نبض فلسطين

شركة إسرائيليّة تستعدّ لفتح مصنع في غزّة

p
بقلم
بإختصار
أعلنت شركة "صودا ستريم" الإسرائيليّة للمشروبات الغازيّة أنّها تعتزم إنشاء مصنع لها في غزّة، عبر مقاول ثانويّ، لأنّ لها تجربة في تشغيل العمّال العرب بالضفّة الغربيّة وإسرائيل، وتريد نقل النموذج إلى غزّة... السطور الآتية تناقش هذه التجربة الإسرائيليّة غير المسبوقة في غزّة، وهل إقامة فرع لها في غزّة مبادرة اقتصاديّة من الشركة، أم بتوصية من الحكومة الإسرائيليّة ضمن جهود التهدئة مع "حماس"؟ وكيف ستتعامل وزارات غزّة مع الشركة؟ وهل تشجّع الشركة شركات أخرى على إقامة فروع لها في القطاع؟

أعلن مدير شركة المشروبات الغازيّة الإسرائيليّة "صودا ستريم" نيل بارنبويم خلال مشاركته في مؤتمر اقتصاديّ بإسرائيل، في 20 كانون الأوّل/ديسمبر أنّ "الشركة في صدد افتتاح مصنع بقطاع غزّة، من أجل خلق أماكن عمل لسكّانه، لأنّها تؤمن بأنّ الرفاهية شرط أساسيّ لتحقيق السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين".

تحوّلت شركة "صودا ستريم" من مجرّد مصّنع بسيط للمياه الغازيّة إلى عملاق قيمته 3.2 مليار دولار. وفي الربع الثاني من عام 2018، قفزت أرباحها بنسبة 31 في المئة إلى 171 مليون دولار، وارتفع دخلها الصافي بنسبة 82 في المئة، وباتت من روّاد صناعة الصودا في العالم، تسوّق منتجاتها في 41 دولة كالولايات المتّحدة الأميركيّة وكندا وأوروبا.

تنشط الشركات الإسرائيليّة في السوق الفلسطينيّة، خصوصاً في الضفّة الغربيّة، بسبب الاحتكاك الدائم بين الجانبين، لكنّ الحديث الإسرائيليّ عن افتتاح مصنع في غزّة، حيث تسيطر "حماس"، يكتسب أهميّة خاصّة، بسبب العلاقات المشتعلة بين "حماس" وإسرائيل، الأمر الذي يفسح المجال للحديث عن دلالات سياسيّة لهذا المشروع الاقتصاديّ.

وأبلغ "المونيتور" مسؤول في الشركة، أخفى هويّته، أنّ "فتح مصنع في غزّة، والذي لم يحدّد موعده بعد، يشكّل جسراً لتواصل الشعبين، الإسرائيليّ والفلسطينيّ، فالجمع بين العمّال اليهود والفلسطينيّين هو جزء من الحمض النوويّ للشركة. يهمّنا تنويع عمّالنا لإعطاء أمل للناس في غزّة، فتجربتنا مشجّعة بتشغيل عمّال عرب ويهود وفلسطينيّين من الضفّة الغربيّة، وتدفعنا إلى نقل النموذج إلى غزّة".

ويأتي الإعلان الإسرائيليّ عن قرب افتتاح مصنع للمشروبات الغازيّة في غزّة، فيما يحتضن القطاع 5 شركات ومصانع مختصّة بذلك، مثل مجموعة "اليازجي" لتعبئة المشروبات الخفيفة، "شركة فلسطين للصناعات الغذائيّة"، وشركة "مكّة كولا"، وهي تعمل بثلث إنتاجها، نظراً لإغراق السوق المحليّة بإنتاج خارجيّ.

وقال مدير التخطيط والسياسات في وزارة الاقتصاد بغزّة أسامة نوفل لـ"المونيتور": "إنّ نجاح المصنع الإسرائيليّ في غزّة مشكوك فيه، فإصدارنا تصاريح لمصانع إسرائيليّة صعب، والوزارة لديها خطّة لفرض رسوم حماية على السلع الخارجيّة التي لها بدائل محليّة. أظنّ أنّ الإعلان الإسرائيليّ عن افتتاح المصنع له بعد سياسيّ أكثر من اقتصاديّ، لأنّه يتزامن مع موافقة إسرائيل أخيراً على إدخال تحسينات اقتصاديّة معيشيّة إلى غزّة".

ويأتي الحديث عن فتح المصنع الإسرائيليّ مع معاناة تواجهها الشركات الفلسطينيّة للمشروبات الغازيّة في غزّة، وهي تسعى إلى المحافظة على منتجاتها في الأسواق المحليّة، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، ووجود منتجات منافسة في السعر، والقيود الإسرائيليّة على إدخال مادّة الصودا، المكوّن الأساسيّ لعمل المشروبات الغازيّة، وأزمة الطاقة الكهربائيّة، وعدم التصدير إلى الخارج، وارتفاع أسعار الموادّ الخامّ، وصغر مساحة السوق المحليّة في غزّة، الأمر الذي يجعل مصاريف تكلفة الإنتاج عالية جدّاً.

من جهته، قال مدير العلاقات العامّة في الغرفة التجاريّة بغزّة ماهر الطبّاع لـ"المونيتور": "إنّ غزّة مكتفية ذاتيّاً من المشروبات الغازيّة، فثمنها أقلّ على المستهلك، والفلسطينيّون لا يرغبون في المنتج الإسرائيليّ، ولكن إن دفع المصنع الإسرائيليّ الرسوم اللاّزمة للحكومة في غزّة، وقيمتها أعلى من المصانع المحليّة، فستتمّ الموافقة على إقامته، وهذه الرسوم تفيد حكومة غزّة بتوفير نفقاتها التشغيليّة".

وبعد استلام السلطة الفلسطينيّة معابر غزّة منذ تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2017، بموجب اتفاق المصالحة بين "فتح" و"حماس"، دخلت مشروبات غازيّة مصريّة وإسرائيليّة، وتمّ إغراق السوق الغزيّة بها، بحيث باتت المنافسة غير مشروعة مع المنتج المحليّ، الأمر الذي أثّر سلباً على المصانع المحليّة التي اضطرّت إلى تسريح مئات العمّال وتقليص ساعات العمل، وهذا ما أكّده تجّار في غزّة التقاهم "المونيتور"، وهم ممّن يوزّعون المشروبات الغازيّة على البقالات.

وقال مدير مجموعة "اليازجي" للمشروبات الخفيفة في غزّة محمود اليازجي لـ"المونيتور": "إنّ المشروبات الإسرائيليّة تدخل غزّة من دون ضوابط، فنحن تضرّرنا كثيراً من حصار غزّة وضرائب السلطة الفلسطينيّة وحكومة غزّة. وفيما كانت تتراوح مبيعاتنا قبل الحصار سنويّاً بين 80 و90 مليون شيكل، تقتصر اليوم على 20 مليون شيكل".

وفي تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2014، أغلقت شركة "صودا ستريم" مصنعها الرئيسيّ في الضفّة الغربيّة، عقب دعوات حركة المقاطعة BDS، لأنّها تقيم مصنعها على أراض فلسطينيّة محتلّة. ولذلك، فإنّ إقامة المصنع الإسرائيليّ المذكور في غزّة، قد يثير احتجاجات نشطاء المقاطعة، الذين يدعون إلى منع العمل في مصانع إسرائيليّة، ويرفضون إقامتها في الأراضي الفلسطينيّة. وأشار عمّال فلسطينيّون في الشركة إلى أنّهم يتقاضون أجوراً أقلّ بكثير من الإسرائيليّين.

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزّة معين رجب لــ"المونيتور": "إنّ فتح مصنع إسرائيليّ في غزّة له 3 زوايا: السماح بدخول أيّ شركة إلى غزّة أيّاً كانت جنسيّتها، الخوف على المنتج المحليّ من المنافسة يتطلّب من حكومة غزّة رفع ثمن المنتج الإسرائيليّ أعلى من المحليّ. كما أنّ رفع الضريبة على تراخيص المصنع الإسرائيليّ يحقّق لحكومة غزّة إيرادات تخفّف أزمتها الماليّة".

شهدت غزّة أنشطة اقتصاديّة فلسطينيّة - إسرائيليّة مشتركة عبر البوّابة التكنولوجيّة، حيث يتعاقد مهندسون وتقنيّون مع شركات إسرائيليّة، من دون أن تمارس عليهم ضغوطاً من "حماس"، لأنّ الأمر يقتصر على فرص عمل تحدّ من نسبة البطالة الكبيرة في غزّة، التي بلغت في الربع الأوّل من عام 2018 ما نسبته 49.1 في المئة، مقابل 18.3 في المئة بالضفّة الغربيّة.

من جهته، أشار مدير مؤسّسة "بال ثينك للدراسات الاستراتيجيّة" في غزّة عمر شعبان خلال حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "افتتاح المصنع الإسرائيليّ في غزّة رسائله سياسيّة، ويصعب أن يحدث من دون موافقة سياسيّة إسرائيليّة، رغبة في تهدئة الموقف الأمنيّ بغزّة. إنّ حماس لن تعارض افتتاح المصنع، وستنظر إليه كشركة دوليّة وليس إسرائيليّة، وهو موقف جيّد".

وأخيراً، سيكون لافتتاح المصنع الإسرائيليّ في غزّة مؤيّدون ومعارضون، كلّ واحد لاعتباراته الخاصّة، فبينما سيشعر العمّال العاطلون بأنّه فرصة للعثور على فرصة عمل طال البحث عنها، الأمر الذي قد يشجّع مصانع إسرائيليّة أخرى ترى في غزّة سوقاً استهلاكيّة للمنتجات، فإنّ المصانع الفلسطينيّة للمشروبات الغازيّة ستعتبره عبئاً جديداً عليها، يحاربها في لقمة عيشها، وقد يجد إقبالاً من المستهلك الفلسطينيّ، لكنّ الأمر كلّه سيبقى مرهوناً بمدى استقرار التهدئة الأمنيّة في غزّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept