نبض العراق

جدل بشأن إقرار الأمم المتّحدة بالتمييز ضدّ الإفروعراقيّين

p
بقلم
بإختصار
يبدو أن العراقيين المنحدرين من أصل أفريقي يحققون تقدما ، وإن كان بطيئاً ، ضد التمييز ، بمساعدة الأمم المتحدة.

ألقت الملاحظات الختاميّة للجنة القضاء على التمييز العنصريّ في الأمم المتّحدة بشأن التقرير الجامع للتقارير الدوريّة من 22-25 المقدّم من العراق، جدلاً بشأن حقوق الإفروعراقيّين، وألقت الضوء على التهميش الذي يواجه أفراد هذه الأقليّة المنسيّة، لا سيّما بعد سنوات من اغتيال جلال ذياب أبرز زعمائها في البصرة خلال عام 2013.

وكان جلال ذياب علّق صورتيّ مارتن لوثر كنغ وباراك أوباما على حائط مدرسته لتعليم فقراء الإفروعراقييّن في عشوائيّات الفقراء بمنطقة الزبير في البصرة، وكانت الصورتان تشيران إلى صحوة هويّة غير متوقّعة في مناطق هذه الأقليّة المنسيّة في المحافظة الغنيّة بالنفط، والتي شهدت احتجاجات شعبيّة خلال السنوات الماضية.

وبقوّة إلهام هذه الأيقونة، استيقظ صوت هذه الأقليّة ليصل إلى المطالبة بإنهاء التمييز العنصريّ ضدّ أفرادها وبالكوتا إسوة ببقيّة الأقليّات الأخرى. ولذا، قد تكون ملاحظات لجنة القضاء على التمييز العنصريّ تتويجاً لنضال ذياب، الشخصيّة التي فقدت حياتها في سياق مطالبتها بهذه الحقوق، واستحقّت لقب "مارتن لوثر كنغ العراق".

وكانت لجنة التمييز العنصريّ قد عبّرت في ملاحظاتها عن قلقها "إزاء استمرار التمييز العنصريّ الهيكليّ والتهميش والوصم ضدّ السكّان المنحدرين من أصل إفريقيّ، الأمر الذي يمنعهم من التمتّع الكامل بحقوقهم بموجب الاتفاقيّة"، لا سيّما أنّهم "يتأثّرون بشكل غير متناسب بالفقر والاستبعاد الاجتماعيّ، ويواجهون التمييز في التمتّع بحقوقهم بالعيش اللاّئق والتعليم والصحّة والسكن والعمل".

وأوصت اللجنة الدولة العراقيّة بـ"مضاعفة جهودها لمكافحة بفعاليّة التمييز العنصريّ البنيويّ والوصم والتهميش ضدّ السكّان المنحدرين من أصل إفريقيّ، بما في ذلك اتخاذ تدابير خاصّة للحدّ من الفقر والاستبعاد الاجتماعيّ للسكّان المنحدرين من أصل إفريقيّ وزيادة حصولهم على ظروف معيشيّة ملائمة والتعليم والصحّة والسكن والعمل".[3]

وفي أوّل ردّ فعل رسميّ من قبل مفوضيّة حقوق الإنسان العراقيّة على هذه الملاحظات، أشار موقع المفوضيّة الإلكترونيّ إلى أنّ عضو المفوضيّة العليا لحقوق الإنسان علي أكرم البياتي قد أعلن عن صدور أوّل وثيقة دوليّة تتضمّن اعتراف الأمم المتّحدة بـ"حقوق السود في العراق"، في التمثيل السياسيّ والتعيينات وأمور أخرى، وتحثّ الحكومة العراقيّة على مكافحة التمييز العنصريّ ضدّهم، وقال: "إنّ الدكتور البياتي عدّ هذه الوثيقة نصراً إنسانيّاً وتتويجاً لجهود المفوضيّة، التي بذلتها من أجل الوصول إلى هذه النتيجة المشرفة، والتي ستكون بمثابة انطلاقة رائدة في هذا المجال".

وعند العودة إلى وثيقة الملاحظات، نلاحظ أنّها لم تتضمّن أوصافاً مثل (السود في العراق) أو (ذوي البشرة السمراء) لوصف الإفروعراقييّن، بل نصّت على تسمية ذوي الأصول الإفريقيّة، الأمر الذي يبيّن أنّ تسمية هذه الأقليّة ما زالت محطّ جدل داخل العراق، إلى حدّ عدم الاتّفاق على تسمية موحّدة تطلق عليها حتّى الآن. وفي الواقع، يفضّل الإفروعراقيّون أن يطلق عليهم تسمية ذوي البشرة السمراء، وهي تسمية ذاتيّة محبّبة لديهم، تجنّباً لاستخدام الناس تسمية "السود" التمييزيّة أو التسمية المؤلمة "عبيد". وهذه الأخيرة هي تسمية سائدة على المستوى الشعبيّ، بسبب جذور أفراد هذه الأقليّة الإفريقيّة وتاريخ الاستعباد الذي تعرّضوا إليه خلال قرون متواصلة.

ينحدر الإفروعراقيّون من أصول عرقيّة إفريقيّة متعدّدة، فهناك من هم من أصل نوبيّ (من النوبة في مصر) وزنجباريّ (من زنجبار، وهي جزيرة في البحر العربيّ مقابل اليمن)، ومنهم من غانا، وبعضهم تعود أصولهم إلى إثيوبيا. أمّا الخبيرة في التراث الشعبيّ للإفروعراقيّين ثورة يوسف فاستدلّت على أصلهم بالطقوس الشعبيّة التي يمارسونها منذ قرون في أماكن خاصّة يطلقون عليها تسمية "المكايد"، وفي مناطق محدّدة من محافظة البصرة، منها قضاء الزبير وقضاء أبي الخصيب ومناطق أخرى.

وأكّدت ثورة يوسف في حديث لـ"المونيتور" أنّ هذه الطقوس مختلفة، منها طقس النوبان (ورد من إفريقيا من النوبة في جنوب مصر)، وطقوس الحبوش (وردت من الحبشة أيّ إثيوبيا حاليّاً)، وهناك طقوس أخرى تعود إلى كينيا، وتحديداً المنطقة الساحليّة منها، إذ تعود هذه الطقوس في جذورها إلى قبائل البمباسا. وكان ورود كلّ هذه الطقوس عن طريق تجارة الرقيق في عصر الدولة العباسيّ الأوّل، أيّ بين 750- 785م. وبعد استقرار هؤلاء الأرقّاء في البصرة، بدأوا بتكوين مجتمعهم الصغير وممارسة طقوسهم التي ظلّت سلوتهم في الغربة.

وإذ دعت يوسف الحكومة العراقيّة إلى مزيد من الاهتمام بطقوس الإفروعراقيّين وتراثهم الشفاهيّ المتناقل، شدّد ناشطون إفروعراقيّون على حقوق أخرى ذات طابع سياسيّ.

وفي هذا السياق، عوّل نائب رئيس جمعيّة "أنصار الحريّة الإنسانيّة" عمّار جاسم، وهي من أبرز الجمعيّات التي تمثّل الإفروعراقيّين في البصرة، على توصيات اللجنة الدوليّة المقدّمة إلى الحكومة العراقيّة، إذ أنّها بحسب رأيه تمثّل باباً "لترسيخ المطالبات التي ندعو إليها منذ سنوات لتحسين تمثيلنا السياسيّ ولمنحنا الكوتا إسوة ببقيّة الأقليّات ولإنهاء التمييز العنصريّ ضدّنا من خلال إصدار قانون يجرّم هذا التمييز".

وكان قد سبق لعمّار جاسم الترشّح لانتخابات مجالس المحافظات ممثلاً عن الإفروعراقيّين في البصرة، بدعم وتأييد من ذياب خلال عام 2013، إلاّ أنّ اغتيال الأخير في ذلك العام دفعه إلى التراجع عن خطوته تلك ومغادرة البصرة موقّتاً خوفاً على حياته، لا سيّما أنّه كان داخل سيّارة الراحل أثناء عمليّة الاغتيال. كما كان شاهداً على ما وصفه بـ"اغتيال حلم الإفروعراقيّين بالمساواة وإنهاء التمييز".

وبعد سنوات من إعلان ذياب حركة الدفاع عن حقوق الإفروعراقيّين خلال قيادته جمعيّة "أنصار الحريّة الإنسانيّة" لكي تصبح أوّل إطار سياسيّ في الشرق الأوسط يعبّر عن تطلّعاتهم، قد تكون ملاحظات لجنة القضاء على التمييز العنصريّ وتوصياتها للحكومة العراقيّة فرصة لنيل الإفروعراقيّين العدالة بعد قرون طويلة من التمييز وعدم المساواة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أكاديمي وخبير في شؤون التنوع الديني في العراق وهو استاذ مساعد في كلية العلوم السياسية الجامعة المستنصرية في بغداد ومن مؤسسي المجلس العراقي لحوار الأديان وقد حاز على جائزة ستيفانوس للحريات الدينية لعام 2018 ومن ابرز مؤلفاته اقليات العراق ما بعد داعش 2017 الايزيديون في العراق 2016 الوحدة في التنوع 2015 المسيحيون في العراق 2014 والاقليات في العراق 2013.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept