحرّة بين البلدين".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رامي جلال عمل بقسم التحقيقات بالعديد من الجرائد والبوابات الإخبارية المصرية روز اليوسف,صوت الأمة ,العربية ,شارك في عدد من التحقيقات الاستقصائية ويشغل حاليا منصب مساعد مدير تحرير جريدة وبوابة "الآن"

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept