نبض فلسطين

خلافات بين أحزاب اليسار و"حماس" تعكّر صفو التوافق السياسيّ

p
بقلم
بإختصار
استطاعت حركة "حماس" من خلال إشراك أكبر أحزاب اليسار الفلسطينيّة (وهما الجبهتان الشعبيّة والديمقراطيّة) في مسيرات العودة وكسر الحصار الإسرائيليّ، تعزيز تحالفها مع اليسار الفلسطينيّ، مشكّلة تكتّلاً حزبيّاً معارضاً لإدارة رئيس السلطة وزعيم حركة "فتح" محمود عبّاس. ولكن هذا التحالف بين الجبهتين و"حماس" تعرّض لهزّة عنيفة نتجت منها خلافات حادّة بينهما، إثر قيام الأجهزة الأمنيّة التابعة لـ"حماس" بقمع المشاركين واعتقالهم في الحراك الشعبيّ "بدنا نعيش"، الذي انطلق في 13 آذار/مارس من عام 2019 في شوارع القطاع.

مدينة غزة، قطاع غزة —تسبب قيام الأجهزة الأمنية التابعة لحركة "حماس" بغزة، بقمع المشاركين واعتقالهم في الحراك الشعبيّ "بدنا نعيش"، الذي انطلق في 14 آذار/مارس من عام 2019 في شوارع القطاع، بدعم من حركة "فتح"، احتجاجاً على تردّي الأوضاع المعيشيّة في غزّة، بإحداث خلافات بين حماس وأبرز فصائل اليسار الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية (الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين) وتعريض العلاقة بينهما التي سادها مؤخراً انسجام غير مسبوق في المواقف السياسية لهزة عنيفة.

واجتمعت تسع قوى يساريّة، أبرزها الجبهة الشعبيّة، الجبهة الديمقراطيّة، حزب الشعب، الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)، الجبهة العربية الفلسطينية وجبهة النضال الشعبي، مع حركة "فتح" بـ16 آذار/مارس من عام 2019 في مكتب الجبهة الشعبيّة بمدينة غزّة، لتقييم تداعيات هذا الحراك، وأصدرت بياناً مشتركاً دان قمع "حماس" واعتقالها المتظاهرين، وطالبها بتقديم اعتذار وسحب أجهزتها الأمنيّة من الشوارع.

ووصف القياديّ في حركة "حماس" ووزيرها السابق باسم نعيم في منشور كتبه عبر "فيسبوك" بـ16 آذار/مارس من عام 2019، بيان القوى اليساريّة بـ"بيان العار".

استطاعت حركة "حماس" من خلال إشراك أكبر أحزاب اليسار (الجبهتان الشعبيّة والديمقراطيّة) في مسيرات العودة وكسر الحصار الإسرائيليّ التي انطلقت في 30 آذار/ مارس من عام 2018 على الحدود الشرقيّة لقطاع غزّة، تعزيز تحالفها مع اليسار الفلسطينيّ، مشكّلة تكتّلاً حزبيّاً معارضاً لسياسات رئيس السلطة وزعيم حركة "فتح" محمود عبّاس، أبرزها رفض إجراءات عبّاس الهادفة إلى تقويض حكم "حماس" في غزّة ورفض أيضاً مساعي عبّاس لتشكيل حكومة فصائليّة جديدة من دون إشراك "حماس".

وتسود أجواء التوتر العلاقات بين الجبهتين ومحمود عبّاس، منذ إعلان الجبهتين تأييدهما إضراب المعلّمين في الضفّة الغربيّة، احتجاجاً على تردّي أوضاعهم المعيشيّة، في شباط/فبراير من عام 2016، وما تبعه من قيام عبّاس بقطع مخصّصات الجبهتين الماليّة من منظّمة التحرير في 14 نيسان/إبريل من عام 2016، البالغة نحو 30-50 ألف شيكل شهريّاً (8300- 13800 دولار شهريّ).

وتصاعدت هذه الخلافات عقب مقاطعة الجبهتين حضور اجتماعات المجلس المركزيّ الفلسطينيّ (أعلى هيئة تشريعيّة تمثيليّة للشعب الفلسطينيّ وتتبع منظّمة التحرير)، التي عقدت في 28 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018، بسبب استمرار عبّاس في التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل.

وقال مصدر مطّلع في حركة "حماس"، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"المونيتور": "إنّ حماس تعتبر التحالف مع أكبر القوى اليساريّة في منظّمة التحرير (وهما الجبهتان الشعبيّة والديمقراطيّة)، أحد أهمّ إنجازات مسيرات العودة".

وأشار المصدر إلى أنّ الشراكة بين "حماس" والجبهتين مبنيّة على قاعدة عريضة من المواقف السياسيّة المشتركة والمعارضة لسياسات عبّاس، وأبرزها استمرار التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، وكذلك استمرار العمل باتفاقيّة أوسلو مع إسرائيل والتفرّد بالقرار الفلسطينيّ، فضلاً عن تمسّك حماس والجبهتين بمسيرة العودة السلميّة كخيار لإجبار إسرائيل على كسر الحصار على غزّة.

وبيّن المصدر أنّ "حماس" رغبت في تعزيز هذا التحالف بهدف خلق معارضة يساريّة داخل منظّمة التحرير ضدّ سياسات عبّاس السالفة الذكر، مشيراً إلى أنّ هذا التحالف "أغضب حركة فتح كثيراً".

وقال القياديّ في حركة "فتح" يحيى رباح لـ"المونيتور": "منذ انطلاق مسيرات العودة في القطاع، أصبحت حماس تسيطر على القرار السياسيّ الخاص ببعض القوى اليساريّة المشاركة في هذه المسيرات".

أضاف: "بات العديد من القوى اليساريّة يتبنّى مواقف حماس المعارضة لفتح وللرئيس عبّاس بشكل كامل، وكان آخرها رفض الجبهتين الشعبيّة والديمقراطيّة المشاركة في الحكومة، التي دعا الرئيس عبّاس إلى تشكيلها من فصائل منظّمة التحرير في 10 آذار/مارس من عام 2019".

وكانت الجبهة الشعبيّة أعلنت في 18 آذار/مارس من عام 2019 عن مقاطعتها المسير البحريّ - ضمن فعاليّات مسيرات العودة - على شاطئ بحر شمال القطاع، والتي تنظّمها "حماس" كلّ يوم ثلثاء من كلّ أسبوع.

وقال عضو المكتب السياسيّ للجبهة الشعبيّة كايد الغول لـ"المونيتور": "لقد قاطعنا المشاركة في المسير البحريّ لأسبوع واحد فقط، كخطوة احتجاجيّة على الإساءات التي وجّهت إلى المتظاهرين المشاركين في الحراك الشعبيّ من قبل أجهزة أمن حماس".

أضاف: "الجبهة الشعبيّة تدعم أيّ حراك شعبيّ يطالب بتوفير حياة كريمة للمواطنين سواء أكان ذلك في الضفّة أم غزّة"، وإنّ استمرار "حماس" في قمع المسيرات المطالبة بتحسين ظروف الحياة المعيشيّة "من شأنه أن يربك الانسجام السياسيّ بين حماس والجبهة الشعبيّة".

من جهته، قال عضو المكتب السياسيّ للجبهة الديمقراطيّة رمزي رباح لـ"المونيتور": "إنّ المشاركين في الحراك الشعبيّ قوبِلوا باعتداءات عنيفة جدّاً لم نكن نتوقّعها من قبل حماس".

وطالب "حماس" بالإفراج الفوريّ عن جميع المتظاهرين الذين لا تزال تعتقلهم في سجونها حتّى اليوم، وتشكيل لجنة تحقيق حول هذه الاعتداءات، وتقديم اعتذار عن هذه الممارسات، وقال: "في حال واصلت حماس قمع مثل هذه الاحتجاجات، فإنّ ذلك سيؤثّر سلباً على مستقبل العلاقات بيننا".

بدوره، قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر بغزّة مخيمر أبو سعدة لـ"المونيتور": "إنّ حماس انزعجت من موقف أحزاب اليسار، وخصوصاً الجبهتين الشعبيّة والديمقراطيّة، المؤيّد لهذه التظاهرات، إذ تعتبر حماس هذه التظاهرات مؤامرة فتحاويّة تهدف إلى الانقلاب على حكمها في غزّة".

أضاف: "لكن هذه الخلافات التي طرأت على العلاقات بين حماس والجبهتين، لم تساهم في تحسين العلاقة بين الجبهتين وحركة فتح لأنّ هذه العلاقة تشوبها خلافات سياسيّة أكثر عمقاً تتعلّق باستخدام الرئيس عبّاس سياسة الابتزاز الماليّ ضدّ الجبهتين، بسبب معارضتهما لسياساته".

واستبعد مخيمر أبو سعدة أن تقود الخلافات بين "حماس" والجبهتين إلى تعطيل مشاركة اليسار الفلسطينيّ في مسيرة العودة التي تنظّمها "حماس"، باعتبار هذه المسيرات هي جزء من النضال الفلسطينيّ ضدّ إسرائيل، الذي لا يجب أن يتأثر بأيّ خلافات حزبيّة.

أمّا المحلّل السياسيّ والكاتب في صحيفة "الأيّام" المحليّة طلال عوكل فقال لـ"المونيتور": "إذا واصلت حماس الأسلوب القمعيّ ضدّ الحراكات الشعبيّة، فهذا سيؤثّر سلباً على تحالف اليسار مع حماس، وسيمس بالشراكة السياسيّة بينهما في ملفّات عديدة مثل ملف مسيرات العودة".

أضاف: "ليس من المنصف الاعتقاد بأنّ القوى اليساريّة تنحاز إلى حزب من دون الآخر، وفقاً لمصالحها الحزبيّة، إذ أنّ الأحزاب اليساريّة مستقلّة سياسيّاً، وتقيس مدى تقاربها مع الفصائل الأخرى مثل حماس وفتح، استناداً إلى مدى انسجام هذه الفصائل وتوافقها مع مواقف اليسار السياسيّة".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept