نبض سوريا

لماذا تحتاج سوريا إلى شبه جزيرة القرم؟

p
بقلم
بإختصار
في ضوء الحديث عن بدء مرحلة إعادة الإعمار في سورية والعمل على جذب الشركات والمانحين الأصدقاء للحكومة، ثمّة تقارب ملحوظ بين دمشق وشبه جزيرة القرم، حيث يحاول النظام تمتين علاقاته سياسيّاً، آملاً في مكاسب اقتصاديّة تخفّف العزلة الدوليّة ووطأة العقوبات.

 في 9 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، قال نائب رئيس اللجنة التنظيميّة لمنتدى يالطا الاقتصاديّ أندريه نازاروف: إنّ وفداً سوريّاً سيشارك بصفة فخريّة في فعاليّات المنتدى، الذي تدعمه مباشرة الرئاسة الروسيّة بين 17 و20 نيسان/إبريل من عام 2019 في شبه جزيرة القرم.

لم يكن منح هذه الدعوة إلى سوريا للمشاركة في المنتدى المزمع عقده، بمثابة المؤشّر الأول على تنامي العلاقات بين الجانبين، لأنّ في نيسان/إبريل الماضي زار للمرّة الأولى وفد اقتصاديّ سوريّ يضمّ 80 شخصيّة من رجال أعمال وممثّلين عن مؤسّسات حكوميّة سوريّة برئاسة وزير الاقتصاد سامر الخليل، القرم، للمشاركة في منتدى يالطا الاقتصاديّ الرابع. وخلال المنتدى، تمّ توقيع اتفاقيّة توأمة بين مدينتيّ اللاذقيّة السوريّة ويالطا القرميّة.

منتدى يالطا الاقتصادي، ينعقد في مدينة يالطا في شبه جزيرة القرم بتنظيم من الحكومة المحلية، وصندوق منتدى يالطا الاقتصادي، وبدعم مباشر من رئاسة روسيا، ويناقش قضايا اقتصادية وتجارية، والعام القادم ستعقد الدورة الخامسة من المنتدى. وشاركت حكومة سورية في دورته الرابعة نيسان/ أبريل الماضي بشكل واسع، وفق رئيس اللجنة التنظيمية للمنتدى أندريه نازاروف.

وأشارت الزيارات وأنشطة الأعمال المتبادلة إلى مرحلة جديدة من التعاون، والتي أشعلها الحظر الاقتصاديّ والعقوبات الغربيّة لأسباب سياسيّة وعسكريّة على كلّ من القرم وسوريا، ودفع هذا بعلاقات الطرفين ليتمّ بحثها على مستويات عليا، أملاً في إيجاد حلول عمليّة والتغلّب على تبعات المقاطعة الدوليّة.

تسعى الحكومة السورية وشبة جزيرة القرم إلى تعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية بكافة جوانبها وتشجيع الاستثمارات المتبادلة.

وفي 15 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018، وصل رئيس القرم سيرجي أكسيونوف إلى دمشق برفقة وفد اقتصاديّ، وأكّد على هامش مؤتمر أقيم في دمشق بعنوان "القرم قاعدة لنموّ العلاقات الروسيّة - السوريّة" أنّ الظروف التي تعيشها سوريا والقرم تشكّل قاعدة لإقامة علاقات جيّدة وتنميتها، وقال: "لقد قمنا بأعمال جاءت بنتائج جيّدة، ووجدنا حلولاً للعديد من المشكلات"، وفق صحيفة "الوطن" المحليّة.

وكانت رئيسة مجلس الشعب السوريّ هديّة عبّاس أعلنت لوكالة "سبوتنيك" اعتراف سوريا بشرعيّة استفتاء سكّان القرم في 16 آذار/مارس من عام 2014 والانضمام إلى روسيا الاتحاديّة. وبذلك، مهدّت الطريق سياسيّاً لعلاقات اقتصاديّة أقوى.

على خلفية الثورة الأوكرانية العام 2014 أعلنت روسيا عن تدخلها في شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا عسكرياً ودعمت الموالين لها في شبه الجزيرة ثم ضمتها إلى أراضيها، وأجري استفتاء في آذار/مارس 2014 أظهرت نتائجه تأييد السكان الانضمام إلى روسيا بنسبة 96%. لكن ضم القرم إلى روسيا خلق توتراً على الساحة الدولية بين الغرب وروسيا، ولم يحظى الضم باعتراف الولايات المتحدة التي فرضت عقوبات على روسيا شملت حظر سفر وتجميد أصول أفراد ومؤسسات روسية. في حين منع الاتحاد الأوروبي الشركات والأفراد من الاستثمار في القرم ومنع تصدير البضائع الأوروبية إليها ولا تزلال عقوبات سارية حتى اليوم.

من جهته، أكّد المتخصّص في شؤون الجمهوريّات السوفياتيّة السابقة الباحث طه عبد الواحد من موسكو في حديث لـ"المونيتور" أنّ النظام السوريّ لن يحصل على أيّ امتيازات من انفتاحه على حكومة شبه جزيرة القرم بعد ضمّها إلى روسيا، لافتاً إلى أنّ اعترافه بتبعيّتها لروسيا بمثابة "تملّق سياسيّ" للكرملين.

أشار عبد الواحد إلى أن "هناك عملية إعادة بناء للحياة في القرم ضمن روسيا، لذلك تم توجيهها نحو سورية لبحث ما يمكن أن تحصل عليه من صفقات يعود دخلها على الميزانية المحلية".

في البحث عن العوامل التي تدفع بسورية إلى التقارب من القرم مع استمرار العقوبات على النظام السوريّ، ثمّة أسباب للتقارب الذي يعتبر بمثابة فائدة مشتركة، وبالتحديد للجانب السوريّ الباحث عن جدوى اقتصاديّة قد تنتج من أيّ عمليّة تقارب سياسيّ، خصوصاً بعد اعتراف سوريا بالقرم روسيّة. وبالتالي، يضمن استمراريّة شريان الحركة الاقتصاديّة.

تعتبر القرم إحدى أهمّ الجهات التي تورّد القمح إلى سوريا التي تعدّ ثاني أكبر مشتري. وبتمتين العلاقة مع القرم، إنّما يضمن النظام استمرار تدفّق القمح، بعد أن تضرّرت زراعته بشدّة خلال الحرب. لقد شحنت القرم إلى المرافئ السوريّة بين منتصف عام 2017 حتّى أيّار/مايو الجاري 170 ألف طنّ، وفق ما تحدّثت عنه "رويترز" في 21 حزيران/يونيو الماضي.

ويؤشّر هذا إلى ضخامة حجم الواردات من القمح، الذي يعتبر محصولاً استراتيجيّاً، وتوفّره كمخزون احتياطيّ بمثابة أمن قوميّ، بعدما تراجع إنتاج سوريا من القمح من 4 ملايين طنّ سنويّاً قبل عام 2011 إلى حوالى مليون بحلول عام 2018، وهو ما دفع بمنظّمة الأغذية والزراعة للأم المتّحدة "الفاو" إلى القول: محصول القمح في سوريا هذا العام كان الأدنى في 30 عاماً، حيث انخفض حوالى 30 بالمئة بفعل الحرب والجفاف، وفق "رويترز".

ليس القمح وحده ما يجعل العلاقات تتقارب أكثر فأكثر، بل يتمّ الحديث الآن عن نيّة لتوسيع دائرة التعاون عبر مشاريع استراتيجيّة مشتركة كتأسيس شركة ملاحة مشتركة وخطّ بحريّ بين موانىء البلدين وتفعيل التعاون السياحيّ وتأسيس مركز تجاريّ مشترك (البيت السوريّ - القرميّ)، وتفعيل التبادل التجاريّ بحيث تصبح القرم بوّابة للمنتجات السوريّة الداخلة إلى روسيا، وعلى رأسها الحمضيّات.

هذه المشاريع جرت مناقشتها وإمكانية إطلاقها خلال زيارة الرئيس القرمي إلى دمشق في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لكن الجانبان اتفقا على تأسيس البيت التجاري المشترك في القرم، وعلى تاسيس شركة شحن مشتركة للنقل البحري بين الطرفين. بعد أن مهد لذلك اتفاقية تعاون تم توقيعها في منتدى يالطا الرابع في نيسان/أبريل 2018.

في وقت قد تكون للتقارب السوريّ من القرم تبعات عكسيّة على النظام السوريّ بالتحديد، بحيث يزيد من تعقيد وضعه دوليّاً، نظراً للعقوبات التي فرضها الغرب ضدّ روسيا على خلفيّة ضمّها شبه الجزيرة، وتشمل تلك العقوبات أيّ شركة روسيّة أو أجنبيّة تتعاون مع حكومة القرم أو تنفّذ مشاريع هناك.

بيد أنّ الجانب السوريّ رأى في علاقاته مع القرم فرصة للتقدّم إلى الأمام. وقال رجل الأعمال السوريّ وأمين السرّ في اتّحاد غرف التجارة السوريّة محمّد حمشو في تصريح نقلته صحيفة "الوطن" بـ16 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي: "إنّ مجالات التعاون بين بلدينا أكثر من كبيرة سواء أكان في المجال الاستثماريّ أم التجارة الخارجيّة استيراداً وتصديراً، إضافة إلى إقامة المعارض المشتركة وتبادل وفود الأعمال والمشاركة في عمليّة الإعمار...".

ورأى رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها ورجل الأعمال سامر الدبس أنّ لدى القرم مجالات واسعة في صناعات الهندسة الكيميائيّة والميكانيكيّة والمعدنيّة، إضافة إلى الصناعات الغذائيّة والمياه المعدنيّة والنفط والغاز.

وفي جانب مواز، تعدّ شركات موادّ البناء في شبه جزيرة القرم نفسها للمشاركة في إعادة إعمار سوريا وتزويد السوق السوريّة بمنتجاتها، بالاستفادة من سعي الحكومة السوريّة إلى الانفتاح على أسواق جديدة مجاورة وإقليميّة، مستفيدة من إعادة بسط السيطرة، وآخرها فتح معبر نصيب مع الأردن في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي.

وشكّك طه عبد الواحد في انخراط القرم بعمليّة إعادة الإعمار، وقال: "إنّها (القرم) ستكون قادرة على تنفيذ مشاريع محدّدة في مجالات من الاقتصاد السوريّ، التي باتت تحت سيطرة الروس، إلاّ أنّ تلك المشاركة ممكنة فقط مع بقاء الوضع السوريّ على حاله، ومن دون تقدّم في التسوية السياسيّة على المسار الدوليّ، ولا تقدّم في مساهمة المجتمع الدوليّ في إعادة إعمار سوريا".

وبسبب العقوبات الدوليّة، فإنّ الشركات القرميّة غير قادرة على المشاركة في إعادة الإعمار، وإن شاركت فإنّ هذا الأمر سيعرّض النظام السوريّ إلى مزيد من العقوبات الدوليّة، وقال عبد الواحد: "ناهيك عن أنّ مشاركة شركات القرم ستلغي إمكانيّة مشاركة المجتمع الدوليّ في إعادة الإعمار، لأنّ الغرب يقف بحزم حيال كلّ المسائل المتّصلة بالأزمة الأوكرانيّة وتداعياتها، وبصورة خاصّة ضمّ القرم لروسيا".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

محمد بسيكي صحافي وباحث سوري، مهتم بتحليل السياسات في الشرق الأوسط، متخصص بالاقتصاد ومدرب في مجال الصحافة الاستقصائية، مؤسس ورئيس تحرير وحدة التحقيقات السورية – سراج، مدير تحرير سابق لمجموعة مواقع الاقتصادي.كوم، يكتب تقارير وتحقيقات استقصائية نشرت في وسائل إعلام عربية وعالمية حول الصراع السوري وتأثيره، يغطي حول سوريا واقتصاد الحرب والفساد، والانتهاكات ضد المدنيين والهجرة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept