نبض فلسطين

"حماس" تصرف سلفاً ماليّة لموظّفي السلطة الفلسطينيّة في غزّة

p
بقلم
بإختصار
في خطوة مفاجئة، أعلنت وزارة الماليّة في غزّة التابعة لـ"حماس" صرف سلفة ماليّة لموظّفي السلطة الفلسطينيّة المقطوعة رواتبهم ويداومون في وزارات غزّة بقيمة 350 دولاراً شهريّاً... السطور الآتية تناقش خطوة "حماس"، وهل لديها موازنة ماليّة إضافيّة كي تصرف سلفاً ماليّة لموظّفي السلطة، مع أنّ موظّفيها يعانون من أزمة ماليّة خانقة وتأخّر لشهور طويلة باستلام رواتبهم؟ وكيف سيكون ردّ فعل السلطة على خطوة "حماس" هذه؟ وهل تسعى الحركة إلى تهدئة غضب الفلسطينيّين الذين تظاهروا أخيراً ضدّ الوضع المعيشيّ؟

بدأت وزارة المالية بقطاع غزة يوم 4 أبريل صرف سلفة مالية بقيمة 1200 شيكل، 350 دولارا، لموظفي السلطة الفلسطينية المقطوعة رواتبهم ممن هم على رأس عملهم، وسيتم استكمال الصرف للباقين الأسبوع القادم، بعد أن قطعت السلطة رواتب خمسة آلاف من موظفيها بغزة العاملين في يناير وفبراير 2019.

يأتي قرار صرف هذه السلفة المالية تطبيقا لما أعلنه وكيل وزارة الماليّة في غزّة يوسف الكيالي بتصريح صحافيّ بـ31 آذار/مارس، عن صرف سلفة مالية لموظفي السلطة المقطوعة رواتبهم، وما زالوا على رأس عملهم في غزة.

ما زال الفلسطينيّون في قطاع غزّة يعانون من استمرار السلطة الفلسطينيّة فرض عقوبات عليهم منذ نيسان/إبريل من عام 2017 للضغط على "حماس" من أجل إجبارها على تسليم القطاع لإدارتها، وشملت العقوبات تقليص النفقات الماليّة بغزّة في مجاليّ الصحّة والتعليم وخصم 30 في المئة من رواتب الموظّفين المقيمين هناك، وعددهم 60 ألفاً.

لكنّ شهريّ كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير شهدا قطع السلطة بصورة نهائية رواتب 5 آلاف من موظّفيها في غزّة لأسباب عدّة، وهي أنّهم يداومون في وزارات تديرها "حماس" بغزّة أو يتبعون لـ"حماس" و"الجهاد الإسلاميّ" والقياديّ الفتحاويّ محمّد دحلان.

والتقى "المونيتور" الكيالي الذي قال: "إنّ سبب الخطوة يعود إلى المسؤوليّة الأخلاقيّة تجاه الموظّفين لتعزيز صمودهم وردّاً على قطع السلطة رواتبهم، ولا نستغرب إقدامها على توسيع رقعة المقطوعة رواتبهم".

بلغ عدد الموظّفين المقطوعة رواتبهم قرابة الـ5 آلاف موظّف، 1719 مدنيّاً، 1515 عسكريّاً، و1700 من الأسرى والجرحى.

إنّها المرّة الأولى، التي تصرف فيها حكومة غزّة التابعة لـ"حماس" هذه السلف الماليّة لموظّفي السلطة، الأمر الذي قوبل يوم 1 نيسان/إبريل بردود فعل مرحّبة من النقابات المهنيّة في غزّة، التي اعتبرت أنّ هذه الخطوة مسؤولة ومقدّرة تجاه الموظّفين وتعكس شرعيّة حكومة غزّة.

وقال الناطق باسم "حماس" حازم قاسم لـ"المونيتور": "إنّنا نقدّر خطوة الحكومة في غزّة، رغم ظروفها الصعبة ومعاناتها من العجز المتزايد في مداخيلها الماليّة، لكنّ قرار الصرف جاء لدعم صمود الموظّفين المداومين، الذين يعملون بلا رواتب منذ شهور، مع أنّ السلطة ملزمة بدفع التزاماتها الماليّة تجاه غزّة".

لم يكن قطع السلطة لرواتب الموظّفين قراراً عشوائيّاً، بل هدف إلى الإضرار بقدرة "حماس" على تسيير الخدمات الإنسانيّة المركزيّة في غزّة برفع مستوى الأعباء الماليّة والبشريّة عليها، في ظلّ ما تعانيه غزّة من واقع اقتصاديّ صعب أضرّ بقدرة حكومة "حماس" على الجباية الماليّة من الضرائب، وقد تراجعت الجباية المالية لحماس بعد تسلّم السلطة المعابر، وفقاً لاتفاق المصالحة في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2017.

وقال وزير العمل الفلسطينيّ السابق في رام الله سمير عبد الله لـ"المونيتور": "إنّ خطوة حماس خاطئة لأنّها جزء من مناكفاتها مع فتح ويدفع ثمنها الموظّفون، وهما تسعيان إلى شراء ولاءاتهم بالمال، مع أنّ الموظّف ليس سلعة لتنافسهما. راتب الموظّف يمنح بمعايير مهنيّة، لا سياسيّة، وأتوقّع أن تردّ السلطة بزيادة العبء الماليّ على حماس بقطع مزيد من الرواتب".

يبدو لافتاً أن تقدم "حماس" على صرف سلفة لموظّفي السلطة، فيما توفّر الحركة بالكاد رواتب موظّفيها على هيئة سلف غير كاملة، وكان آخرها في 14 آذار/مارس سلفة عن شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018 بقيمة 40 في المئة من قيمة رواتبهم.

لكنّ قدرة "حماس" على صرف سلف أخرى لموظّفي السلطة المقطوعة رواتبهم، يطرح أسئلة حول توافر موارد ماليّة جديدة لـ"حماس" لم تكشفها، كأن تكون حصلت على تمويل خارجي من إيران مثلا، أو زيادة الإيرادات الداخلية في غزة، أو يتحمّل موظّفوها عبئاً جديداً بمزيد من تأخير صرف رواتبهم المتأخّرة أصلاً.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" في غزّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ خطوة حماس أتت لقناعتها بأنّ السلطة لن تعيد دفع رواتب الموظّفين، فباتت الحركة ملزمة بتحمّل الكلفة الماليّة مقابل قيامهم بأعمالهم، بقيمة مليونيّ شيكل، أيّ قرابة 560 ألف دولار شهرياً، وهذه الخطوة تكسب حماس سياسيّاً على مستوى الشارع الغزيّ".

يأتي قرار وزارة الماليّة في غزّة، بعد أسبوعين على اندلاع تظاهرات في غزّة يوميّ 14 و15 آذار/مارس، للاحتجاج على ارتفاع الأسعار، والظروف المعيشية القاسية في قطاع غزة، تعاملت معها "حماس" بقسوة، حيث قامت قواتها الأمنية بقمع المتظاهرين بعد وقت قصير من بدء الاحتجاجات، واعتقلت مئات منهم، واستخدمت العنف لتفريق التجمعات، لكنّ التظاهرات دفعت بقادة "حماس" إلى التفكير بإيجاد حلول من خارج الصندوق للحدّ من الكارثة المعيشيّة في القطاع، فكان من الحلول صرف السلفة الماليّة للموظّفين.

من جهته، قال أمين سرّ نقابة المعلّمين الفلسطينيّين في غزّة محمّد أبو الروس لـ"المونيتور": "إنّ قطع رواتب الموظّفين جاء وفق تقارير من أجهزة الأمن السلطة الفلسطينية بسبب انتماءاتهم السياسيّة. ورغم صعوبة الوضع الماليّ لحكومة غزّة، لكنّها لا تتخلّى عن الموظّفين".

تضيف السلف الماليّة للموظّفين على "حماس" بنداً جديداً للصرف لم يكن مدرجاً ضمن موازنتها المرهقة، وقد يفتح شهيّة أبو مازن لقطع المزيد من رواتب الموظّفين لوضع تكاليف ماليّة جديدة على "حماس"، وهو تحدّ ماليّ لا أحد يعلم كيف ستتعامل معه "حماس".

أمّا أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة "الأمّة" بغزّة حسام الدجني فقال لـ"المونيتور": "إنّ خطوة حماس تحمل رسالة سياسيّة إلى السلطة بأنّها لا تصرف وفق الانتماء الحزبيّ، بعكس ما تقوم به هي، فهناك مستفيدون من سلفة حماس من موظّفي فتح، ورسالة إلى الجهات الدولية المانحة التي تساعد السلطة الفلسطينية بأنّ حكومة حماس أمينة على أيّ موارد وتبرعات ماليّة تأتيها. الخطوة تحرج عبّاس أمام الفلسطينيّين، لكنّه سيجدها فرصة لقطع مزيد من الرواتب لإرهاق ميزانيّة حماس".

وأخيراً، تدرك "حماس" أنّ إقدامها على صرف سلف ماليّة للموظّفين سيزيد أعباءها الماليّة التي تستنزفها، فهي لا تكاد تتمكّن من توفير الحاجات الأساسيّة، لكنّها وجدت نفسها بين خيارات قاسية، فإمّا ألاّ تصرف للموظّفين جزءاً من رواتبهم، الأمر الذي يضطّرهم للجلوس في بيوتهم، ويحدث فراغاً حكوميّاً في غزّة، وإمّا تمنحهم سلفاً ماليّة تحافظ على بقائهم في مواقعهم ويكسبها احترام الشارع الفلسطينيّ، رغم الإرهاق الماليّ المترتّب على ذلك.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : غزّة

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept