أقدم زيتونة في فلسطين تبحث عن تاريخ ميلادها

على الرغم من أنّ عمرها يقدّر بين 4 و5 آلاف عام، إلّا أنّ زيتونة البدوي تنتظر شهادة ميلادها الرسميّة التي تحدّد عمرها بدقّة، وقد تتوّجها كأقدم شجرة زيتون في العالم.

al-monitor .

نوف 19, 2018

رام الله، الضفّة الغربيّة — في كلّ عام من موسم قطف الزيتون في فلسطين، والذي بدأ هذا العام في 12 تشرين الأوّل/أكتوبر، يبدأ الفلسطينيّون بتناقل الحكايات الشعبية المرتبطة بشجرة البدوي في قرية الولجة في جنوب غرب مدينة القدس، والتي تعتبر أقدم شجرة زيتون في فلسطين.

وعلى الرغم من عدم توافر معلومة علميّة دقيقة حول عمر الشجرة، إلّا أنّ تقديرات صاحب الشجرة ووزارة الزراعة الفلسطينيّة حول عمرها هي أنّه يتراوح بين 4 و5 آلاف عام، ممّا يجعلها أقدم شجرة زيتون في فلسطين، وربّما في العالم، لكنّ هذه المعلومة في حاجة إلى إثبات علميّ.

على ما يقارب 250 متراً مربّعاً، تتربّع زيتونة البدوي في قرية الولجة، ارتفاعها 12 متراً، وقطر جذعها 25 متراً، يحرسها صاحبها صلاح أبو علي، بتكليف من وزارة الزراعة، منذ عام 2009.

ويطلق أبو علي (45 عاماً) على الشجرة اسم "أمّ الزيتون" لقدمها، ويشبّهها بالملكة التي تجلس على العرش ويحيط بها الجنود لحراستها، في إشارة إلى أشجار الزيتون الصغيرة المحيطة بها.

ويرتبط اسم الشجرة حسب ما قال أبو علي لـ"المونيتور"، بأحد أئمّة مصر الصوفيّين، وهو أحمد البدوي، ويسمّيها البعض "شجرة سيّدنا أحمد البدوي"، ويقال إنّه قضى مدّة طويلة تحت الشجرة، فسمّيت باسمه.

في كلّ يوم بين الساعة الـ7 والـ8 صباحاً، يتوجّه أبو علي من منزله في قرية الولجة إلى الحقل الذي تتواجد فيه الشجرة، ويبعد عن منزله 500 متر لحراستها ورعايتها حتّى ساعات المساء، ويقول لـ"المونيتور": "أحبّ هذه الشجرة ومتعلّق بها كثيراً، وأصبحت جزءاً منّي ومن حياتي، وافتخر برعايتها، وتسميدها وتنظيف الأرض حولها، وأستقبل الضيوف الذين يزورونها من سيّاح وأجانب وطلّاب مدارس، وأعدّ القهوة لهم"، مضيفاً: "الشجرة أصبحت من أبرز معالم مدينة بيت لحم وفلسطين، وهي مقصد سياحيّ، وهي بالنسبة إليّ كنز حقيقيّ".

وكانت وزارة الزراعة قامت بتوظيف أبو علي لحراسة الشجرة براتب شهريّ قدره 1500 شيقل (410 دولارات)، وعلى الرغم من شكواه وتذمّره من الراتب المنخفض، إلّا أنّه لا يفكر في ترك هذه الوظيفة، لتعلّقه بالشجرة.

ويتذبذب إنتاج الزيتون في فلسطين من موسم إلى آخر حسب كمّيّة الأمطار التي تهطل سنويّاً، وهو الأمر الذي تتأثّر به شجرة البدوي، إذ يوضح أبو علي: "في أفضل المواسم، تنتج الشجرة ما يقارب الـ600 كغ من زيت الزيتون، لكن هذا العام أنتجت 250 كغ فقط".

وارتبطت الشجرة خلال العقود الماضية بالكثير من الحكايات الشعبيّة المتداولة بين السكّان، فقد ارتبطت بالطريقة الصوفيّة وأعضائها الذين كانوا يؤدّون شعائرهم وطقوسهم تحتها، كما كان أهالي البلدة يقيمون بعض مناسباتهم الاجتماعيّة في ظلالها قبل عام 1948، مثل تنفيذ النذور، أو الطهور لأطفالهم، أو طهي الطعام وتوزيعه على الفقراء، حسب أبو علي.

وأوضح أنّ من الحكايات الشعبيّة المرتبطة بالشجرة، أنّ السكّان كانوا يأخذون منها 7 ورقات لمنع الحسد، وأنّ زيتها يشفي الأمراض، ولذلك كان جميع السكّان يساهمون في قطف ثمار الزيتون، لكنّ ذلك الأمر يقتصر الآن على أبو علي فقط، وبعض الذين يختارهم لمساعدته خشية على الشجرة من التخريب.

وتحوّلت الشجرة إلى مزار سياحيّ، حسب أبو علي، حيث يقصدها الأهالي من محافظة بيت لحم ومحافظات الضفّة الغربيّة لقضاء الوقت وتناول طعامهم تحتها، إضافة إلى الوفود السياحيّة الأجنبيّة التي تزورها، وتنظيم بعض المهرجانات المحلّيّة والتراثيّة.

وتواجه زيتونة البدوي تحدّيات مصيريّة، أهمّها جفاف عين ماء قريب منها هي عين الجويزة، حيث يعود صمود شجرة الزيتون كلّ هذه السنوات إلى مياه العين، والتي جفّت بسبب حفر السلطات الإسرائيليّة آباراً ارتوازيّة عدّة في المنطقة، ممّا جعل المياه الجوفيّة تتدفّق إليها، كما قال الصحافيّ والباحث والروائيّ أسامة العيسة من محافظة بيت لحم لـ"المونيتور".

وأوضح العيسة أنّ "عين ماء الجويزة شكّلت الرافد الأساسيّ لغذاء الشجرة ونموّها، وهي مرتبطة بنفق أثريّ معروف منذ القرن التاسع عشر، قريب منها، يعتبر من أكبر أنفاق عيون الماء في ريف فلسطين، ويصل طوله إلى 220 متراً، ويقدّر عمره بـ3 آلاف عام".

ومن التحدّيات المحدقة بالزيتونة الجدار الإسرائيليّ الفاصل الذي يشكّل تهديداً للشجرة، حسب العيسة، خصوصاً أنّ الشارع الاستيطانيّ لا يبعد عنها سوى بضعة أمتار.

وتولي وزارة الزراعة الفلسطينيّة شجرة البدوي اهتماماً، خصوصاً من خلال دراسة مشروع لاستقدام فريق من الخبراء الدوليّين المعتمدين لإجراء البحوث والتحاليل المطلوبة لتحديد عمر الشجرة الحقيقيّ، وفق ما قال مدير دائرة الزيتون في وزارة الزراعة رامز عبيد لـ"المونيتور".

وأضاف: "زيتونة البدوي من أقدم أشجار الزيتون في فلسطين، لكن لا توجد لدينا معلومة دقيقة حول عمرها، ولم يتمّ إجراء بحث علميّ رسميّ حول ذلك، لكنّ التقديرات تشير إلى أن عمرها يتراوح بين 4 و5 آلاف عام، ممّا يجعلها أقدم أشجار العالم، وهي من الصنف النباليّ البلديّ".

وأضاف عبيد: "نحاول توفير التمويل اللازم لتنفيذ مشروع معرفة العمر الحقيقيّ للشجرة، خصوصاً أنّ هذا المشروع سيستغرق فترة زمنيّة طويلة، لأنّ الزيتونة على قيد الحياة وخلاياها متجدّدة، وبالتالي فإنّ طريقة معرفة عمرها يختلف عن معرفة عمر الأشياء المتحجّرة".

وضمن الجهود الرسميّة، تعمل وزارة الثقافة الفلسطينيّة منذ قرابة العام، بالتعاون مع وزارة الزراعة، على إعداد ملفّ حول تراث شجرة الزيتون، لتقديمه إلى منظمّة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة الـ"يونسكو"، تمهيداً لتسجيله على قائمة التراث العالميّ غير الماديّ.

وقالت مديرة السجلّ الوطنيّ للتراث في وزارة الثقافة أماني الجنيدي لـ"المونيتور" إنّ الملفّ الذي يجري إعداده لا يتعلّق بشجرة الزيتون كشجرة زراعيّة فقط، وإنّما بكلّ العادات والسلوكيّات الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والفنّيّة والشعبيّة المرتبطة بها، من خلال جمع شهادات المزارعين الذين يعملون في الزيتون، وكذلك النحّاتين على خشب الزيتون وتسجيل شهاداتهم وتوثيقها، والبحث في الأمثال الشعبيّة والأغاني والأهازيج التي تتغنّى بشجرة الزيتون.

ولفتت الجنيدي إلى أنّ الملفّ يعتمد في شكل أساسيّ على زيتونة البدوي في الولجة، كونها أقدم شجرة زيتون في فلسطين وربّما في العالم، موضحة أنّ شجرة الزيتون ارتبطت بالتاريخ الحضاريّ الفلسطينيّ، وهي جزء من المشهد والتاريخ الفلسطينيّين اللذين يتعرّضان إلى التهديد بفعل سياسات إسرائيل الاستيطانيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

حدّد ملامح الفنّ العالميّ... ونقل فلسطين بواقعها إلى العالم
عزيزة نوفل | فنون و ترفيه | ينا 30, 2020
مسيحيّو قطاع غزّة... محرومون من زيارة مهد المسيح في عيده
عزيزة نوفل | القضية الفلسطينية | ديس 27, 2019
فتح "الأراضي الوقفية" الفلسطينية أمام المستثمرين
أحمد أبو عامر | الزراعة | سبت 16, 2019
فنّانون أردنيّون ينشرون الموسيقى لإنقاذ جبل ثراثيّ من الاختناق
محمد عرسان | التراث الثقافي | سبت 13, 2019
بابل تنتظر قطف ثمار انضمامها إلى لائحة التراث العالميّ
عدنان أبو زيد | المواقع الأثرية | أغس 29, 2019

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020