نبض فلسطين

"البلاط الشاميّ" تراث يحكي الهويّة المعماريّة لفلسطين ويصارع من أجل البقاء

p
بقلم
بإختصار
يعدّ البلاط الشاميّ الملوّن أحد رموز التراث والهويّة المعماريّة الفلسطينيّة على مدار قرن من الزمن، لكنّه يصارع من أجل البقاء، إذ لم يبق سوى مصنع واحد لصناعته في مدينة نابلس، وبكميّات قليلة، نظراً لتراجع الإقبال عليه.

رام الله – الضفّة الغربيّة: في فجر كلّ يوم، منذ 71 عاماً، يتوجّه هاني ريحان المكنّى بأبي وليد (88 عاماً) من مدينة نابلس شمال الضفّة الغربيّة إلى مصنع "العالميّة للبلاط"، الذي تملكه عائلة أصلان لصناعة البلاط الملوّن، والذي بات المصنع الوحيد في الشرق الأوسط الذي ينتج هذا النوع من البلاط، بالطريقة التقليديّة اليدويّة.

وكان مصنع أصلان لصناعة البلاط الملوّن، والذي يطلق عليه البلاط الشاميّ نسبة إلى سوريا، تأسّس خلال عام 1913 على يدّ حمدي جمال أصلان، في مدينة عكّا. وفي العام نفسه، فُتحت له فروع في مدن حيفا ويافا ونابلس، لكنّها أُغلقت كلّها بسبب حرب عام 1948، باستثناء مصنع نابلس الذي بقي يعمل حتّى اليوم.

ويعتبر هذا البلاط جزءاً من التراث الثقافيّ والحضاريّ للفلسطينيّين، لأنّه يجسّد هويّتهم المعماريّة وطريقتهم في البناء، خصوصاً في الأبنية الفخمة والقصور ومنازل الأغنياء وعامّة الناس، والتي ترسّخت على مدار أكثر من قرن، إذ يحاول المصنع الحفاظ عليها، في ظلّ تحدّيات عدّة تواجهه وتهدّد بانقراضه.

يقف هاني ريحان منذ ساعات الفجر خلف آلته الحديديّة، وأمامه أكوام من الإسمنت الأبيض والأسود والحجر المطحون، وأسطوانات من الأصباغ لصناعة البلاط، وقال لـ"المونيتور": "منذ 7 عقود، أمارس العمل نفسه، فهو الأقرب إلى قلبي... لقد صنعت مئات الزخارف التي زيّنت قصوراً وبيوتاً في فلسطين والأردن، وعايشت أحداثاً وحروباً واجتياحات لم تؤثّر على عملي".

عنان أصلان (41 عاماً)، الذي يتولّى إدارة المصنع، من الجيل الرابع للعائلة، يسعى إلى نقل المهنة لنجليه اللذين يدرسان في جامعة "النّجاح الوطنيّة" بنابلس القانون والمحاسبة، ليصبحا الجيل الخامس الذي يمتهن الصناعة، قال لـ"المونيتور": "هذا الإرث الثقافيّ متوارث لدى العائلة من جيل إلى آخر. ولذلك، أحرص على تعليم المهنة إلى نجليّ وقت فراغهما، للحفاظ عليه من الاندثار".

لا تزال طريقة صناعة البلاط، كما كانت قديماً من دون تغيير، باستثناء إدخال الكهرباء على آلة كبس البلاط التي كانت قديماً يدويّة وتستغرق 5 دقائق، حسب عنان أصلان، فضلاً عن استخدام الموادّ نفسها، وقال: "إنّ مكوّنات صناعة البلاط ليست معقّدة، فهي تعتمد على الحجر الصخريّ الأبيض المطحون من بلدتيّ جماعين ومادما في محافظة نابلس كونه الحجر الأفضل في فلسطين، نظراً إلى قساوته".

أضاف أصلان: "يتمّ سكب خليط الحجر والإسمنت والماء بارتفاع نصف سم، ثمّ ملء القالب النحاسيّ بالأصباغ ووضع الإسمنت الأبيض والأسود الجاف بارتفاع 3.5 سم، وضغط القالب لطرد الماء من المخلوط، لتقلّ سماكة البلاط في القالب من 4 سم إلى 2 سم".

وتابع: "في اليوم التالي من صناعة البلاط، يتمّ وضعه في الماء لفترة تتراوح بين 24 و30 ساعة، ليتشرّب الإسمنت الماء، ثمّ يتمّ تغليفه"، ليصبح جاهزاً للبيع.

ورغم بساطة الموادّ الخامّ وتوافرها وسهولة الصناعة، إلاّ أنّ الإنتاج في المصنع قليل، إذ قال ريحان: "في اليوم، أصنع 4 - 8 أمتار مربّعة من البلاط الشاميّ، وفق الرسمة المطلوبة".

بدوره، قال أصلان: "إنّ المصنع لديه إمكانيّة لإنتاج 60 متراً مربّعاً ملوّناً، و100 متر سادة يوميّاً، ولكن في ظلّ الظروف الحاليّة لا ينتج المصنع في اليوم إلاّ بين 10 و15 متراً ملوّناً، و30 متراً سادة".

وعن سبب انخفاض إنتاج المصنع، قال أصلان: "لا يوجد طلب على شراء البلاط، بسبب غلاء أسعاره، مقارنة بالبلاط التجاريّ، فالمتر الملوّن يصل سعره إلى 150 شيقلاً (41.5 دولار)، والبلاط الأبيض 50 شيقلاً (14 دولاراً)"، ولصغر حجم البلاط ( 20سم*20سم) المصنوع، لافتاً إلى أنّ السعر ليس مقترناً بكلفة الموادّ، وإنّما بالوقت الذي يستغرق صناعته.

وأشار أصلان إلى أنّ المصنع يستوعب تشغيل 17 عاملاً، ولكن لقلّة الطلب يوظّف 5 عمّال فقط"، لافتاً إلى أنّ نسبة 70 بالمئة من البلاط يتمّ بيعها إلى الفلسطينيّين داخل الخطّ الأخضر لترميم البيوت القديمة، و29 بالمئة في الضفة ومعظمها لمشاريع مموّلة لترميم القصور والمنازل، ونسبة قليلة لا تتجاوز الـ1 بالمئة يتمّ نقلها إلى الخارج.

على جدران المصنع، يعلّق أصلان مئات القوالب، التي تستخدم في صناعة البلاط، يبلغ عمر بعضها أكثر من 100 عام، وقال: "هذه القوالب شاميّة الصنع جُلبت من دمشق، وهي مصنوعة من النحاس لمقاومة تأثير العوامل الجويّة كالشمس والماء".

أضاف: "عند إنشاء المصنع، كانت فلسطين وسوريا ولبنان والأردن وحدة واحدة ومفتوحة على بعضها وتعرف ببلاد الشام. ولذلك، كان الوالد يسافر إلى دمشق لتعلّم صناعة القوالب وترميمها".

ولكلّ قالب نحاسيّ اسم متوارث يوحي بالرسمة التي يشكّلها، إذ قال أصلان لـ"المونيتور": "هذه "قدسيّة" لأنّها مستخدمة في بلاط منازل القدس القديمة بمعظمها، وهذه "باب الجامع" كونها الأكثر استخداماً على مداخل المساجد، وكذلك "البيروتيّة" التي تميّزت بها بيوت مدينة بيروت، و"السجّادة الشاميّة" نسبة لبيوت دمشق القديمة".

ويواجه أصلان مشكلة معقّدة مع وزارة الاقتصاد الفلسطينيّة تحول دون تمكّنه من تصدير البلاط إلى الخارج، إذ تشترط عليه من أجل إعطائه شهادة منشأ، تقديم ورقة بتجديد عقد إيجار الأرض من صاحب الأرض المقام عليها المصنع، رغم أنّ صاحب الأرض توفي منذ عشرات السنوات، بينما ورثته، وهم بالعشرات، مسافرون في كلّ دول العالم، وفق أصلان.

وبسبب عدم قدرته على التصدير والعراقيل من قبل السلطة الفلسطينيّة، تلقّى أصلان قبل سنوات عرضاً لنقل المصنع داخل إسرائيل، إذ قال: "عرضت السلطات الإسرائيليّة عليّ من خلال صحافيّ إسرائيليّ زار المصنع نقله إلى منطقة عربيّة في يافا، وإعطائي إقامة موقّتة فيها، والسماح لي بالتصدير، شرط أن تتمّ عمليّة التصدير باسم شركات إسرائيليّة، لا فلسطينيّة".

أضاف أصلان: "رفضت العرض وما زلت أرفضه، لأنّه محاولة إسرائيليّة للاستيلاء على هذا الإرث القديم الوحيد في الشرق الأوسط".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept