نبض فلسطين

حكومة اشتيّة أمام اختبار شبه مستحيل للخلاص من الشيكل الإسرائيليّ

p
بقلم
بإختصار
هدّدت السلطة الفلسطينيّة أكثر من مرّة، خلال السنوات الماضية، بالاستغناء عن الشيكل الإسرائيليّ، لكنّها لم تتّخذ أيّ قرارات أو توجّهات عمليّة، وسط تشكيك المراقبين الاقتصاديّين بقدرتها على ذلك، نظراً إلى الوقائع الاقتصاديّة المتشابكة مع إسرائيل.

رام الله – الضفّة الغربيّة: وضع رئيس الوزراء الفلسطينيّ محمّد اشتيّة حكومته أمام اختبار صعب، عقب أدائه القسم القانونيّة في 13 نيسان/أبريل أمام الرئيس محمود عبّاس، في الظهور الصحافيّ الأوّل له على تلفزيون فلسطين في اليوم ذاته، حين تعهّد بالبحث عن عملات بديلة للشيكل الإسرائيليّ للتعامل بها في الأراضي الفلسطينيّة.

وقال اشتيّة: "يوجد في الاقتصاد الفلسطينيّ حوالى 25 مليار شيكل (7 مليارات دولار) يتمّ تدويرها في الاقتصاد المحلّيّ، لكن نحن لسنا مجبرين على بقاء اعتمادنا على الشيكل، لذلك إحدى القضايا المركزيّة التي سنعمل عليها هي تشكيل فريق لدراسة الخلاص من الشيكل، سواء بالذهاب إلى عملة مشفّرة أم عملة إلكترونيّة أم غيرها من الخيارات".

هذه التصريحات ليست الأولى لمسؤولين فلسطينيّين من أجل الخلاص من الشيكل، فقد هدّدت سلطة النقد الفلسطينيّة (البنك المركزيّ) في نيسان 2014 باللجوء إلى الدولار الأميركيّ أو الدينار الأردنيّ كعملة تداول موقّتة بدلاً عن الشيكل، بعد رفض البنوك الإسرائيليّة استقبال ودائع من البنوك الفلسطينيّة، إذ نجم عن ذلك تكدّس عملة الشيكل في مخازن البنوك الفلسطينيّة عقب توقيع الرئيس عبّاس في 1 نيسان/أبريل 2014 على جملة من الاتّفاقيّات الدوليّة، أبرزها اتّفاقيّة لاهاي، واتّفاقيّات جنيف الأربع.

وفرضت اسرائيل مجموعة عقوبات اقتصادية على السلطة كان من ضمنها تخفيض سقف الودائع الفلسطينية في بنوك اسرائيل، بعد انضمام فلسطين لمجموعة من الاتفاقيات ادلولية، ما تسبب بتراكم الشيكل لدى البنوك، ما دفع مسؤولين في السلطة الفلسطينية للتهديد سابقا بوقف التعامل بالشيكل.

وكان المجلس المركزيّ لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة قرّر في 15 كانون الثاني/يناير 2018 الانفكاك من التبعيّة الاقتصاديّة لإسرائيل التي كرّستها اتّفاقيّة باريس الاقتصاديّة لكن ذلك القرار لم ينفذ حتى الان، ممّا دفع الحكومة السابقة برئاسة رامي الحمد الله في 6 شباط/فبراير 2018 إلى تشكيل لجنة لدراسة الانتقال من استخدام عملة الشيكل إلى عملة بديلة، وإمكان إصدار عملة وطنيّة، لكنّ تلك اللجنة، وبعد مرور أكثر من عام على تشكيلها، لم تصدر عنها أيّ قرارات في هذا الخصوص.

وتعدّ عملة الشيكل إحدى العملات الرئيسيّة الثلاث التي تستخدم في السوق الفلسطينيّة إلى جانب الدولار الأميركيّ والدينار الأردنيّ، استناداً إلى اتّفاقيّة باريس الاقتصاديّة الذي تمّ توقيعها في عام 1994 بين منظّمة التحرير الفلسطينيّة وإسرائيل.

وتلزم اتّفاقيّة باريس الاقتصاديّة الفلسطينيّين بالتعامل مع الشيكل كعملة أساسيّة، حيث جاء في المادة أ من البند 22 من الاتّفاقيّة أنّ "الشيكل الإسرائيليّ الجديد إحدى العملات المتداولة في المناطق، وسيستخدم هناك وفي شكل قانونيّ كوسيلة للدفع لكلّ الأغراض، بما فيها الصفقات الماليّة الرسميّة".

ويحتاج إصدار عملة وطنيّة نقديّة متطلّبات غير متوافرة لدى السلطة الفلسطينيّة، إذ قال محافظ سلطة النقد عزّام الشوّا لـ"المونيتور": "حتّى يتسنّى إصدار عملة قادرة على الصمود والحفاظ على قيمتها وقوّتها، من الضروريّ تحقّق بعض الشروط المسبقة، وأهمّها مقوّمات اقتصاد قوّيّ، ومقاوم، وقادر على الاعتماد على نفسه".

وحول إمكان لجوء سلطة النقد إلى إصدار عملة رقميّة، قال الشوّا: "إنّ إصدار عملة وطنيّة، بما في ذلك إصدار عملة رقميّة (Digital Currency) كأحد الخيارات المتاحة أمام سلطة النقد الفلسطينيّة، يتطلّب جهوداً ودراسات متخصّصة، وبنية تحتيّة ملائمة، إضافة إلى توعية الجمهور وتغيير نمط الثقافة القائم".

تحدّيات كبيرة ستعيق مساعي الحكومة للاستغناء عن الشيكل، أهمّها أنّ الشيكل عملة المدفوعات الرئيسيّة والمعاملات الرسميّة للحكومة، فموظّفو السلطة الفلسطينيّة يتلقّون رواتبهم بالشيكل، وإسرائيل تدفع إلى السلطة الضرائب التي تجبيها نيابة عنها بالشيكل، كما يتلقّى نحو 131 ألف فلسطينيّ يعملون في إسرائيل والمستوطنات الإسرائيليّة، حسب إحصاءات الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، رواتبهم بالشيكل والتي يضخّونها في السوق الفلسطينيّة وتقدّر بـ800 مليون شيكل شهريّاً (248 مليون دولار)، ممّا يعني أنّ هناك سيولة كبيرة بالشيكل في الاقتصاد الفلسطينيّ.

ونتيجة لهذه السيولة، تعاني البنوك الفلسطينيّة من تكدّس عملة الشيكل لديها، والتي يرفض البنك المركزيّ الإسرائيليّ استلامها كودائع بنكيّة فلسطينيّة، إذ قال اشتيّة، في تصريحاته الصحافيّة لتلفزيون فلسطين، إنّ نحو 4 مليارات شيكل (1.12 مليار دولار) مكدّسة في البنوك الفلسطينيّة، تشكّل عبئاً عليها لعدم استغلالها والاستفادة منها من خلال وضعها في البنوك الاسرائيلية كودائع مالية مقابل مردود مالي سنوي لذلك ، في حين تستفيد البنوك من العملات الثانية كالدولار والدينار في تقديمها للمواطنين والشركات على شكل قروض خاصة اذا علمنا ان قطاع الانشاءات والمقاولات يتعامل بهاتين العملتين مقابل فوائد مالية، علماً أنّ اتّفاقيّة باريس الاقتصاديّة نصّت على أن يكون البنك المركزيّ الإسرائيليّ هو المسؤول عن الشيكل، باعتباره الجهة المصدّرة له.

وقال الرئيس التنفيذيّ السابق لشركة فلسطين للتنمية والاستثمار "باديكو" القابضة، الخبير الاقتصاديّ سمير حليلة لـ"المونيتور": "ليس من السهل سحب عملة الشيكل المتداولة في السوق، في ظلّ وجود عمالة في إسرائيل، و70% من تجارتنا مع إسرائيل بالشيكل، ولكن نستطيع تغيير القانون الذي يجعل الشيكل عملتنا الرسميّة والذي تتمّ به المعاملات الرسميّة".

وأضاف: "ان على السلطة الفلسطينية ان تلجأ إلى استخدام العملات الثلاث، الدولار، والدينار والشيكل، باعتباره احد الخيارات امامها للخروج من ازمة التعامل بالشيكل فقط، لان هذا الخيار اذا ما استخدم سيوفر مرونة أكبر للسلطة الفلسطينية، ويوفّر لها هامشاً للتحرّك حسب مصالحها على المستوى الاقتصاديّ".

من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد في قسم الدراسات العليا في الجامعة العربيّة-الأميركيّة نصر عبد الكريم لـ"المونيتور": "الاستغناء عن الشيكل في الكامل صعب، لأنّه في حاجة إلى هيكلة العلاقات الاقتصاديّة مع إسرائيل، ومن ثمّ الانفكاك الكامل عن الاقتصاد الإسرائيليّ، وهذا غير ممكن في الفترة الحاليّة" لأن ذلك يحتاج الى ترتيبات ومفاوضات طويلة بين الجانبين لترتيب هذه الاجراءات، لافتاً إلى إمكان تقليل استخدام الشيكل، لكن هذا في حاجة إلى جهود كبيرة من السلطة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept