المغرب... الإسلام السياسيّ يقف ضدّ المساواة في الميراث

p
بقلم
بإختصار
يعرف المغرب صراعا غير متوازن يتقمّص فيه عدد من المحافظين المحسوبين على تيّار الإسلام السياسيّ دور حرّاس الفضيلة، رافضين أيّ نقاش مسؤول وبنّاء حول المساواة في الإرث.

الدار البيضاء - في العاشر من شهر كانون الأول/ دسمبر 2018، أصدر حزب التقدم والاشتراكية المشارك في الحكومة بلاغا بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان دعا فيه إلى إقرار المساواة في الإرث. موضوع يثار لأول مرة من داخل ائتلاف أغلبية يترأسه حزب إسلامي في المغرب.

تعتبر الرابطة المحمديّة للعلماء من بين المنظّمات الأكثر تأثيراً على المجال الدينيّ في المغرب، ويحدّد الظهير الملكيّ رقم 1.05.210 اختصاصات الرابطة والتي من بينها "التعريف بأحكام الشرع الإسلاميّ الحنيف ومقاصده السامية والعمل على نشر قيم الإسلام السمحة وتعاليمه السامية والموعظة الحسنة واحترام مبادئ الوسطيّة والاعتدال"، ولكن، خلال آذار/مارس من عام 2018، اضطرّت عضو الرابطة أسماء المرابط لتقديم استقالتها، بعد تعرّضها لضغوط من جانب باقي أعضاء الرابطة المحمديّة، إثر تعبيرها عن موقف مناهض للتمييز بين الرجل والمرأة في الميراث.

وفي حوار أجراه "المونيتور" معها قالت: "كنت قد دعوت آنذاك إلى إعادة قراءة النصوص الدينيّة كي تتماشى مع تطوّرات العصر المتسارعة"، الأمر الذي أثار انفعال زملائها في الرابطة. لا تخفي أسماء المرابط أسفها، إذ كان بإمكان حدث استقالتها أن يفتح نقاشاً جادّاً حول المساواة في الميراث، وقالت: "أحدثت استقالتي جدلاً عقيماً، بدلاً من نقاش مجتمعيّ حقيقيّ". أضافت: "عندما أثيرت مسألة المساواة في الميراث، خرجت أصوات عدّة للتنديد بما وصفته إهانة للإسلام. وبهاته الطريقة، يتمّ إحباط أيّ إمكانيّة نقاش مفتوح بشأن هذه المسألة".

سياسيّاً، يتّصف مؤيّدو المساواة بالحذر لخطر فقدانهم جزءاً كبيراً من قاعدتهم الانتخابيّة، إذ أنّ الناخبين بغالبيّتهم يبدون حساسيّة مفرطة تجاه الموضوع، كما كشفه استطلاع رأي أجرته هيئة الأمم المتّحدة للمرأة نشر في شباط/فبراير من عام 2018 يظهر أنّ 33 في المئة فقط من النساء و5 في المئة من الرجال المغاربة يدعمون المساواة في الميراث.

ومع ذلك، هناك بعض الاستثناءات أبدى من خلالها بعض السياسيّين مواقف جريئة في الموضوع، كما حصل في 20 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2013، في المؤتمر السابع للنساء الاتحاديّات، حيث أعلن الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكيّ للقوّات الشعبيّة إدريس لشكر موقفاً مسانداً للمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث. وفي الساعات القليلة التي تلت تصريحه، صدرت موجة من الاحتجاجات من أشخاص محسوبين على التيّار الإسلاميّ الأصوليّ، إذ شكّك نائب رئيس "حركة التوحيد والإصلاح" محمّد الهلالي في مصداقيّة إدريس لشكر، في حين نعت الداعية السلفي التكفيريّ الشهير أبو نعيم السكرتير الأوّل لحزب الاتحاد الاشتراكيّ بـ"الخنزير النتن".

وفي سياق آخر، أوصى الرئيس السابق للمجلس الوطنيّ لحقوق الإنسان إدريس اليزمي بالمساواة في توزيع الميراث بين الإخوة والأخوات من خلال تقرير نشره المجلس في تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2015، حينها لم يتردد رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران في الرد بعبارات لاذعة خلال مقابلة أجراها مع قناة "ميدي 1"، حيث قال: "إنّ هدف إدريس اليزمي هو إثارة الفتنة... و عليه أن يقدّم اعتذاراً إلى المغاربة عمّا قاله".أضاف مخاطبا أعضاء المجلس: "إن كنتم ترفضون القرآن، أطلبوا منّا أن نضعه جانباً."

وهنا، يتجلّى الانقسام الذي يقلق أسماء المرابط، التي قالت في حوارها مع المونتور : "إنّ القراءة السياسويّة للإسلام تجعل من المستحيل استيعاب معنى العدالة والمساواة. لا يجب تسييس النقاش حول الميراث، بل يجب القيام به خارج إطار الحلال والحرام"، مضيفة أنه "لا يوجد تعارض ما بين القيم الكونيّة والأخرى الدينيّة في قضيّة الميراث".

وتعلل الباحثة موقفها كون الحجج الدينيّة للتقاسم المتساوي للميراث عديدة، منها: "مسألة الميراث هي جزء من الحقوق، (حقوق الناس) ولها بعد اجتماعيّ، (المعاملات) على النحو الذي دعا إليه مجمع العلماء. ووفقاً لهذا المنطق النابع من إجماع الفقهاء المسلمين أنفسهم، فإنّ الميراث جزء من المتغيّر، وليس من العقائد والعبادات الثابتة. وبالتّالي، فإنّ الميراث يرتبط بالتغيّرات المجتمعيّة".

وفي سجّل آخر، يعمل جزء من المجتمع المدنيّ من أجل تحسيس الرأي العام وتعميم مفهوم المساواة في الميراث، من بينه المحلّلة النفسيّة والناشطة الجمعويّة حكيمة اللبار، التي تنظّم منذ آذار/مارس من عام 2017 ، قافلة تجوب مدناً وقرى المغرب لتوعية الساكنة، وتفتتح القافلة بمعرض للرسوم والصور، ثمّ تفسح المجال للمناقشة مع الجمهور، وقالت: "في المدن، غالباً ما نستقبل مثقّفين أو أشخاصاً مضطّلعين بالقضيّة، ولكن عندما نقوم بزيارة البوادي، فإنّنا نصادف كلّ الفئات الاجتماعيّة. وفي الحالتين، نشهد مناقشات جديرة بالاهتمام".

هذه اللقاءات يتمّ تأطيرها بانتظام من قبل المفكّر الأمازيغي أحمد عصيد، المحامية فريدة بناني أو عالم الإسلاميّات محمّد عبد الوهاب الرفيقي (أبو حفص). وقالت حكيمة اللبار: "في الأسابيع المقبلة، سنشرع في تأليف عروض مسرحيّة سينفّذها على الخشبة كلّ من أحمد عصيد وفريدة بناني، بدعم من فرقة مسرحيّة وطنيّة. كما نعتزم بناء علاقات تعاون مع نشطاء في دول شمال إفريقيا لتوحيد قوّاتنا من أجل المساواة".

في الماضي القريب، عرف المغرب إصلاحات مهمّة خصّت مدوّنة الأسرة، إذ بعد 5 سنوات من تولّي الملك محمّد السادس الحكم في يوليو 1999، قرّر الأخير تأييد إصلاح المدوّنة التي أعطت، منذ عام 2004، مزيداً من الحقوق إلى المرأة. فلماذا لا يتّبع المنهج نفسه لتطبيق المساواة في الميراث بقوّة القانون؟ رأت حكيمة اللبار في هذه النازلة أنّ "السؤال حسّاس للغاية لأنّه يربك جوهريّاً ذكوريّة المجتمع الحاضرة بقوّة في الثقافة المغربيّة"، وجهة نظر تشاطرها المرابط، إذ قالت: "المساواة في الميراث تسائل القوّة الاقتصاديّة للرجل في المجتمع المغربيّ. ولذا، فإنّ المجتمع الذكوريّ غير مستعدّ للتخلّي عنها".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : حقوق المرأة

أمين بلغازي، صحفي مستقل ومنتج برامج. حاصل على ماستر في التمويل الدولي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept