نبض العراق

خلافات برلمانيّة حول إلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين في العراق

p
بقلم
بإختصار
في الوقت الذي أعلن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي خطّته لمكافحة الفساد في العراق، تقدّمت لجنة النزاهة البرلمانيّة بمقترح لإلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين، الأمر الذي أثار الكثير من الخلافات والجدل حول هذه المكاتب التي أسّسها الحاكم المدنيّ للعراق بول بريمر.

صوّت البرلمان العراقيّ في 9 آذار/مارس الجاري على صيغة قرار غير ملزم لإلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين، وذلك قبل أن يرجئ مناقشة مشروع قانون الإلغاء في جلسة 14 آذار/مارس الجاري، بسبب الخلافات الكبيرة بين الكتل السياسيّة حول المشروع.

وسيعدّ القرار قانوناً ملزماً في حال مناقشته ثانية والتصويت عليه في البرلمان.

وجاء مشروع قانون إلغاء مكاتب المفتّشيين العموميّين بالتزامن مع خطّة أعلنها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لمحاربة الفساد المستشري في البلاد تضمّنت تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في 29 كانون الثاني/يناير الماضي، وإعلان قائمة من 40 ملفّاً تمثّل أولويّات خارطة عمل محاربة الفساد الماليّ والإداريّ.

ويتكوّن المجلس الأعلى لمكافحة الفساد من عضوين من مجلس القضاء الأعلى ورئيس ديوان الرقابة الماليّة ورئيس هيئة النزاهة وممثّل عن مكاتب المفتّشين العموميّين ومكتب رئيس الوزراء. وأبرز مهامه إعداد استراتيجيّة وطنيّة لمكافحة الفساد ومتابعة تنفيذها والإشراف على استكمال الأطر القانونيّة وإعادة المنظومة التشريعيّة وسدّ الثغرات التي ينفذ منها الفساد والإشراف على استكمال الأطراف المؤسّساتيّة لمنظومة مكافحة الفساد".

ومن حيث أنّ المجلس الأعلى لمكافحة الفساد يضمّ ممثّلين عن مكاتب المفتّشين العموميّين، إلّا أنّه تحفّظ على إلغاء المكاتب وتفعيل دور الادّعاء العامّ، ورأى أنّ إخفاقها يعود إلى "مخرجات أخرى، وربّما التحدّيات القانونيّة لعملها وعمليّات الرقابة وعدم وضوح الرؤية لبعض سياسات عمل المكاتب ساهمت في كبوة بعض المكاتب".

قال عضو لجنة النزاهة البرلمانيّة ليث الدليمي لـ"المونيتور" إنّ "قرار إلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين خطوة مدروسة وتعالج في الأساس الترهّل في مؤسّسات الدولة والرقابة والتداخل في الصلاحيّات، فهناك هيئة نزاهة وديوان رقابة ماليّة وسلطات قضائيّة مختصّة بالفساد"، مشيراً إلى أنّ إلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين يقضي بتوزّع صلاحيّاتها على ديوان الرقابة الماليّة وهيئة النزاهة وسدّ الفجوات والثغرات الحاصلة في مكافحة الفساد".

وأوضح الدليمي، وهو عضو تحالف المحور، أنّ "البرلمان يدعم أيّ مقترح لمعالجة الفساد، إلّا أنّه يعتزم استضافة عبد المهدي لشرح تفاصيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد الذي لا يستند إلى أيّ نصّ دستوريّ ويدمج السلطات الثلاث (التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة)، الأمر الذي يخالف مبدأ الفصل بين السلطات".

كما تؤيّد كتلة سائرون التي يدعمها مقتدى الصدر مشروع إلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين وتفعيل دور القضاء، بحسب النائب عن الكتلة أمجد العقابي الذي أكّد ذلك في تصريح إلى صحيفة الصباح الجديد، بحجّة أنّ "تعدّد الجهات الرقابيّة التي تتولّى مسؤوليّة متابعة صرف المال العامّ يعود بأثر سلبيّ ويوسّع دائرة الفساد في الدولة".

في المقابل، ترفض كتل سياسيّة أخرى، وبشدّة، إلغاء هذه المكاتب بصفتها الجهة الرقابيّة الأولى في الدولة، كما عبّر عضو تحالف الفتح رحيم الدراجي الذي اعتبر في تصريح إلى "المونيتور" أنّ "إلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين سيفتح باب الفساد على مصراعيه في العراق، كون هذه المكاتب المصدر الرئيسيّ لمواجهة الفساد والمحرّك الأوّل للقضاء وهيئة النزاهة التي تعتمد في تقاريرها على معلومات المفتّش العامّ".

وأردف الدراجي، وهو عضو سابق في لجنة المال البرلمانيّة: "لكنّ عمل المفتّش العامّ ككلّ يصطدم بمعوقات كثيرة أبرزها ارتباطه بالوزير، الأمر الذي يعطّل عرض المتّهمين بالفساد على القضاء، كما أنّ الكتل السياسيّة تفرض على المفتّش العامّ تمرير الكثير من صفقات الفساد، وبالتالي فإنّ هذه المؤسّسات تحتاج إلى إصلاح بدلاً من الإلغاء، خصوصاً أنّ الحكومة لم تقدّم البديل عن مكاتب المفتّشين العموميّين"، معتبراً أنّ "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد الذي أعلنه رئيس الحكومة عادل عبد المهدي غير دستوريّ، ومجرّد عنوان لمحاربة الفساد من دون خطط وأدوات، يهدف إلى نزع صلاحيّات مكاتب المفتّشين العموميّين".

كما يقف ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي ضدّ مشروع إلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين، حيث أوضح النائب عن الائتلاف طه الدفاعي أنّ "إلغاء مكاتب المفتّشين العموميّين يعني من الناحية العمليّة إنهاء عمل هيئة النزاهة، لأنّ الهيئة تحصل على كلّ معلوماتها في شأن الفساد من مكاتب المفتّشين العموميّين، وبالتالي من يسعى إلى إلغاء هذه المكاتب، فإنّه سيعرقل عمليّة محاربة الفساد".

وأشار الدفاعي في تصريح إلى "المونيتور" إلى أنّ "تفعيل الادّعاء العامّ يجب ألّا يؤثّر على مكاتب المفتّشين العموميّين، فالأوّل مرتبط بالقضاء والثاني يتّصل مباشرة بالوزارات وهيئة النزاهة، كما أنّ الادّعاء لا يمكنه القيام بمهام التفتيش"، وأشار إلى أنّ "معظم الاستجوابات التي حصلت في البرلمان خلال السنوات الماضية كانت بالتنسيق مع مكاتب المفتّشين العموميّين".

وتعدّ مكاتب المفتّشين العموميّين تجربة حديثة في النظام الإداريّ في العراق أسّسها الحاكم المدنيّ الأميركيّ في العراق بول بريمر في عام 2004، وهي ترتبط إداريّاً بالوزارات ومكتب رئيس الوزراء حيث يرفع المفتّشون العموميّون تقاريرهم إلى الوزير المعنيّ مباشرة ولا يرتبطون بأيّ هيئة مستقلّة رقابيّة أو قضائيّة أخرى، الأمر الذي جعل المفتّش العامّ خاضعاً إلى سلطة الحزب أو الكتلة السياسيّة التي تختار الوزير.

من جهة أخرى، لم يتطرّق الدستور العراقيّ الدائم لسنة 2005 إلى مكاتب المفتّشين العموميّين، وهي لا تزال تعمل بموجب أمر سلطة الائتلاف الموقّتة رقم 57، ولم تكشف حتّى الآن على أيّ جريمة فساد كبرى، وعلى عكس ذلك، احتلّ العراق المركز 13 عالميّاً والسادس عربيّاً في التصنيف الأخير لمنظّمة الشفافية الدوليّة. لذا، فإنّ تجربة مكاتب المفتّشين العموميّين تحتاج، على أقلّ تقدير، إلى المراجعة وإعادة التقييم، لكنّ إلغاءها لصالح مجلس غير دستوريّ هو المجلس الأعلى لمكافحة الفساد لا يمثّل الحلّ الأمثل لمعضلة الفساد في العراق.

في المحصّلة، لا يمكن اعتبار فكرة إلغاء مكاتب المفتّشين العمومّيين خطوة في الاتّجاه الصحيح، ما لم ترافقها خطوات أخرى تعالج المشاكل التي يعاني منها القضاء، إضافة إلى وضع نظام رقابيّ جديد يرتبط كلّيّاً بالسلطة القضائيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : state institutions, prosecution, legislation, sairoon alliance, draft law, corruption, iraqi parl, adel abdul mahdi

عمر ستار كاتب وصحافي عراقي مختص في الشان السياسي عمل لوسائل اعلام محلية وعربية حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept