نبض فلسطين

مشروع إقامة مطار في غزّة يزيد نفوذ قطر في الساحة الفلسطينيّة

p
بقلم
بإختصار
أعلن السفير القطريّ في فلسطين محمّد العمادي أنّ قطر طلبت من إسرائيل بناء مطار في غزّة بإشراف أمنيّ لتبديد مخاوفها الأمنيّة، لكنّ إسرائيل لم تردّ حتّى الآن، وتباينت مواقف الفلسطينيّين... السطور التالية تناقش الطلب القطريّ المفاجئ، وما إذا سيكون في مكان المطار السابق نفسه في جنوب القطاع، ومدى إشراف السلطة الفلسطينيّة عليه، وكيف سيكون موقف مصر، وما إذا كان يعتبر وصاية قطريّة على غزّة إلى الأبد، إضافة إلى مواقف الفلسطينيّين من الطلب.

تواصل قطر بسط نفوذها في الساحة الفلسطينيّة عبر جوانب سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّة، في ظلّ علاقتها الوثيقة مع حماس والسلطة الفلسطينيّة وإسرائيل.

تمثّلت آخر مشاريع قطر في غزّة بما أعلنه رئيس اللجنة القطريّة لإعادة إعمار غزّة السفير القطريّ محمّد العمادي في 10 كانون الأوّل/ديسمبر في حوار إلى وكالة سوا الفلسطينيّة، قائلا إنّ "قطر طلبت من إسرائيل بناء مطار في قطاع غزّة تحت إشراف أمنيّ قطريّ، حيث تقلع الطائرات من غزّة إلى الدوحة، ومنها إلى أي بقعة في العالم. إسرائيل وافقت على منحنا مطاراً داخل حدودها، لكنّنا رفضنا، وسنكرّر مطالبتنا، هدفنا إيجاد وسيلة تنقّل للفلسطينيّين كأيّ دولة في العالم لديها مطار ومنافذ برّيّة".

لم يشرح السفير العمادي مكان إقامة المطار ولا كلفته، ربما بانتظار الموافقة الإسرائيلية، كما أنه لم يتطرق إلى دور السلطة الفلسطينيّة، وبدا كما لو أنّ طرفي الموضوع هما قطر وإسرائيل فقط.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1998، افتتح الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات مطار غزّة الدوليّ، الذي عمل 3 سنوات، تنقّل خلالها آلاف المسافرين الفلسطينيّين، ثمّ دمّرته الطائرات الإسرائيليّة في عام 2001 بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، وتحوّل إلى مرعى للأغنام، ومكبّ للنفايات.

"المونيتور" حاول التواصل مع السفير العمادي، حيث أبلغنا مكتبه بغزة بالاكتفاء بما ورد على لسانه في المقابلة الصحفية أعلاه، لكن مسئولا فلسطينيا بغزة، قريب منه، أخفى هويته، أبلغ "المونيتور" أن "هدف المشروع القطري الخاص بمطار غزة مساعدة الاقتصاد الفلسطيني، وسيعمل المطار على جعل غزة مكانا مناسبا لاستقبال المساعدات الخارجية، وسيساعد في خلق اقتصاد حر بغزة. مشروع المطار قابل للتطبيق بغزة، شرط أن يكون فيها حكومة معترف بها دولياً، وهي غير موجودة حالياً، وهذه أكبر مشكلة".

قال مدير العلاقات العامّة في غرفة تجارة وصناعة محافظة غزّة ماهر الطبّاع لـ"المونيتور" إنّ "المطار يفيد غزّة لأنّه يمكّن الوفود الاقتصاديّة من الوصول إليها بحرّيّة، وكذلك سفر وفودنا إلى الخارج، لإبرام صفقات تجاريّة، وتحسين الوضع الاقتصاديّ في القطاع، شرط رفع الحصار الإسرائيليّ عنه".

فور كشف العمادي عن مشروع المطار، تسارع صدور ردود الفعل الفلسطينيّة، فأكد مسؤول الإعلام في فتح منير الجاغوب في الضفة الغربية بتصريح لموقع دنيا الوطن الفلسطيني يوم 10 ديسمبر، أنّ مشروع مطار غزّة يعني أن تصبح غزّة بعيدة عن الكيان الفلسطينيّ، وأضاف أنّ الدور القطريّ أمنيّ وليس إنسانيّاً.

ووصف عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة أحمد مجدلاني يوم 10 ديسمبر بتصريح لموقع دنيا الوطن الفلسطيني، مشروع مطار غزّة بالتدخّل القطريّ المرفوض، لأنّه اعتداء على السيادة الفلسطينيّة، ويشجّع حماس على الانخراط في صفقة القرن الأميركيّة.

وأعلن عضو المكتب السياسيّ لحزب الشعب الفلسطينيّ وليد العوض يوم 10 ديسمبر على صفحته في الفيسبوك أنّ مشروع المطار الذي أعلنه العمادي يظهر غزّة محميّة قطريّة، ممّا يجعله غير مرغوب فيه.

صمتت حماس طيلة الأيّام الماضية، ولم تصدر موقفاً تجاه المشروع القطريّ للمطار، وحين تواصل "المونيتور" مع الناطقين باسمها، رفضوا التعليق من دون إبداء الأسباب، لكنّ مسؤولاً فيها، أخفى هويّته، قال لـ"المونيتور": "إنّنا نفضّل الصمت الآن حول موضوع المطار الذي تداوله الإعلام، فالحركة لم تبلور موقفاً واضحاً تجاه المسألة".

ترتبط حماس بعلاقات قويّة مع قطر، ولا يمرّ خطاب لقادتها إلّا ويثنون فيه على قطر لمشاريعها الإنسانيّة، آخرهم زعيم حماس اسماعيل هنيّة الذي شكرها في 16 كانون الأوّل/ديسمبر على دعمها الثابت لأهل غزّة.

ربّما لم ترد حماس إعلان موقف في شأن مشروع المطار لسببين، الأوّل رغبتها في معرفة مزيد من التفاصيل حوله من القطريّين أنفسهم، والثاني عدم التسرّع برفضه كي لا تخسر صديقاً وحليفاً كقطر، الداعم الماليّ الأبرز للقضايا المعيشيّة في غزّة.

قال عضو المجلس الثوريّ لفتح ورئيس اللجنة السياسيّة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ عبد الله عبد الله لـ"المونيتور" إنّ "العمادي هو الوجه الثاني للمبعوث الأميركيّ للمنطقة جيسون غرينبلات ويبذلان جهودهما لتنفيذ صفقة القرن، بفصل غزّة عن الضفّة الغربيّة، ومشروع المطار يأتي في هذا السياق، والسلطة الفلسطينية لا ترى نفسها جزء من مشروع المطار".

لا يبدو أنّ للسلطة الفلسطينيّة دوراً في مشروع مطار غزّة، فهي لا تسيطر عليها، ممّا قد يجعلها تخشى أن يكون المطار مقدّمة لسلخ غزّة عن الضفّة الغربيّة، دون أن يعني أن تكون حماس مسؤولة عن إدارة المطار، لأن السفير العمادي أعلن في مقابلته أعلاه يوم 10 ديسمبر أن المطار سيكون تحت إشراف قطري كامل.

تزامن الحديث القطريّ عن المطار مع زيارة الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس إلى الأردن في 18 كانون الأوّل/ديسمبر، وبعدها إلى مصر، لمواجهة جهود إنهاء العلاقة بين غزّة والضفّة الغربيّة.

تبدي فتح معارضة لما تقدّمه قطر إلى غزّة، بما فيها المطار، مع أنّ الرئيس الفلسطينيّ، علاقاته وثيقة بها، ويسافر إليها دائماً، والزيارة الأخيرة كانت في 9 آب/أغسطس، حيث التقى بالأمير تميم بن حمد لبحث تطوّرات القضيّة الفلسطينيّة، ممّا قد يشير إلى تناقض مواقف الحركة، أو توزيع أدوار بين مؤيّد لقطر، ومعارض لها.

قال أستاذ الدراسات الأمنيّة في أكاديميّة الإدارة والسياسة للدراسات العليا في غزّة ابراهيم حبيب لـ"المونيتور" إنّ "غزّة المحاصرة في حاجة إلى منفذ خارجيّ عبر المطار، فهو مطلب إنسانيّ، ولا أظنّ أنّ حماس تعارضه، حتى لو كان تحت إشراف أمني قطري أو دولي، رغم عدم توفر مزيد من التفاصيل حول كيفية إدارة المطار، فهي لن تهرّب أسلحة في الطائرات، أمّا معارضة فتح فهي للمزاودة على حماس، ولرغبتها في إبقاء الحصار على غزّة".

المشروع القطريّ لمطار في غزّة ليس الأوّل، فقد أعلن وزير المواصلات الإسرائيليّ يسرائيل كاتس في حزيران/يونيو 2017 عن مشروع بناء جزيرة اصطناعيّة قبالة سواحل القطاع، تشمل مرافق تحلية مياه ومحطّة لتوليد الكهرباء وميناء ومطار، لكنّ المشروع لم ير النور بسبب خلافات حادة بين كاتس ووزير الدفاع الإسرائيلي المستقيل أفيغدور ليبرمان الذي عارض تقديم أي تسهيلات إنسانية لغزة، مما دفع كاتس لمطالبة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في حزيران/يونيو بشطب مقترحه من نقاشات الحكومة الإسرائيليّة.

أمّا منسّق عمليّات الحكومة الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينيّة الجنرال كميل أبو ركن، فسبق الإعلان القطريّ عن المطار، بوضع شروط في أيلول/سبتمبر لإعادة بنائه، بتخلّي حماس عن العنف، وإعادة الأسرى الإسرائيليّين، ونزع سلاحها، لأنّها ستستغلّ المطار لتهريب السلاح.

وفي 11 أيلول/ديسمبر، تناولت صحيفة معاريف مشروع المطار من زاوية انقسام الفلسطينيّين حوله، ومطالبة بعضهم بطرد العمادي من الأراضي الفلسطينيّة، ومنهم مستشار للرئيس الفلسطيني عباس، لم تذكر هويته.

قال خبير الشؤون الإسرائيليّة صالح النعامي لـ"المونيتور" إنّه "يصعب على إسرائيل قبول إقامة مطار في غزّة لأنّه يعني مكافأة لحماس، ممّا يهدّد الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة، على الرغم من أنّ إسرائيل تبذل كلّ جهد لكبح جماح أيّ حرب في غزّة، لكن من دون أن يعني تثبيت أقدام حماس فيها بالمطار والميناء".

أخيراً... إنّ الإعلان القطريّ عن مشروع مطار غزّة يعني أنّه قد تكون لديها مخطّطات هندسيّة جاهزة، والتمويل اللازم، لكنّ امتناع الطرفين المعنيّين المباشرين بالمسألة حماس وإسرائيل عن إعطاء موقف نهائيّ، هو ربّما لأنّهما تجريان نقاشات جادّة في أروقتهما للخروج بقرار محدّد، ممّا قد يحمل موافقة أوّليّة على المشروع، في ظلّ الثقة التي تحظى بها قطر منهما معاً.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept