نبض فلسطين

مدى واقعيّة انخراط الفلسطينيّين في معركة "حزب الله" ضدّ إسرائيل

p
بقلم
بإختصار
بعد أن بدأت إسرائيل بعمليّة عسكريّة واسعة ضدّ أنفاق "حزب الله"، تطرح تساؤلات عن مشاركة المقاومة الفلسطينيّة بجانب الحزب في هذه المعركة إن استمرّت طويلاً، مع صدور مواقف تتوقّع اندلاع معركة متعدّدة الجبهات... السطور الآتية تناقش إمكانيّة طلب إيران من الفصائل الفلسطينيّة إشعال جبهة غزّة، إن اندلعت حرب إسرائيليّة ضدّ "حزب الله"، وهل آن الأوان أن يردّ الفلسطينيّون مقابل الأموال التي تدفعها إيران لهم طيلة السنوات الماضية، وما مواقفهم تجاه هذه العمليّة العسكريّة المتدحرجة في لبنان؟

أطلقت إسرائيل فجر 4 كانون الأوّل/ديسمبر حملتها العسكريّة "درع الشمال" لكشف أنفاق "حزب الله" من لبنان باتّجاه شمال إسرائيل، مع صدور مواقف إسرائيليّة وفلسطينيّة ولبنانيّة تشير إلى إمكانيّة خوض مواجهة متعدّدة الجبهات. ولقد عقّب رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو على العمليّة بعد ساعات من انطلاقها، بقوله: "إنّنا نعمل على كلّ الجبهات في وقت واحد".

نتنياهو عاد وأكد ذات الكلام يوم 11 ديسمبر، حين قام بجولة ميدانية عند الحدود اللبنانية مع إسرائيل، وقال أن الجيش الإسرائيلي مستعد لأي طارئ، لدينا قوة نيران هائلة، ونحن مستعدون للمواجهة من جميع الاتجاهات". دون أن يوضح ما المقصود بالعبارتين الواردتين في هذين التصريحين، تارة الجبهات، والأخرى الاتجاهات، لكن المتوقع أنه يقصد إمكانية اندلاع جبهات عسكرية أخرى في غزة أو سوريا للوقوف بجانب حزب الله إذا بدأت حرب بينه وبين إسرائيل.

وأكّد المتحدّث باسم "حركة الجهاد الإسلاميّ" مصعب البريم في 4 كانون الأوّل/ديسمبر أنّ "المقاومة الفلسطينيّة تنظر بخطورة إلى الوضع على حدود لبنان، وتقوم بتقدير للموقف الاستراتيجيّ، ولن تتخلّى عن دورها في الميدان".

وفي يوم 10 ديسمبر أكد الجيش الإسرائيلي أنه لا يستبعد أن تشمل عمليات البحث عن أنفاق حزب الله دخول الأراضي اللبنانية، وقد طلب من سكان بعض منازل قريتي كفر كلا ورامية الحدوديتين اللبنانيتين مغادرة منازلهم، لأن حزب الله حفر أنفاقا هجومية تحتها.

وقد بدأ الجيش الإسرائيلي يوم 4 ديسمبر بتحريك قطعات المدفعية، وأعلن استنفارا جزئيا لجنود الاحتياط، وقام بزج قوات تعزيز للقوات المنتشرة على الحدود الشمالية.

وقال عضو المجلس السياسيّ لـ"حزب الله" ومسؤول الملف الفلسطينيّ فيه حسن حبّ الله، بـ4 كانون الأوّل/ديسمبر: "إنّ الحزب يراقب التحرّكات الإسرائيليّة على كلّ الجبهات لأنّنا سلسلة متكاملة، ولا يمكن فصل غزّة عن لبنان، فعدوّنا واحد، وإن كانت الجبهات متعدّدة، ولن نسمح لإسرائيل بالاستفراد بأيّ جبهة".

هذه التصريحات من غزّة وبيروت وتلّ أبيب عن إمكانيّة خوض معركة في جبهات عدّة، تفسح المجال لمناقشة هذا السيناريو، وهل تبدو "حماس" والفصائل الفلسطينية، مستعدّة له؟

ونظراً لأنّ إيران هي الداعم الأساسيّ للفصائل الفلسطينيّة والحزب معاً، فقد تقرّر طهران إطلاق معركة متعدّدة الجبهات، الأمر الذي سيضع أمام الفلسطينيّين تحديّاً في الاستجابة لهذا الطلب الإيرانيّ أو رفضه.

في هذا السياق، قال الخبير العسكريّ الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة اللواء متقاعد يوسف الشرقاوي، وهو من القادة العسكريين لمنظمة التحرير الفلسطينية، خلال حديث لـ"المونيتور": "إنّ مشاركة المقاومة الفلسطينيّة، خاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بجانب حزب الله ضدّ إسرائيل لازمة، لتحقيق سياسة تقاطع النيران وتوحيد الجبهات، وكان على الحزب إسناد غزّة بحروبها بين عاميّ 2008 و2014، لكنّه ضيّع هذه الفرص. وعلى القوى المستهدفة من إسرائيل الاشتراك دفعة واحدة في أيّ مواجهة، وإمطارها بالصواريخ على كلّ الجبهات، فهناك مبرّرات أخلاقيّة ووطنيّة ومصلحيّة، إذ بعد انتهاء إسرائيل من حرب الحزب ستواصل معركتها في غزّة".

تجمّعت شواهد عدّة حول إمكانيّة تحقّق مواجهة متعدّدة الجبهات، فذكر موقع "القوات اللبنانيّة" المعارض لـ"حزب الله" في 4 كانون الأوّل/ديسمبر أنّ إيران قد تفتح جبهة غزّة ضدّ إسرائيل، لو تأزّمت الحالة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، لإعطاء المواجهة طابعاً إقليميّاً.

وأشار جنرالان إسرائيليّان في 4 كانون الأوّل/ديسمبر، أحدهما الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكريّة عاموس يادلين إلى أنّ لإيران مصلحة بالتصعيد في المنطقة باستغلال عمليّة الشمال، لأنها تواجه حاليا عقوبات أمريكية جديدة دخلت حيز التنفيذ في نوفمبر، وقد تذهب نحو إطلاق مواجهة عسكرية بين حزب الله وإسرائيل، والتوصل في نهايتها لصفقة إقليمية ودولية، تأمل إيران من خلالها لتخفيف العقوبات الأمريكية القاسية عليها، وفق تقدير يادلين.

وتوقّع الثاني الرئيس السابق لشعبة الأبحاث في الجهاز ذاته إيلي بن مائير أن تدفع إيران بحلفائها إلى العمل ضدّ إسرائيل، بالتزامن مع بدء عملية درع الشمال ضد أنفاق حزب الله.

وأكّد وزير الدفاع الإسرائيليّ المستقيل أفيغدور ليبرمان في 5 كانون الأوّل/ديسمبر أنّ إسرائيل قادرة على التصدّي لجبهات عسكريّة عدّة في وقت واحد، في معرض تفسير معارضته لقرار الحكومة الإسرائيلية وقف إطلاق النار مع حماس يوم 14 نوفمبر، وقوله أن الجيش الإسرائيلي يستطيع خوض معركتين ضد حزب الله في لبنان وحماس في غزة في آن واحد معا. 

وقال ممثل "حماس" في إيران خالد القدومي لـ"المونيتور": "إنّ جبهة المقاومة تقف اليوم صفّاً واحداً لمواجهة إسرائيل. لسنا دعاة حرب، ولكن على إسرائيل أن تعلم أنّ المغامرة ضدّنا سيكون ردّنا عليها موجعاً وشاملاً، وعلى المجتمع الدوليّ وضع حدّ لعبثها بالأمن الإقليميّ، لأنّه قد يكون صاعقاً لتفجير شامل يصعب تحديد اتّجاهاته وقوّته".

ودخلت الولايات المتّحدة الأميركيّة على خطّ التحذيرات، إذ دعا المبعوث الأميركيّ لعمليّة السلام جيسون غرينبلات في 5 كانون الأوّل/ديسمبر، إيران ووكلاءها إلى وقف استفزازاتهما ضدّ إسرائيل، وطالب مستشار البيت الأبيض للأمن القوميّ جون بولتون في 5 كانون الأوّل/ديسمبر إيران وعملاءها بوقف استفزازهما الذي يهدّد الأمن الإسرائيليّ.

ووصل رئيس جهاز الاستخبارات الأميركيّ دانيال كوتس إلى القاهرة في 5 كانون الأوّل/ديسمبر في زيارة غير مخطّطة، وطلب من نظيره المصريّ عبّاس كامل إقناع "حماس" بعدم التدخّل في أيّ حرب إسرائيليّة ضدّ "حزب الله".

وبالتزامن مع اندلاع عملية درع الشمال الإسرائيلية ضد أنفاق حزب الله، فقد أعلن نائب المندوب الإيراني بالأمم المتحدة إسحاق آل حبيب يوم 7 ديسمبر معارضة مشروع القرار الأمريكي لإدانة حماس في الأمم المتحدة بسبب إطلاقها الصواريخ على إسرائيل. وفي 27 تشرين الثاني/نوفمبر، قرّرت إيران تبنّيها الماليّ لعوائل شهداء وجرحى مسيرات العودة في غزّة، وشكر رئيس المكتب السياسيّ لـ"حماس" إسماعيل هنيّة في 24 تشرين الثاني/نوفمبر، إيران لدعمها المقاومة وعلى رأسها حماس.

شهدت المواجهة العسكريّة الأخيرة، التي خاضتها "حماس" وإسرائيل في أواسط تشرين الثاني/نوفمبر، صدور مواقف من إيران و"حزب الله" للإشادة بالمقاومة الفلسطينيّة، إيذاناً بدخول علاقتهما مرحلة جديدة من التنسيق والدعم.

وأكّد في 15 تشرين الثاني/نوفمبر قائد الجيش الإيرانيّ سيّد عبد الرحيم موسوي وقائد القوّات الجويّة الفضائيّة في الحرس الثوريّ الإيرانيّ علي حاجي زادة، أنّ انتصار حماس في غزّة أرغم إسرائيل على وقف إطلاق النار، وأنّ غزّة المحاصرة أخضعت إسرائيل. وهنأ "حزب الله" في 14 تشرين الثاني/نوفمبر حماس على انتصارها. فيما أجرى الجيش الإسرائيليّ في 26 تشرين الثاني/نوفمبر تدريباً عسكريّاً لمواجهة "حماس" و"حزب الله"، خشية حصول سيناريو نشوب مواجهة مشتركة معهما في آن واحد.

وقال الكاتب اللبنانيّ القريب من "حزب الله" في بيروت قاسم قصير، الكاتب بصفة دورية بموقع عربي21 الصادر بلندن، لـ"المونيتور": "إنّ المقاومتين الفلسطينيّة واللبنانيّة مرتبطتان كالأوعية المتّصلة، وانخراط الفلسطينيّين في أيّ حرب إسرائيليّة ضدّ الحزب يرتبط بشرطين: العمق الجغرافيّ للعمليّة الإسرائيليّة داخل لبنان، وكم ستستغرق العملية من مدة زمنية. وبناء عليهما، تتّضح ردود فعل هاتين المقاومتين".

صدرت في الأيام الأخيرة سلسلة تصريحات إيرانية داعمة لحماس، آخرها يوم 8 ديسمبر حين أكد حسين شيخ الإسلام مستشار وزارة الخارجية الإيرانية لصحيفة الرسالة التابعة لحماس بغزة، أن حماس تمكنت من قيادة شعبها وتحقيق الانتصارات على إسرائيل، وقال حسن حب الله مسئول ملف فلسطين بحزب الله لذات الصحيفة أن حماس شكلت أملا للعرب والمسلمين بإسقاط مشروع الهيمنة الغربية على المنطقة العربية.

وأخيراً، شهدت الأيّام الأخيرة ارتفاعاً بتنامي علاقات الفلسطينيّين بإيران، الأمر الذي قد يجعل مشاركتهم ضدّ حرب إسرائيليّة على "حزب الله" أمراً متوقّعاً، رغم حساسيّة موقفهم وصعوبة تقديراتهم. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept