نبض مصر

بعد دعمه في مواجهة الاحتجاجات... السيسي والبشير فرقاء أم شركاء؟!

p
بقلم
بإختصار
يواصل المتظاهرون السودانيّون انتفاضتهم ضدّ عمر البشير لأكثر من شهر على التوالي، للمطالبة بإسقاط نظامه، في أكبر تحدّ له منذ تولّي الحكم، وسط دعم مصريّ قويّ له في ضبط الأمن والاستقرار في السودان، ممّا أثار العديد من التساؤلات حول دوافع عبد الفتّاح السيسي من دعم البشير، خصوصاً أنّ العلاقة بين الدولتين شهدت توتّراً ملحوظاً خلال الأعوام الماضية، بسبب موقف السودان من قضيّة سدّ النهضة الإثيوبيّ، وملفّ حلايب وشلاتين.

القاهرة - في الوقت الذي يقوم فيه النظام السوداني بقمع المتظاهرين الذين يطالبون بإسقاط الرئيس عمر البشير، باستخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع،  يسعى البشير لكسب دعم دول الجوار، وعلى رأسها مصر، التي سارعت وأعلنت دعمها له في مواجهة الاحتجاجات لاستعادة الأمن، حيث نظم البشير زيارة لمصر، في 27 يناير الجاري، التقى من خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليشيد بدعم مصر في إنهاء الأزمة.

يواصل المتظاهرون السودانيّون انتفاضتهم، منذ اندلاعها في 19 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي، للمطالبة بإسقاط حكم الرئيس عمر البشير، حيث نظّموا مسيرة في 17 كانون الثاني/يناير الجاري في اتّجاه القصر للمطالبة بإسقاط البشير، في أزمة اعتبرها مراقبون بمثابة "أكبر تهديد للبشير"، منذ تولّيه السلطة منذ عقود، وتحديدا في 30 يونيو 1989.

وتعدّ الأزمات الاقتصاديّة التي يمرّ بها السودان، والتي أدّت إلى رفع سعر الدولار الجمركيّ إلى 18 جنيهاً، فضلاً عن رفع تعريفة الكهرباء لقطاعات الصناعة والزراعة والتجارة، ورفع الدعم عن القمح وزيادة أسعار الخبز إلى 3 أضعاف، النواة الحقيقيّة لاندلاع تلك التظاهرات العارمة في أكثر من 11 مدينة سودانيّة، وسط محاولات من قوّات الأمن لإخمادها، ممّا أدّى إلى وفاة أكثر من 40 متظاهراً، واحتجاز أكثر من ألف، بحسب منظّمة العفو الدوليّة.

وبمجرّد اندلاع تلك الاحتجاجات، سارع النظام المصريّ الذي ساءت علاقته بالسودان خلال الأعوام الماضية، بسبب تباين وجهات النظر في العديد من القضايا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة وملفّ حلايب وشلاتين الحدوديّ، بإعلان دعمه للسودان، لضبط الأمن وإعادة الاستقرار، حيث توجّه وزير الخارجيّة المصريّ سامح شكري ومدير المخابرات العامّة عبّاس كامل، في 27 كانون الأوّل/ديسمبر، إلى العاصمة السودانيّة الخرطوم، للقاء وزير الخارجيّة السودانيّ الدرديري محمّد أحمد، ورئيس الاستخبارات الفريق صلاح عبد الله قوش، لبحث العلاقات الثنائيّة بين البلدين.

وفي 5 كانون الثاني/يناير الجاري، استقبل الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي، المساعد الأوّل للرئيس السودانيّ محمّد الميرغني، وأكّد خلال اللقاء دعم القاهرة الكامل لاستقرار السودان، وأنّه يعدّ جزءاً لا يتجزّأ من الأمن القوميّ المصريّ.

وفي 14 كانون الثاني/يناير، وجّه البشير شكره لمصر لتضامنها مع بلاده خلال الفترة الحرجة التي تمرّ بها، بحسب وصفه.

وأشاد البشير خلال لقائه مع السيسي، بزيارة الوفد المصري للخرطوم في بداية الأزمة، ووصفها بأنها "كانت رسالة مهمة للشعب السوداني وللآخرين عن وقوف مصر ودور مصر في المساهمة والحرص على استقرار السودان".

ويرى أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة بني سويف الدكتور أحمد دراج في تصريحات إلى "المونيتور" أنّه على الرغم من التباين الواضح بين النظامين المصريّ والسودانيّ في وجهات النظر، ومختلف القضايا، واحتدام التوتّر بينهما خلال الأعوام الماضية، إلّا أنّ هناك تشابه بين النظامين في الإجراءات المتّخذة في حقّ شعوبهما، من حيث استخدام العنف والقمع وقتل الديمقراطيّة، فضلاً عن الأوضاع الاقتصاديّة المتأزّمة في كلّ من مصر والسودان، ممّا دفع الدولتين إلى اتّخاذ إجراءات اقتصاديّة صعبة في حقّ شعوبهما، وهو ما دفع الرئيس السيسي إلى إعلان دعم البشير.

ففي 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، قرّر البنك المركزيّ المصريّ تحرير سعر صرف الجنيه، لتعقب القرار سلسلة من القرارات الاقتصاديّة سعياً إلى إنعاش الاقتصاد، شملت زيادة أسعار الطاقة، الوقود والكهرباء، والدواء وإقرار قوانين جديدة للاستثمار والخدمة المدنيّة، وتعديلات على قانون ضريبة الدخل وفرض ضرائب على الهواتف المحمولة والسجائر والدخان، وإقرار قانون ضريبة القيمة المضافة.

وتوقّع دراج أنّ زيارة رئيس جهاز المخابرات العامّة برفقة وزير الخارجيّة شكري إلى الخرطوم تضمّنت مقايضة مع الرئيس السودانيّ البشير، بما يعني دعم مصر له في أزمته غير المسبوقة، في مقابل تصفية الخلافات بينهما، وعلى رأسها كسب دعم السودان في ملفّ سدّ النهضة، إضافة إلى إغلاق السودان ملفّ حلايب وشلاتين نهائيّاً.

وفي 11 كانون الأوّل/ديسمبر 2013، اتّهمت القاهرة السودان، عقب اختتام وزراء الموارد المائيّة في السودان ومصر وإثيوبيا اجتماعهم الثاني في شأن مشروع سدّ النهضة الإثيوبيّ في الخرطوم، بلعب دور وسيط متحيّز إلى أديس أبابا. وقالت إنّ السودان تحوّل من شريك استراتيجيّ لمصر إلى وسيط متحيّز.

ويعود بناء سد النهضة بفائدة كبيرة على الجانب السوداني، فالطاقة الكهربائية المتولدة من سدّ النهضة، ستغني السودان عن إنشاء أي سدود أخري علي النيل، كما أن بناء السد، سيؤدي إلى حصول السودان على كامل حصته المائية، والتي كان يذهب منها عشرة مليار لتر مكعب إلي مصر، مما يمكنه من زيادة الدورات الزراعية، إلى ثلاث دورات في العام بدل دورة واحدة، في الوقت الذي ستنخفض فيه حصة مصر من بناء السد بمعدل 25 مليار متر مكعب، ما يؤدي إلى تبوير الأراضي الزراعية، وانخفاض الطاقة الكهربائية.

وفي نيسان/أبريل 2017، قال البشير خلال مؤتمر صحافيّ مع رئيس الوزراء الإثيوبيّ هايلي مريام ديسالين بإثيوبيا، إنّه "ليس هناك أيّ حدود للعلاقة بين البلدين سياسيّة أو اقتصاديّة أو تجاريّة أو ثقافيّة أو اجتماعيّة أو أمنيّة"، وإنّ "الأمن الإثيوبيّ جزء لا يتجزّأ من الأمن القوميّ السودانيّ".

ولم يكتف السودان بالتحيّز لصالح إثيوبيا، وإنّما يشارك في حماية سدّ النهضة في شكل مباشر، حيث قام في 26 تمّوز/يوليو 2017، بتوقيف مجموعة مسلّحة قال إنّها "تحرّكت من إريتريا لاستهداف سدّ النهضة الإثيوبيّ.

وفي 20 آذار/مارس 2017، أعلن السودان على لسان رئيس اللجنة الفنّيّة لترسيم الحدود عبد الله الصادق، عن تشكيل لجنة لترسيم الحدود السودانيّة لحسم قضيّة منطقة مثلّث حلايب وأبو رماد وشلاتين الحدوديّة، وإخراج المصريّين منها بالطرق الدبلوماسيّة، فيما رفضت مصر رفضاً قاطعاً الجلوس للتفاوض أو إحالة القضيّة إلى التحكيم الدوليّ، مؤكّدة أنّ حلايب وشلاتين مصريّة.

وفي 18 آذار/مارس 2017، أصدرت وزارة التجارة السودانيّة قراراً بوقف استيراد سلع مصريّة، عبارة عن منتجات زراعيّة وأسماك معلّبة ومحضرات السلع الزراعيّة والمصنّعة، إضافة إلى وقف استيراد الخضار والفاكهة، حفاظاً على صحّة المواطن وسلامته، بسبب مخاوف تتعلّق بالسلامة والصحّة العامّة، بحسب وصفها.

وبينما يرى مراقبون أنّ الدعم المصريّ للبشير سيؤثّر على صورة مصر لدى السودانيّين، في حال نجاح انتفاضتهم ضدّ البشير، يرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في تصريحات إلى "المونيتور" أنّ النظام المصريّ لا يبالي بصورته أمام الشعوب، ولا يهتمّ سوى بالأنظمة الحاكمة، وهو يكره الأنظمة الثوريّة أو الديمقراطيّة، لذلك يدعم البشير بكلّ قوّة، على الرغم من التوتّر الدائم بينهما.

وأضاف نافعة: "النظام المصريّ يرى أنّ من مصلحته دعم نظيره السودانيّ، فالسيسي يسعى إلى إخماد أيّ ثورة في العالم العربيّ، لتخوّفه الشديد من انعكاس ذلك على الوضع في مصر، كما أنّه في حال نجاح انتفاضة السودانيّين ضدّ البشير، وإسقاطه، وتولّي نظام آخر قيادة البلاد، سيتعامل معه النظام المصريّ، ولن يقاطعه، وسيقول وقتها إنّه دعم نظام البشير، بهدف الحفاظ على استقرار السودان وأمنه. أمّا لو نجح نظام البشير في الاستمرار، سيؤدّي ذلك إلى تحسّن العلاقة بين السيسي والبشير في شكل ملحوظ".

واختتم نافعة تصريحاته، قائلاً: "وقوع السودان على الحدود الجنوبيّة لمصر دافع قويّ لمواجهة أيّ فوضى محتملة، كون مصر مهدّدة دائماً بعمليّات إرهابيّة، خصوصاً أنّ عمليّات تهريب السلاح من الحدود السودانيّة مستمرّة حتّى الآن. وبالتالي أعتقد أنّ هذه الأزمة ستحوّل العلاقة بين البشير والسيسي من خصومة إلى صداقة، إذا ما نجح البشير في تجاوزها".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : abdel fattah al-sisi, omar al-bashir, egypt-sudan ties, sudanese opposition, sudan protests

خالد حسن، صحفي مصري حر، متخصص في الشؤون السياسية والتحقيقات. بدأ العمل الاحترافي بمهنة الصحافة عام 2010 فور تخرجه من جامعة عين شمس. عمل فى العديد من الصحف المصرية بأقسام الأخبار والسياسة والتحقيقات. قام بإنجاز عدة تحقيقات استقصائية مع شبكة أريج "اعلاميون من أجلصحافة استقصائية."

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept