نبض مصر

الدولة والجامعات الأهليّة... بين مطرقة "تطوير التعليم الجامعيّ" وسندان "مجانيّة التعليم"

p
بقلم
بإختصار
تسعى الجامعات المصريّة ووزارة التعليم العالي من خلال مجلس النوّاب إلى استحداث قانون يسمح للجامعات الحكوميّة بتأسيس جامعات أهليّة غير هادفة للربح، بالشراكة مع جامعات عالميّة. وأثارت تلك المساعي التخوّفات من تأثير الجامعات الأهليّة على مجانيّة التعليم، وسط طموحات الخبراء في أن تساهم تلك الجامعات في تطوير التعليم الجامعيّ.

القاهرة – وفقا لتصويت أغلبية أعضاء مجلس النواب المصري، أحال علي عبد العال، رئيس مجلس النواب، يوم 25 شباط/فبراير تعديلات القانون رقم 49 لسنة 1972 الخاص بتنظيم الجامعات، إلى لجنة التعليم بمجلس النواب، على أن تصوت اللجنة العامة للمجلس على تلك التعديلات المقترحة بناء على تقرير لجنة التعليم حول التعديلات.

وعلم "المونيتور" من مصدر برلماني، فضل عدم ذكر اسمه، إن النص المقترح في تعديلات المادة 189 سيكون: "تتصرف الجامعة في أموالها وتديرها بنفسها، بما في ذلك تأسيس الجامعات الأهلية وفروعها منفردة أو بالشراكة مع القطاع الخاص وفقا لأحكام القانون رقم 162 لسنة 2018، ويخضع التصرف في أموال الجامعة وإدارة هذه الأموال ونظام حسابات الجامعة لأحكام اللوائح المالية والمحاسبية التي تصدر بقرار من وزير التعليم العالي بعد أخذ رأي مجلس الجامعة وموافقة المجلس الأعلى للجامعات"

وتجدر الإشارة إلى أن الجامعات الأهلية غير الهادفة للربح ليست مجانية وإنه على الطلاب الملتحقين بتلك الجامعات دفع تكاليف الدراسة، بما فيها تكاليف إدارة وتشغيل الجامعة ورواتب الأساتذة واستهلاك الجامعة من الخدمات الحكومية مثل المياه والكهرباء.. وغيرها بالإضافة إلى المبالغ المطلوبة لتطوير الجامعة وصيانتها. ويحدد مجلس أمناء الجامعة المصروفات المستحقة على كل طالب لسداد تلك التكاليف تحت إشراف الجهاز المركزي.

وفي ظل قانون تنظيم الجامعات الحكومية رقم 49 لسنة 1972 قبل التعديلات المقترحة عليه حاليا، لم يكن للجامعات الحكومية الحق في تأسيس فروع أو جامعات أهلية، وتهدف التعديلات المقترحة إلى السماح للجامعات الحكومية بذلك. وهنا، يثور التساؤل حول الأسباب التي تدفع بوزارة التعليم العالي والجامعات الحكوميّة إلى السعي لتأسيس جامعات أهليّة ومدى تعارض أو توافق تأسيس تلك الجامعات مع مبدأ مجانيّة التعليم في الجامعات الحكوميّة وتأثيرها عليه.

ويبلغ عدد الجامعات الأهليّة في القطاع الخاص في مصر 6 جامعات حتّى الآن، وهم جامعة النيل، والجامعة المصرية للتعليم الإلكتروني، وجامعة مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، والجامعة الفرنسية بمصر، والجامعة العمالية، والجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا.

وأشار ع. م، وهو طالب في الجامعة الفرنسيّة (جامعة أهليّة)، في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ تأسيس الجامعات الحكوميّة لفروع أو جامعات أهليّة يعتبر استثماراً أو "بيزنس"، الغرض منه الكسب الماليّ للدولة عموماً حتّى لو لم تحقّق الجامعة أرباحاً مباشرة، وقال: "إنّ الدولة تحصّل الضرائب والجمارك والتأمينات من المواطنين لكي توفّر لنا خدمة التعليم المجانيّ، فماذا لو حصّلت الدولة كافّة ما سبق، ثمّ قدّمت لي خدمة التعليم بتكلفتها من دون أن تحقّق ربحاً، أليس ذلك هو نوع من البيزنس لأنّها تحصل على الضرائب ولا تقدّم إلى المواطنين التعليم المجانيّ؟! وبذلك، تتحوّل الضرائب، التي تحصّلها الدولة في حدّ ذاتها، إلى أرباح لأنّها لن تنفق منها على التعليم".

واختلف معه في الرأي أحد أعضاء لجنة التعليم في مجلس النوّاب، مفضّلاً عدم ذكر اسمه، إذ قال لـ"المونيتور": إنّ الضرائب تخصّص للعديد من الخدمات مثل الأمن والمرافق وتطوير الطرق، وليس للتعليم الجامعيّ وحده. وأشار إلى أنّ الموازنة العامّة المصريّة ما زالت تعاني من العجز، الأمر الذي ينعكس على موازنة التعليم الجامعيّ بالتبعيّة.

وأوضح: "إنّ الدولة ملتزمة سنويّاً بتعليم 3 ملايين طالب جامعيّ في الجامعات الحكوميّة مجّاناً، ومن بين الـ3 ملايين حوالى 750 ألف طالب يفضّلون الالتحاق بالتعليم الخاص أو الأهليّ، مشيراً إلى أنّ توسّع الجامعات الحكوميّة في تأسيس جامعات أهليّة بنظام التوأمة مع الجامعات العالميّة يهدف إلى تشجيع المزيد من المقتدرين على الالتحاق بالتعليم الأهليّ، بدلاً من التعليم الحكوميّ المجانيّ، الأمر الذي يخفّض عجز موازنة التعليم الجامعيّ، وقال: "تنفق الدولة حوالي 4 بالمئة من الناتج القوميّ الإجماليّ (40 مليار جنيه) على التعليم الجامعيّ والبحث العلميّ، وهي نسبة أكبر من نسبة الـ2% المنصوص عليها في الدستور، ولا يمكن لدولة تعاني من عجز موازنة أن تحقّق أرباحاً أو استثماراً من الجامعات الأهليّة، والغرض فقط هو خفض العجز مع تقديم خدمة تعليميّة جيّدة".

وتلزم المادّة رقم 21 من دستور مصر لعام 2014 الدولة بأن "تعمل على تطوير التعليم الجامعيّ وتكفل مجانيّته فى جامعات الدولة ومعاهدها، وفقاً للقانون. وتشير هذه المادة إلى أن الدولة تلتزم بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكوميّ للتعليم الجامعيّ لا تقلّ عن 2% من الناتج القوميّ الإجماليّ وتعمل على تشجيع إنشاء الجامعات الأهليّة التي لا تستهدف الربح."

وقال المحامي أمام القضاء الدستوريّ محسن منصور لـ"المونيتور": إنّ النص الدستوريّ واضح، والمادّة 21 من الدستور تحظّر بشكل نهائيّ على الدولة تأسيس أيّ جامعات لا يكون الالتحاق بها بالمجّان حتّى لو كانت تلك الجامعات غير هادفة للربح وتحصل فقط على مقابل التعليم من دون تحقيق أرباح.

واختلف معه في الرأي رئيس لجنة التعليم بمجلس النوّاب سامي هاشم، إذ قال لـ"المونيتور": إنّ تأسيس الجامعات الحكوميّة لفروع أهليّة لا يعتبر مخالفاً للدستور أو لمبدأ المجانيّة في الالتحاق بالجامعات الحكوميّة، لأنّ الفروع الأهليّة سيتمّ تأسيسها بالشراكة أو التوأمة مع الجامعات العالميّة. وبذلك، لن تكون مملوكة للدولة أو للحكومة بشكل كامل."

وأشار إلى أنّه لا يمكن إقناع أيّ جامعة عالميّة بالتوأمة مع جامعة مصريّة من دون أن تحصل الجامعة العالميّة على مصروفات الالتحاق بها.

واتّفق معه في الرأي، المحامي أمام القضاء الدستوريّ محمود علوان، الذي قال لـ"المونيتور": إنّ المادّة 21 ألزمت الدولة "بتشجيع إنشاء الجامعات الأهلية التى لا تستهدف الربح، ,بضمان جودة التعليم فى الجامعات الخاصة والأهلية والتزامها بمعايير الجودة العالم،" وإنّ السياسة الأسرع لتحقيق ذلك هي أن تؤسّس الجامعات الحكوميّة فروعاً أهليّة، بالشراكة مع الجامعات العالميّة القادرة على الارتقاء بمستوى مصر في التعليم إلى المستوى العالميّ.

ولفت إلى أنّ وصف الجامعات الحكوميّة المنصوص على أن تكفل الدولة الدراسة فيها بالمجان يقتصر على الجامعات المملوكة بالكامل للحكومة أو للدولة لأنّ الجامعات التي يتمّ تأسيسها بالشراكة مع جامعات عالميّة لا تخضع لسيطرة وسياسة الدولة وحدها.

وقال وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلميّ الأسبق الدكتور محمّد خليل لـ"المونيتور": إنّ مبدأ مجانيّة التعليم ليس خاطئاً في حدّ ذاته، إلاّ أنّه تمّت إساءة استخدامه في مصر منذ ثورة 23 تموز 1952 حيث أصبح التعليم الجامعي مجاني. وأوضح أنّ مجانيّة التعليم، وخصوصاً الجامعيّ، هي نوع من الدعم الذي تقدّمه الدولة إلى غير القادرين، مشيراً إلى أنّه في ظلّ الميزانيّات المحدودة لمصر يصعب تقديم خدمة التعليم الجامعيّ بالمجان لجميع المواطنين، حيث ستجد الدولة نفسها سنويّاً مطالبة بإنفاق المليارات لزيادة مساحة وإمكانيّات الجامعات الحكوميّة المجانيّة لتستوعب التزايد في أعداد الطلاّب مع الزيادة السكانيّة المطّردة بنسبة 2.5 مليون مولود في السنة.

وأوضح أنّ الاستراتيجيّة الأفضل في هذه الحالة هي تقليص عدد الملتحقين بالجامعات الحكوميّة المجانيّة من خلال التوسّع في تأسيس الجامعات الأهليّة، بالشراكة مع الجامعات العالميّة، لافتاً إلى أنّ تلك الاستراتيجيّة لا بدّ أن تستكمل بتحسين مستوى التعليم المدرسيّ الأساسيّ وربط التعليم الثانويّ العام أو المتخصّص بسوق العمل، بحيث لا يصبح طلاّب المدارس مضطرّين إلى الالتحاق بالجامعة للعمل. وبذلك، تتقلّص أعداد الملتحقين بالجامعات الحكوميّة المجانيّة، وقال: على الدولة أن تتوسّع في حملات التوعية على ضرورة السعي إلى الالتحاق بسوق العمل بانتهاء التعليم المدرسيّ. وأضاف: "إنّ العديد من المصريّين سيرفضون التخلّي عن موروث إتمام التعليم الجامعيّ قبل الالتحاق بسوق العمل."

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : التعليم
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept