نبض فلسطين

حزب فلسطينيّ جديد يثير هواجس القيادة البديلة

p
بقلم
بإختصار
شهدت الضفّة الغربيّة الإعلان عن تأسيس حزب فلسطينيّ جديد باسم "الإصلاح والتنمية" دعا إلى إنهاء الانقسام ورفض الإرهاب والحوار مع الإسرائيليّين، ويعتبر مؤسّسوه قريبون من واشنطن، وهم يلتقون بأوساط إسرائيليّة. وحذّرت "فتح" من التعاطي معه وهاجمته بشدّة... السطور الآتية تناقش الحزب الجديد، مبادئه وأهدافه ومن يموّله، وبماذا يختلف عن بقيّة الأحزاب، ولماذا حاربته "فتح"؟ وهل هو تحضير للقيادة الفلسطينيّة البديلة؟

تشهد الساحة الفلسطينيّة انسداداً داخليّاً بسبب استمرار الانقسام منذ عام 2007، والتأزّم الخارجيّ بسبب توقّف المفاوضات مع إسرائيل منذ عام 2014، والحديث عن قرب إعلان صفقة القرن الأميركيّة.

وفي هذه الظروف الحرجة، تمّ الإعلان بمدينة الخليل، في 1 أيّار/مايو، عن انطلاق حزب فلسطينيّ جديد باسم "الإصلاح والتنمية"، ومن بين أهدافه: جمع الأغلبيّة الفلسطينيّة الصامتة بسبب عدم وجود جسم تنظيميّ يجمعها ، واعتبار الوطن العربيّ العمق الاستراتيجيّ لفلسطين، والدعوة إلى التواصل مع دول العالم، وإنعاش الوضع الاقتصادي للفلسطينيين، والتعاون مع الإسرائيليين لفتح طرق الضفة الغربية التي تغلقها السلطات الإسرائيلية لأسباب أمنية، وتخفيف الإجراءات الإسرائيلية والإغلاقات الكاملة على الفلسطينيين.

وطالب الحزب في بيانه التأسيسيّ الفلسطينيّين بالانضمام إليه لوضع حدّ للفساد والمحسوبيّة وإصلاح منظّمة التحرير والسلطة الفلسطينيّة، لكنّه دعا إلى مسألتين غير متداولتين بين القوى الفلسطينيّة، وهما: إدانة الإرهاب وفتح الحوار مع المؤسّسات الإسرائيليّة غير الحكوميّة.

تتكوّن الهيئة التأسيسيّة للحزب من: أشرف الجعبري، خضر الجعبري، عيسى علان، خلدون الحسيني، شرف غانم، ونصر التميمي، ووصل عدد أعضاء مؤتمره التأسيسيّ إلى قرابة 5 آلاف ناشط في أنحاء الضفّة الغربيّة.

وقال مصدر مسؤول في الحزب، أخفى هويّته، خلال حديث لـ"المونيتور": "إنّ انطلاق الحزب جاء بسبب عجز السلطة عن تحصيل حقوق الشعب الفلسطينيّ وعدم قدرتها على احتوائه، ولوضع حدّ لهيمنة بعض الفصائل على الحكم والتفرّد بالقرارات السياسيّة. كما يدعو إلى إقامة دولة فلسطينيّة لكلّ ساكنيها ومحاسبة المتسبّبين بحصول الانقسام، ورفض أشكال الإرهاب: دينيّاً أو مذهبيّاً، ولدينا أنصار ومؤيدون منتشرون في الضفة الغربية".

وبعد ساعات على إعلانه، أصدرت "فتح"، التي يترأسها الرئيس محمود عبّاس، بياناً حذّرت فيه من التعاطي مع الحزب وتعهّدت بمحاسبة منظّميه والمشاركين فيه، لأنّهم خارجون عن الصفّ الوطنيّ، ويتساوقون مع إسرائيل، وردّنا سيكون قاسياً عليهم ولن نتهاون معهم.

جبهة التحرير العربية، القريبة من عباس، أصدرت بيانا يوم 7 مايو جاء فيه أن إسرائيل تعمل على تفريخ منظمات وأحزاب غلافها فلسطيني ومضمونها صهيوني، كحزب الإصلاح والتنمية.

وقال عضو المجلس الثوريّ لـ"فتح" ورئيس اللجنة السياسيّة في المجلس التشريعيّ عبد الله عبد الله لـ"المونيتور": "إنّ هذا الحزب لن ينجح، لأنّه يفتقر إلى قواعد تنظيميّة وشعبيّة، وتعتبر تجربته السياسيّة ميتة قبل أن تنشأ، والقيادة الفلسطينيّة لن تسمح له بتجاوز الرئيس عبّاس. كلّ محاولات إسرائيل لإيجاد بدائل عن القيادة الفلسطينيّة لم تنجح. واليوم، سيكون مصير هذا الحزب الفشل الذريع".

لا يعتبر مؤسّسو الحزب من الشخصيّات المشهورة، وليسوا أعضاء سابقين في فصائل سياسية أخرى، ولا يمتلكون خلفيات سياسية أو أيديولوجية، لكن أحد أبرز مؤسّسيه أشرف الجعبري، الضابط السابق في جهاز الأمن الوقائيّ، شخصيّة جدليّة، نظراً لمواقفه السياسيّة وعلاقاته الإسرائيليّة والأميركيّة التي يجاهر بها.

وأكّد أشرف الجعبري لصحيفة "إندبندنت عربيّة"، في 4 أيّار/مايو، أنّ لقاءاته بالمسئولين الأميركيّين الرسميين تجري في ظلّ عدم وجود قرار فلسطينيّ بوقفها، مؤكدا أن الحزب الجديد يدعو للعيش بسلام مع جيراننا اليهود، ويقبل بفرض إسرائيل لسيادتها على الضفّة، ويريد المشاركة في الانتخابات الإسرائيليّة. وبعد فشل حلّ الدولتين، وهو يسعى إلى إقامة دولة واحدة يعيش فيها الإسرائيليون والفلسطينيون، دون أن يوضح من سيقود هذه الدولة، الفلسطينيون أم الإسرائيليون.

وقال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الخليل بلال الشوبكي لـ"المونيتور": "إنّ الجعبري شخصيّة معزولة، لا نسمع به إلاّ في الإعلام الإسرائيليّ، وربّما يستخدم حزبه كأداة إسرائيليّة - أميركيّة لجسّ نبض الفلسطينيّين تجاه المشاريع السياسيّة المقبلة، وقد يعتبر الحزب فزّاعة أميركيّة للرئيس عبّاس ليقبل بصفقة القرن، لكني لا أظن أن يصبح أشرف الجعبري قائدا فلسطينيا".

شارك عدد من مؤسّسي الحزب: أشرف الجعبري، خليل التميمي، وائل أبو إصبيح، ماهر زلوم، خلدون الحسيني، ووسام سدر، في 21 و22 شباط/فبراير، بمؤتمر عقد في القدس عن العلاقات الاقتصاديّة الفلسطينيّة – الإسرائيليّة، برعاية السفير الأميركيّ في تلّ أبيب ديفيد فريدمان، وحضور رجال أعمال إسرائيليّين على رأسهم رامي ليفي.

موقع أمد الإخباري، الذي يديره حسن عصفور وزير شئون المنظمات الأهلية السابق، والمقرب السابق من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كشف يوم 3 مارس، استنادا لمصادر فلسطينية لم يكشف هويتها، أن لقاء سريّا منفردا عقد بين ديفيد فريدمان ورجال المخابرات المركزيّة الأميركيّة مع الجعبري ورامي ليفي.

وفي 15 أيلول/سبتمبر من عام 2018، أعلن أحد قادة المستوطنين آفي تسيرمان إقامة "غرفة تجارة يهودا والسامرة" لتنسيق المشاريع الاقتصاديّة في الضفّة، وهو يضمّ رجال أعمال فلسطينيّين وإسرائيليّين.

وكشف أنّ الجعبري عرّفه على تجّار فلسطينيّين للعمل معه.

وفي 22 فبراير كشف آفي تسيرمان ذاته في مقال نشرته صحيفة كالكاليست الاقتصادية الإسرائيلية، أن خلدون الحسيني أحد مؤسسي الحزب الجديد يقيم أعمالا تجارية مشتركة مع رجال أعمال ومستوطنين إسرائيليين.

وشارك الجعبري والتميمي بـ13 شباط/فبراير من عام 2017، في مؤتمر بالقدس لمناقشة السيطرة الإسرائيليّة على الضفّة، وحضره الوزراء الإسرائيليّون: زئيف ألكين وتسيفي حوتوبيلي وأوري أريئيل. وقال الجعبري في المؤتمر: إنّنا لا نمانع ضمّ الضفّة إلى إسرائيل، إذا أرادت إسرائيل ضمها، فلا أحد يستطيع منها من ذلك، كما أوردت القناة 20 التلفزيونية الإسرائيلية يوم 13 فبراير 2017.

والتقى "المونيتور" سياسيّاً فلسطينيّاً عاصر فترة روابط القرى التي أنشأتها إسرائيل بين عاميّ 1976 و1982 في الضفّة لتكون بديلاً عن منظّمة التحرير، وقال مفضّلاً إخفاء هويّته: "إنّ تجربة الحزب الجديد محاكاة لروابط القرى، فقادته تتعاون مع المستوطنين، ويحظون بغطاء من العائلات الفلسطينيّة الكبيرة، ويتركّز خطابهم على تحسين الظروف المعيشيّة. ورغم أنّ قادة الحزب من متوسّطي الحال اقتصاديّاً، لكنّهم قد يحصلون على دعم أميركيّ - إسرائيليّ، الأمر الذي يؤهّل بعضهم لتولّي مواقع وزاريّة وحكوميّة".

قامت روابط القرى في سبعينات وثمانينات القرن العشرين على توجه إسرائيلي لإيجاد بديل للقيادات الفلسطينية، رغم أن أهدافها المعلنة ركزت على مساعدة الفلسطينيين في الزراعة وإنشاء الجمعيات، لكن هدفها الحقيقي دعم السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وقد اختفت روابط القرى ولم تعد قائمة.

ناقش الإسرائيليّون ظهور الحزب، فكتب الضابط السابق في جهاز الاستخبارات الإسرائيليّة يوني بن مناحيم، بـ3 أيّار/مايو، في مدوّنته الشخصيّة، أنّ الجعبري شريك مقرّب من فريدمان ويقدّم نفسه كزعيم فلسطينيّ محليّ، ويهتمّ بالتعايش مع إسرائيل، ومن الشخصيّات التي قد تتحدّث معها واشنطن عن صفقة القرن. وأنّ الجعبري أبلغه بأنّه مستعدّ للجلوس مع الإسرائيليّين والأميركيّين ودول الرباعيّة لمناقشة خطّة بديلة لاتفاق أوسلو.

وأشار نداف هعتسني في "معاريف" بـ19 نيسان/إبريل إلى أنّ واشنطن تجري علاقات ساخنة مع الجعبري، الذي يدعو إلى ربط مصير الفلسطينيّين بالإسرائيليّين. ووصفه فريدمان خلال مؤتمر القدس في شباط/فبراير "بالصديق" و"باسم الولايات المتحدة لا نسعى لشريك أفضل منك". وقد تتمّ دعوته مع رفاقه في الأشهر المقبلة للقاء الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب.

في هذا السياق، قال المحلّل السياسيّ الفلسطينيّ عبد الستّار قاسم في حديث لـ"المونيتور": "إنّ فتح تشوّه كلّ فصيلة لا تخرج بموافقتها، لأنّها تخاف البديل، وترفض أيّ مسعى لإيجاد قيادة بديلة. هذا الحزب الجديد ومؤسّسوه، بغض النظر عن برنامجه السياسيّ، قد يجد دعماً أميركيّاً وإسرائيليّاً سياسيّاً وماليّاً وإعلاميّاً، وحينها سيلتف حوله الفلسطينيّون الذين يبحثون عن مصالحهم".

وأخيراً، تعتبر بداية الحزب الجديد مختلفة عن بقيّة الأحزاب الفلسطينيّة، لأنه يعتبر تحسين الظروف الاقتصادية للفلسطينيين أولوية متقدمة على البعد الوطني، محاولاً إيجاد حلول لمشاكل الفلسطينيّين المعيشيّة، بعيداً عن المسار السياسيّ، الأمر الذي يعتبر اختباراً لمدى قدرته على توفير هذه الحلول، بالتعاون مع الإسرائيليّين والأميركيّين، رغم معاداته من السلطة الفلسطينيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept