نبض فلسطين

وساطة عمانيّة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين بعد فشل الآخرين

p
بقلم
بإختصار
تصدّرت سلطنة عمان في الأيّام الأخيرة عناوين الأخبار، حين استقبلت الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، تبعه رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، ثمّ أرسلت من طرفها مبعوثين إلى رام الله، الأمر الذي زاد من التكهّنات حول وجود وساطة عمانيّة للدفع بعمليّة السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين... السطور الآتية تناقش حقيقة الزيارات الإسرائيليّة والفلسطينيّة لعمان، وماذا حمل المبعوثون العمانيّون إلى رام الله؟ وماذا لدى عمان تقدّمه إلى الفلسطينيّين والإسرائيليّين أكثر من دول كبرى في المنطقة مثل السعوديّة ومصر؟ وهل تكون عمان جزءاً من تسويق صفقة القرن الأميركيّة؟

استقبل الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس برام الله في 31 تشرين الأوّل/أكتوبر وزير الخارجيّة العمانيّ يوسف بن علوي، وسلّمه رسالة من السلطان قابوس بن سعيد، حول عمليّة السلام في المنطقة.

ما زالت العلاقات الفلسطينيّة - الإسرائيليّة تشهد جموداً سياسيّاً، بعد توقّف مفاوضاتهما في نيسان/إبريل من عام 2014، عقب توقيع اتفاق المصالحة بين "فتح" و"حماس"، في الشهر ذاته، وتشكيلهما حكومة وحدة وطنية، حيث قررت إسرائيل فرض عقوبات ضد السلطة الفلسطينية كتجميد عائدات الضرائب، واتهام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعقد اتفاق مع حركة إرهابية، وهي حماس، ووقف أي مفاوضات سلام مع حكومة فلسطينية تضم حماس، رغم مواصلة التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية.

منذ ذلك الوقت، انهارت مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية برعاية أمريكية، ولم يجلس الجانبان على طاولة المفاوضات بعد اتساع الفجوة بينهما، لكنّ شهر تشرين الأوّل/أكتوبر شهد تحرّكات سياسيّة لافتة قام بها الفلسطينيّون والإسرائيليّون باتّجاه سلطنة عمان، من خلال زيارات الجانبين إليها، ووصول مبعوثين عمانيّين إلى الأراضي الفلسطينيّة.

وفي 28 تشرين الأوّل/أكتوبر، التقى محمود عبّاس في رام الله مع سالم بن حبيب العميري، وهو مبعوث السلطان قابوس، وسلّمه رسالة أكّدت تعزيز علاقاتهما.

وفي 26 تشرين الأوّل/أكتوبر، زار رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو عمان للبحث في عمليّة السلام، والتقى السلطان قابوس، بمرافقة رئيس الموسّاد يوسي كوهين ومستشار الأمن القوميّ مائير بن شبات، وغيرهما، تبعه زيارة إعلاميّين إسرائيليّين لمسقط في 31 تشرين الأوّل/أكتوبر بهدف أخذ رأي مواطنيها بالعلاقة مع إسرائيل.

وكان عبّاس زار عمان في 22 تشرين الأوّل/ أكتوبر، واستقبله السلطان قابوس، وبحثا في التعاون بمختلف المجالات، بما يخدم مصالح الشعبين، ورافقه جبريل الرجوب أمين سر اللجنة المركزية لفتح، واللواء ماجـد فـــرج رئيس جهاز المخابرات العامـة.

وفي 13 أيلول/سبتمبر، استقبل يوسف بن علوي، أمين سرّ اللجنة المركزيّة لـ"فتح" اللواء جبريل الرجوب، الذي نقل رسالة شفهيّة من عبّاس تتعلّق بالشأن الفلسطينيّ.

وفي هذا الإطار، قال الرئيس السابق لجمعيّة الصحفيّين العُمانيّة المقرّب من دوائر القرار في السلطنة عوض بن سعيد باقوير لـ"المونيتور": "إنّ الحراك السياسيّ الجاري باتّجاه السلطنة من قبل الفلسطينيّين والإسرائيليّين يأتي بطلب منهم، لأنّهم يحتاجون إلى وسيط شفّاف يضع أفكاراً لهم للعودة إلى طاولة المفاوضات. حتّى الآن، ليست لدى السلطنة خطّة متكاملة باستثناء أفكار مبدئيّة وطروحات أوليّة. ورغم إدراكنا أنّ القضيّة الفلسطينيّة شائكة وصعبة، لكنّ جهودنا مع الولايات المتّحدة كفيلة بتفكيك الجمود القائم".

ورغم عدم توافر أرقام دقيقة عن الدعم الماليّ العمانيّ للفلسطينيّين، لكنّ علاقاتهما متنامية وتخلّلتها استضافة لكبار المسؤولين. وفي السنوات الأخيرة، تمّ توقيع اتفاقيّات في مجالات الثقافة والإعلام والاقتصاد والزراعة والثروة السمكيّة، وتشكيل لجان للتشاور السياسيّ والتعاون الاقتصاديّ.

تعلم إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة أنّ عمان لديها خبرة تفاوضيّة بملفّات كبرى كالاتفاق النوويّ الإيرانيّ وحرب اليمن والأزمة الخليجيّة، الأمر الذي يجعلها في نظرهما وسيطاً محايداً، رغم أنّها تعمل في الخفاء وبعيداً عن الأضواء، وتأتي استضافتها للخصمين، بنيامين نتنياهو وعبّاس، دليلاً على نجاح ديبلوماسيّتها الهادئة.

من جهته، قال وزير التخطيط الفلسطينيّ السابق في رام الله غسّان الخطيب في حديث لـ"المونيتور": "لا أعتقد بوجود فرصة نجاح أمام مساعي عمان، فالفجوة كبيرة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، وإسرائيل لا ترى أنّها مطالبة بتقديم تنازلات إلى الفلسطينيّين لتطوير علاقاتها العربيّة، وربّما لجأت الولايات المتّحدة إلى استخدام الدور العمانيّ، نظراً لعلاقة مسقط الوثيقة مع رام الله وتلّ أبيب، لكنّ آفاق نجاح وساطتها منخفضة جدّاً، والسلطة الفلسطينيّة تعلم ذلك، لكن يصعب عليها رفض مساعي السلطنة، لأنّها قد تخسرها. ولذلك، تتعاطى مع طروحاتها من دون وجود تفاؤل بنجاحها".

وعبّرت الفصائل الفلسطينيّة في 26 تشرين الأوّل/أكتوبر عن قلقها من الحراك السياسيّ العمانيّ، وقال الناطق باسم حركة الجهاد الإسلاميّ داوود شهاب لقناة الميادين يوم 26 أكتوبر: إنّ الخشية من زيارة نتنياهو إليها أنّها قد تفتح قناة مفاوضات جديدة مع إسرائيل. واعتبرت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في بيان صحفي يوم 26 أكتوبر أنّ زيارته مرحلة متقدّمة من التطبيع، وتترافق مع صفقة القرن الأميركيّة.

وأشار رئيس المكتب الإعلاميّ لـ"فتح" منير الجاغوب في تصريح صحفي يوم 26 أكتوبر إلى أنّ الزيارة تنسف مبادرة السلام العربيّة القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام، لكنّه نفى في 27 تشرين الأوّل/أكتوبر هذه التصريحات.

وذكرت صحيفة "الشرق الأوسط" في 29 تشرين الأول/أكتوبر أنّ عبّاس منع الإساءة لعمّان، وأمر بتجنّب التعليق على زيارة نتنياهو، الأمر الذي قد يشير إلى وجود حراك سياسيّ بينهما.

حماس بدت غاضبة من زيارة نتنياهو إلى عمان، فقال المتحدّث باسم "حماس" سامي أبو زهري لـ"المونيتور": "إنّ استقبال الإسرائيليّين في ساحات عربيّة خطأ كبير، ونرفض تبريره بتحقيق المصالح الفلسطينيّة، وندعو إلى عدم تكراره، فالاحتلال الإسرائيليّ هو العدو، وإنّ تعاطي السلطة الفلسطينيّة مع زيارة نتنياهو لعمان يؤكّد أنّ السلطة أصبحت عرّاباً للتطبيع في المنطقة، وطلبها من أطراف عربيّة التوسّط مع الاحتلال للعودة إلى المفاوضات يؤكّد بطلان ادعاءاتها بقطع العلاقة معه".

يطرح الدور العمانيّ المفاجئ في الملف الفلسطينيّ - الإسرائيليّ أسئلة عن غياب أدوار إقليميّة لها نفوذ وتأثير كبير على الجانبين، مثل مصر والأردن وقطر والسعوديّة، الأمر الذي يضع شكوكاً كبيرة في إمكانيّة نجاح مسقط، في ما فشلت فيه تلك الدول الوازنة الكبيرة، لا سيّما أنّ عمان ليس لديها ذلك النفوذ السياسيّ والاقتصاديّ على الفلسطينيّين والإسرائيليّين، إذا قسناه بما تقدّمه تلك الدول إلى الجانبين من دعم ماليّ وإسناد ديبلوماسيّ.

وقال هاني البسوس، وهو أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة السلطان قابوس، لـ"المونيتور": "هناك رغبة فلسطينّية - إسرائيليّة في عقد لقاءات في عمان، الأمر الذي تطلّب توجيه الدعوة إليهما معاً لزيارتها".

وأضاف أنّ "هناك دوراً أميركيّاً بهذا الحراك بسبب العلاقة القويّة بين مسقط وواشنطن، مع أنّ الجهد العمانيّ يقضي بإطلاع مصر والأردن على نتائجه، فلا يمكن تجاهلهما بسبب جوارهما لفلسطين، ولتوسيع دائرة المشاورات بمشاركة الأطراف".

وأخيراً، يمكن القول حتّى الآن أنّ نتائج الزيارات الأخيرة من عمان وإليها، حقّقت نتائج لطرفين من دون ثالث. ولقد ظهرت عمان كدولة وسيطة ذات قدرة على استضافة الفلسطينيّين والإسرائيليّين، ربّما تمهيداً لعقد لقاء قمّة بين عبّاس ونتنياهو، الأمر الذي يمنحها دوراً سياسيّاً في غفلة من دول المنطقة المنشغلة بملفّاتها الداخليّة.

كما تمكّنت إسرائيل من اختراق المزيد من العواصم العربيّة، رغم استمرارها في عدم إجراء المفاوضات مع الفلسطينيّين، الأمر الذي يثبت وجهة نظرها بأنّه يمكنها التواصل مع العرب بالقفز عن عمليّة السلام. أمّا الفلسطينيّون فهم الطرف الذي لم يحقّق، حتّى الآن، ما يصبو إليه من هذا الحراك العمانيّ.

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept