نبض فلسطين

صانع الأدوات الجلديّة في مدينة القدس زهير دعنا يحافظ على مهنته من الاندثار

p
بقلم
بإختصار
يحتفظ زهير عبد الرحيم دعنا (62 عاماً) بمهنته في صناعة الجلود التي يصنع منها الأدوات والألبسة الجلديّة الطبيعيّة داخل البلدة القديمة في مدينة القدس، بعدما تعلّمها، وهو في الـ9 من عمره من والده عبد الرحيم. وتعتبر عائلته من العائلات التي تحتفظ بإرث صناعة الأدوات والألبسة من الجلود الطبيعيّة في القدس.

مدينة غزة، قطاع غزّة — يحتفظ زهير عبد الرحيم دعنا (62 عاماً) بمهنته في صناعة الجلود التي يصنع منها الأدوات والألبسة الجلديّة الطبيعيّة داخل البلدة القديمة في مدينة القدس، بعدما تعلّمها، وهو في الـ9 من عمره من والده عبد الرحيم. وتعتبر عائلته من العائلات التي تحتفظ بإرث صناعة الأدوات والألبسة من الجلود الطبيعيّة في القدس.

يملك دعنا محلاًّ قديماً "محل دعنا لصناعة الأدوات من الجلود الطبيعية" يبلغ عمره 80 عاماً في البلدة القديمة في القدس في شارع الواد، ورثه من والده الذي كان يعمل في مهنته نفسها، وعمل فيه عمّه زكريا الذي كان يعتبر أكبر مصدّر فلسطينيّ للأحذية والحقائب الجلديّة الأصليّة إلى دول الأردن وتركيا وسوريا.

جدّ دعنا هو وجدي محمّد جمعة دعنا، كان يعمل في مدينة القدس ويصدّر الصناعات التي ينتجها من الجلود الطبيعيّة إلى سوريا ولبنان وتركيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكان والده عبد الرحيم يحدث عن شهرته في صناعات الجلود، وكان يعتبر من أبرز صانعي الأدوات والأحذية والألبسة من الجلود الطبيعيّة، وكان يصمّم ألبسة للحكّام العثمانيّين في تلك الفترة، ومنذ ذلك الوقت، اشتهرت العائلة بصناعة الجلود.

لكن كما يشير دعنا، فالمهنة كانت قديماً ذات صيت أكبر، وتعتبر مهنة صعبة وتحتاج إلى الدقّة، لأنّها تعتمد على الصناعة اليدويّةـ، حيث كانوا قديماً يقومون بخياطة المنتجات التي يصنعوها من الجلود باليد، وكانت تتراوح مدّة صناعة كلّ منتج من الجلود الطبيعيّة بين يومين و3 أيّام، حتّى يصبح جاهزاً، لكنّها تطوّرت مع وجود آلات الخياطة الصغيرة، وحاليّاً نتيجة تطوّر المصانع والآلات الضخمة، فإنّ الغالبيّة يتّجهون إلى منتجات المصانع التي تنتج جلوداً صناعيّة، لكن لا يزال بعض الناس يقدّرون صناعة المنتجات من الجلود الطبيعيّة، لكنّهم قلّة.

يقول دعنا لـ"المونيتور": "هذا تراثنا الفلسطينيّ، لا نستطيع تركه، أصبح مرتبطاً بدمنا، يحضر بعض السيّاح لشراء الحقائب وبعض الأحزمة منّا، لأنّهم يسمعون عن شهرة بلاد الشام التاريخيّة في صناعة الجلود ويحبّون مدينة القدس لأنّها مدينة تاريخيّة، وخصوصاً بعض المنتجات التي أنتجها وأدمغ عليها كلمة القدس بالعربيّة، ويفتخر السيّاح عندما يعودون إلى بلادهم من القدس، ومعهم حقيبة جلديّة الأصل وبصناعة يدويّة من يديّ، وكان لي زبائن من الضفّة الغربيّة ومن السكّان العرب في الداخل، والإسرائيليّون يشترون منّي لكن اليوم قلّ عدد الزبائن جدّاً بسبب اتجاههم للصناعات الجلدية الصناعية الجاهزة".

كان دعنا يصنع قديماً المنتجات من الجلود عن طريق البابور الحديديّ، وهي قطعة حديد كبيرة يضع الجلد فوقها ليشكّل الرسمة على واجهتها وثمّ يقصّ حدود الشكل الذي يخطّه في الجلود بالمقصّ اليدويّ، لكنّه منذ 30 عاماً، أصبح يستخدم الماكينة الكهربائيّة لقصّ الجلود، من ثمّ يتمّ نقل الجلود إلى ماكينة للتقليل من سمك الجلد، لتتحوّل إلى ماكينة الخياطة من أجل درزها وتجهيزها في الكامل لتصبح جاهزة للبيع.

علّم دعنا صناعة الجلود لابنيه إيهاب (34 عاماً) وبهاء (30 عاماً)، وطلب منهما أن يورثا المهنة لأبنائهم حتّى لا تندثر في يوم، وأن يحافظا على صيت العائلة في هذه المهنة، ولأنّه كبر في السنّ ولا يستطيع العمل كما كان في الماضي، يعمل دعنا من الساعة 7 صباحاً حتّى الساعة 6 مساء.

يبلغ سعر السترة الجلديّة الطبيعيّة 500 شيكل أي 140 دولاراً أميركيّاً، أمّا الحقيبة فيتراوح سعرها بين 200 و300 شيكل أي بين 55 و82 دولاراً، وباقي المنتجات مثل الأحذية تتراوح أسعارها بين 250 و450 شيكلاً أي بين 70 و125 دولاراً، وجلود المعاطف حسب حجم المعطف ونوع الجلد المراد استعماله.

تصل الجلود من مسالخ من الضفّة الغربيّة وكانت سابقاً من قطاع غزّة، لكنّها، نتيجة إغلاق المعابر التجاريّة، لا تصل إلى القدس، وجلود من مسالخ من إسرائيل، ويتمّ تجميعها من قبل تجّار الجلد الخامّ، الذين يقومون بتمليحها وتنظيفها قبل وصولها إلى مرحلة الدباغة في مصنع دباغة الجلود، وتمرّ هذه العمليّة بـ4 مراحل، غسل الجلد من الشوائب والأملاح، وتهيئته لإزالة الشعر والدهون، ثمّ إزالة المواد الكيمائيّة المستعملة في إزالة الشعر والدهون، والمرحلة الرابعة تحنيط الجلد ومعادلته وعصره لوصوله إلى مرحلة الدباغة، ثمّ تصديره للصناعات، ومن هنا يشتريه دعنا.

لكنّه يشير إلى أنّ الجلود المتوافرة حاليّاً هي فقط من إسرائيل وهي غالية الثمن، ويبلغ كلّ قدم منها 25 شيكلاً أي 7 دولارات أميركيّة، مقارنة بالجلود التي كان يستوردها من تركيا أو القاهرة والتي كانت بنصف الثمن، وهو ما رفع سعر منتجات الجلود الطبيعيّة، وهي جلود الجمل والماعز والعجل، لكنّ الأجود منها في الصناعات هي جلود الأبقار، كما يوضح.

يضيف دعنا لـ"المونيتور": "من ذكريات الأجداد وميراثهم، ما زالت أحتفظ بحقيبة يبلغ عمرها مئة عام، وكثير من الزوّار الأجانب حاولوا دفع مئات الدولارات من أجل شرائها، لكنّني رفضت لأنّها من رائحة الأجداد، وهي من صناعة جدّي الذي كانت وصيّته أن نحافظ على المهنة لأنّها مرتبطة بتاريخ القدس وفلسطين، وصحيح أنّ البيع قليل لكنّني أريد أن أحافظ على المهنة حتّى آخر يوم في حياتي".

يطمح دعنا إلى أن يلقى اهتماماً من قبل الغرفة التجاريّة الصناعيّة في مدينة القدس لمساعدته ماليّاً ضمن مشاريع دعم الصمود وتطوير عمله، خصوصاً في ظلّ التراجع الاقتصاديّ الذي تشهده مدينة القدس، إلى جانب أنّه يتعرّض إلى ملاحقة من ضرائب الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة لأنه مدين على الضريبة، ونتيجة تراكم الضرائب، فهو ممنوع من السفر إلى خارج مدينة القدس بقرار من الإدارة المدنيّة حتّى يسدّد ضرائبه، وهذا ما يشعره ببعض الأوقات بضيق نفسي لكنه يود الاستمرار في صناعة الجلود رغماً عنها ورغم قلة الزبائن.

يشير الباحث في شؤون التاريخ الفلسطينيّ ومدير ملتقى التاريخ والسياسة عزيز المصري إلى أنّ صناعات الجلود كانت تشتهر فيها فلسطين منذ قبل ألفي عام، كما اطّلع على الكثير من أبحاث المهن الفلسطينيّة القديمة، ويعتقد أنّ هذه المهنة جاءت منذ عهد الكنعانيّين في فلسطين لكن لا يوجد إثبات تاريخيّ على ذلك، وجاءت نتيجة اشتهار جنوب فلسطين التاريخيّة بتربية المواشي واعتماد مواطنيها على الصناعات المحلّيّة، وكانت صناعة الملابس الجلديّة عند القبائل التي تسكن في جنوب فلسطين ثمّ تحوّلت إلى مهنة وصناعة في مدن الخليل والقدس وبعض مناطق شمال فلسطين، وازدهرت أكثر في عهد الحكم الإسلاميّ لفلسطين في عام 637 ميلاديّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أمجد ياغي صحافي من فلسطين مقيم في غزة، عملت مراسلًا لعدة صحف منها الاخبار البنانية والعربي الجديد ومجلات عربية، ومراسل لقناة كربلاء العراقية والتلفزيون القطري وتلفزيون امواج الرياضي، واعمل حالياً صحافي حر ومعلق صوتيات، وأجريت عدة تحقيقات استقصائية متعلقة في قضايا الفساد وسير قطاع العدالة في غزة، وحصلت على أربعة جوائز محلية عن تحقيقات كشفت قضايا فساد وانتهاكات حقوق لفئات المرأة والطفل، وترشحت لجائزة الصحافة العربية عن فئة الشباب لعام 2015

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept