نبض فلسطين

بين التعديل أو الإلغاء.. الفلسطينيّون والإسرائيليّون يستعدّون لمراجعة "بروتوكول باريس الاقتصاديّ"

p
بقلم
بإختصار
الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس يعلن موافقة إسرائيل على طلب تقدّمت به السلطة الفلسطينيّة لمراجعة بروتوكول باريس الاقتصاديّ، وذلك بشكل مفاجئ بعد أن كانت ترفض إسرائيل فتح البروتوكول.

مدينة غزّة، قطاع غزّة — أعلن الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، في 27 كانون الثاني/يناير الجاري، تلقّي السلطة الفلسطينيّة موافقة إسرائيليّة مبدئيّة على مراجعة بروتوكول باريس الاقتصاديّ، وذلك بعد أن تقدّمت السلطة الفلسطينيّة بطلب رسميّ لإسرائيل في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2018.

وقال محمود عبّاس في تصريحات مقتضبة خلال زيارته لمقرّ جهاز الإحصاء المركزيّ الفلسطينيّ في رام الله: "قلنا للإسرائيليّين بينا وبينكم اتفاقيّات كثيرة تبدأ من اتفاقيّة أوسلو 1993، إذا رغبتم في أن نستمرّ في علاقتنا معكم على أسس صحيحة وقانونيّة، وإلاّ فسنتخلّى عن هذه الاتفاقيّات وأوّلها بروتوكول باريس... رفض الإسرائيليّون في البداية أن يجري أيّ تعديل عليه، لكنّ الآن قبلوا من حيث المبدأ بأن نجلس ونناقشه".

وذكرت صحيفة "تايمز أف اسرائيل"، في 28 كانون الثاني/يناير الجاري، أنّ الناطقين باسم رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ووزارة الخارجيّة الإسرائيليّة رفضوا التعليق على ما ذكره عبّاس.

وكان وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي قد أعلن في 8 كانون الأوّل/ ديسمبر من عام 2018، أن فرنسا وافقت على طلب السلطة الفلسطينية إعادة النظر في بروتوكول باريس الاقتصادي.

ويعدّ بروتوكول باريس الاقتصاديّ، الذي وقّع بين إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة في 29 أبريل/نيسان من عام 1994، بمثابة اتفاق تعاقديّ يحكم العلاقات الاقتصاديّة بين الجانبين ويشمل الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة خلال الفترة الانتقاليّة التي أقرّتها اتفاقيّة أوسلو ومدتها خمس سنوات والتي جاءت كفترة زمنية للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني للاتفاق خلالها على قضايا الحل النهائي كالحدود واللاجئين والقدس وغيرها. كما نصّ البروتوكول في بنديه الثاني والرابع على تشكيل الطرفين لجنة اقتصاديّة هدفها الاجتماع كلّ 6 أشهر لمتابعة تنفيذه ومراجعة بنوده إذا رغب أحد الأطراف في ذلك، إلاّ أنّها لم تجتمع منذ عام 2000 حتّى اليوم سوى مرّة واحدة في أيلول/سبتمبر من عام 2009.

وأكّد مستشار الرئيس الفلسطينيّ للشؤون الاقتصاديّة محمّد مصطفى خلال حديث مع "المونيتور" أنّ طلب مراجعة البروتوكول بهدف تعديله أو إلغائه جاء لتحرير الاقتصاد الفلسطينيّ وتحسين البيئة التجاريّة والاقتصاديّة الفلسطينيّة التي أضحت مقيّدة ببنود البروتوكول من جرّاء عدم تطبيق إسرائيل الشروط الأساسيّة للاتفاق، والتي تشمل حريّة حركة وتنقّل الأفراد والبضائع التجاريّة.

وكشف محمّد مصطفى أنّ المؤسّسات الحكوميّة الفلسطينيّة تقوم حاليّاً بوضع برنامج اقتصاديّ شامل لدعم الصمود الفلسطينيّ من خلال بناء القدرة الذاتيّة في قطاعات مهمّة كالطاقة والزراعة والصحّة وخلق فرص عمل للشاب وخفض العجز في الميزان التجاريّ مع إسرائيل عن طريق خفض الواردات وتنوّع مصادرها.

وإنّ طلب السلطة الفلسطينيّة فتح البروتوكول، جاء تنفيذاً لقرارات المجلسين المركزيّ والوطنيّ الفلسطينيّين، اللذين أقرّا في 29 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018 إنهاء التزامات منظّمة التحرير والسلطة الفلسطينيّة تجاه الاتفاقيّات الموقّعة مع إسرائيل، وتحديداً تلك التي تشمل الفترة الانتقاليّة، ويعدّ بروتوكول باريس أحدها والذي يبلغ مدته خمس سنوات، بسبب ما أسمته تنكّر إسرائيل لتلك الاتفاقيّات.

وأكّد عضو المجلس المركزيّ الفلسطينيّ محسن أبو رمضان في حديث مع "المونيتور" أنّ طلب الفلسطينيّين فتح البروتوكول ومراجعته جاء بسبب الانتهاكات الإسرائيليّة المستمرّة لبنوده، إضافة إلى انتهاك إسرائيل الكثير من الاتفاقيّات الموقّعة مع السلطة الفلسطينيّة، وفي مقدّمتها اتفاق أوسلو واقتحامها العسكريّ المستمرّ للمناطق الفلسطينيّة وحجز أموال المقاصّة الفلسطينيّة، وهو ما يعني فقدان السلطة الفلسطينيّة 70 في المئة من مواردها الماليّة.

وأشار إلى أنّ البروتوكول عمّق ظاهرة التبعيّة الاقتصاديّة الفلسطينيّة للاقتصاد الإسرائيليّ وأضعف إمكانيّة إقامة بنية إنتاجيّة اقتصاديّة فلسطينيّة قويّة، لافتاً إلى أنّ طلب مراجعة البروتوكول جاء كترجمة لقرارات المجلسين المركزيّ والوطنيّ الفلسطينيّين للانتقال من مرحلة السلطة إلى مرحلة الدولة وما تتطلّبه تلك العمليّة من استحقاقات بما فيها الانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل.

وتمثّل أهمّ انتهاكات البروتوكول، التي قامت بها إسرائيل أخيراً، في اقتطاع وحجز مئات ملايين الدولارات خلال عام 2018 من أموال المقاصّة الفلسطينيّة لتعويض عائلات القتلى والجرحى الإسرائيليّين بفعل العمليّات المسلّحة الفلسطينيّة، وهو ما يشكّل مخالفة لبنود البرتوكول.

وينصّ بروتوكول باريس الاقتصاديّ في بنده رقم 15 على الآتي: "إنّ مقاصّة الإيرادات من كلّ ضرائب الاستيراد والرسوم الأخرى بين إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة (..)، فإنّ هذه الإيرادات الضريبيّة ستخصّص للسلطة الفلسطينيّة (..) وسيتمّ تخليص هذا الإيراد خلال ستّة أيّام عمل من يوم جباية الضرائب والرسوم المذكورة".

وذكر وزير الماليّة الفلسطينيّ السابق ورئيس "معهد أبحاث السياسات الاقتصاديّة الفلسطينيّ – ماس" نبيل قسيس في حديث لـ"المونيتور" أنّ طلب السلطة الفلسطينيّة مراجعة بروتوكول باريس الاقتصاديّ جاء بسبب خنق إسرائيل الكثير من بنوده، ناهيك عن أنّ البروتوكول فيه الكثير من الإجحاف بحقّ الفلسطينيّين اقتصاديّاً.

وبيّن أنّ الأصل هو إنهاء احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينيّة، وليس تعزيز اتفاقيّات قائمة معها، وذلك بهدف المضي قدماً في الانفكاك الاقتصاديّ عنها، وقال: "ذلك لا يعني أنّه لا يوجد في بروتوكول باريس الاقتصاديّ بنود يمكن الاستفادة منها فلسطينيّاً، إذا جلس الطرفان وقرّرا تعديله، وليس إلغاءه".

ويعتمد الاقتصاد الفلسطينيّ بسبب تلك الاتفاقيّة على إسرائيل بشكل رئيسيّ، حيث تأتي 59 في المئة (2.93 مليار سنويّاً) من واردات السلطة الفلسطينيّة عبر إسرائيل، فيما تصدّر السلطة الفلسطينيّة 81 في المئة (770 مليون دولار سنويّاً) من منتوجاتها لإسرائيل، وذلك وفقاً لإحصائية صادرة عن مرصد التعقيد الاقتصاديّ لعام 2016 .

واستبعد أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزّة معين رجب في حديث مع "المونيتور" أن تنجح السلطة الفلسطينيّة في إيجاد بديل لبروتوكول باريس الاقتصاديّ من جرّاء عدم قدرة الفلسطينيّين على الاستثمار في مواردهم الطبيعيّة برّاً وبحرّاً بفعل سيطرة إسرائيل على تلك الموارد، وتحديداً المعابر التجاريّة وحقول الغاز أمام البحر المتوّسط.

وحمّل معين رجب المؤسّسات الحكوميّة الفلسطينيّة المسؤوليّة عن بقاء الاقتصاد الفلسطينيّ مرتبطاً بشكل شبه كليّ بالاقتصاد الإسرائيليّ من جرّاء عدم قيامها بدراسات جديّة وحقيقيّة لحصر القدرات والإمكانيّات الفلسطينيّة لتنفيذ عمليّة الانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل، والذي تلوّح به السلطة الفلسطينيّة بين حين وآخر.

ويعدّ بروتوكول باريس الاقتصاديّ من أكثر الاتفاقات التي وقّعتها السلطة الفلسطينيّة انتقاداً من قبل الفلسطينيّين، الذين ما انفكّوا يطالبون السلطة الفلسطينيّة بإنهائه بشكل كامل، وليس تعديله، وذلك في ظلّ تكبيل ذلك البروتوكول للاقتصاد الفلسطينيّ وتكبيده خسائر بلغت 9.46 مليار دولار خلال عام 2015.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

كاتب وصحفي فلسطيني يعمل في مهنة الصحافة منذ 9 سنوات، عمل في العديد من الوسائل الإعلامية الفلسطينية والأجنبية. حاصل على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة، شارك في إعداد كتاب عن "حصار غزة" لصالح وكالة الأناضول التركية ونشر بعدة لغات.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept