نبض العراق

العراق يطلق صندوق اجتماعيّ لمكافحة الفقر بتمويل خارجيّ

p
بقلم
بإختصار
يسعى العراق إلى تحسين حالة الفقراء المعيشيّة بإطلاق مشروع يموّل المشاريع وفرص العمل، لكنّ القروض التي توفّر الأموال لهذا الصندوق تجابه بالرفض والانتقاد.

أعلنت وزارة التخطيط في العراق بـ23 أيلول/سبتمبر من عام 2018 عن إطلاق مشروع الصندوق الاجتماعيّ للتنمية برأسمال أوليّ مقداره 300 مليون دولار، بالتعاون مع البنك الدوليّ، لتحسين ظروف الفقراء المعيشيّة، استجابة لتحديّات معدّلات الفقر المرتفعة، والتي أدّت إلى خروج تظاهرات متكرّرة منذ 15 عاماً تطالب بتحسين المعيشة وتوفير فرص العمل، وراح ضحيّتها العشرات من القتلى والجرحى. وأكّد أيضاً تقرير البنك الدوليّ في 8 أيّار/مايو من عام 2018 أنّ عدد سكّان العراق البالغ 38.5 نسمة يقف عند خطّ الفقر المحدّد بـ22.5 في المئة، فيما عزا الناطق باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعيّة العراقيّة عمّار منعم في حديث لـ"المونيتور" ارتفاع معدّلات الفقر إلى "الأوضاع الأمنيّة الاستثنائيّة بسبب الحروب وتكاليفها، فضلاً عن انخفاض أسعار النفط، الأمر الذي أدّى إلى توقّف تمويل مشاريع تأهيل العاطلين، وغياب مشاريع الاستثمار، وتعثر النموّ الاقتصاديّ".

ورسمت المديرة التنفيذيّة "لاستراتيجيّة التخفيف من الفقر" في العراق نجلاء علي مراد في حديث لـ"المونيتور" ملامح الفرد الفقير في العراق، بأنّه "المواطن الذي يتمتّع بدخل شهريّ يقلّ عن 105 آلاف دينار عراقيّ"، وقالت: "يقع تحت هذا التعريف الأفراد والعائلات الذين يتعرّضون إلى ضائقة اقتصاديّة طارئة، مثل توقّف البطاقة التموينيّة الشهريّة".

واعتبرت أنّ "الفقر يتركّز في الوقت الحاضر، خصوصاً بين النازحين من جرّاء الحرب على داعش".

من جهته، كشف الخبير الاقتصاديّ والمستشار الماليّ لرئيس الوزراء العراقيّ الدكتور مظهر محمّد صالح في حديث لـ"المونيتور" عن أنّ "الصندوق الاجتماعيّ للتنمية هو وجه من أوجه تمويل التنمية، التي تساير الاستراتيجيّات الوطنيّة في التصدي للفقر وأشكال الإخفاق الاقتصاديّ والاجتماعيّ"، وقال: "إنّ العراق يعاني من اختلال كبير إلى الآن في مظاهر توزيع الدخل والثروة جغرافيّاً، إذ أنّ هناك محافظات مهمّة في بلادنا يزاد الفقر فيها على 50 في المئة؜ من عدد السكّان. كما أنّ محافظات المناطق المحرّرة ما زالت البطالة فيها، لا سيّما بين الفئات الشابّة، تقارب الـ40 في المئة من إجماليّ القوى العاملة الناشطة اقتصاديّاً فيها".

ولخّص مظهر محمّد صالح أهداف الصندوق في "خفض البطالة ومستويات الفقر إلى (مرتبة عشريّة واحدة) خلال السنوات الأربع المقبلة، بدلاً من مرتبتين خطيرتين"، وقال: "إنّ بقاء الفقر بمستوياته العالية يخلق مشكلات اجتماعيّة وسياسيّة خطيرة".

وأوضح آليّات عمل الصندوق في "تمكين فرص الأعمال الصغيرة والمتوسّطة ودعمها، لكي يصبح مع توسّع عمله، إحدى عجلات الخطّة الإنمائيّة 2018-2022 باعتباره قوّة تمويليّة موجّهة إلى المجتمع والسوق ضمن فلسفة اقتصاد السوق الاجتماعيّة التي تقتضي تحقيق زيادة في الناتج المحليّ الإجماليّ السنويّ للعراق تفوق معدّلات النموّ في السكّان".

وعرّف البنك الدوليّ في موقعه الرسميّ على الإنترنت بجدول أعمال الصندوق، لافتاً إلى أنّه "سيطلق في عام 2018 أنشطته للتنمية في 3 محافظات، هي: محافظة المثنى كونها تسجّل أعلى نسبة فقر، محافظة صلاح الدين كونها منطقة محرّرة تضمّ الكثير من العائدين، ومحافظة دهوك التي تأثّرت مجتمعاتها كثيراً بفعل استضافة النازحين الداخليّين واللاّجئين السوريّين. وفي عام 2019، سيتّسع نطاق عمل البرنامج ليشمل محافظات نينوى، ذي قار، القادسيّة، وبغداد. واعتباراً من السنة الثالثة، سيغطّي البرنامج كلّ المحافظات العراقيّة".

وأشار الناطق باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "الأزمة الماليّة التي يعاني منها العراق بسبب انخفاض أسعار النفط، فضلاً عن تكاليف التسليح والحرب ضدّ تنظيم داعش، جعلت العراق يعوّل على الدعم الماليّ الخارجيّ والقروض والمنح. ولقد نجح العراق بالفعل في الحصول على قرض ميسّر من البنك الدوليّ".

وانتقد الخبير الاقتصاديّ والنفطيّ في وزارة النفط العراقيّة محمّد زكي ابراهيم في حديث لـ"المونيتور" سياسة القروض في التمويل، قائلاً: "لست متفائلاً بشأن المبادرات التي تطلقها مؤسّسات دوليّة أو حكوميّة ضمن استراتيجيّة التخفيف من الفقر، ومنها الصندوق الاجتماعيّ للتنمية في العراق، إذ عايشت مبادرات كثيرة أطلقتها الحكومة لدعم القطاع الزراعيّ أو السياحيّ أو المشاريع الصغيرة، لم يتحقّق منها شيء ملموس، بل إنّ جزءاً كبيراً من هذه القروض لم يسدّد أصلاً، واضطرّت الحكومة إلى إطفائه بنفسها".

واعتبر أنّ "ما يحتاج إليه العراق لإطلاق مشاريع كهذه، ليس المال فقط، بل التشريعات التي تضمن لها النجاح، مثل الحماية الجمركيّة أو الرقابة أو التأمين، فالفساد الإداريّ الهائل يتكفّل في العادة بوضع عقبات حديديّة أمام فرص النجاح. وبالتّالي، فإنّ سياسة الاقتراض الكثيف التي اعتمدتها الحكومة العراقيّة في هذه المرحلة، لن تخدم التنمية".

وبلهجة انتقاديّة، قالت الخبيرة الاقتصاديّة والعضو السابق في الإئتلاف الوطنيّ العراقيّ الدكتورة سلام سميسم لـ"المونيتور": "إنّ وزارة التخطيط اعتادت إطلاق مشاريع ذات أسماء رنّانة، وتضفي عليها وصف الاستراتيجيّة، لكنّ طريق المنح واستراتيجيّات الدعم الاقتصاديّ السابقة أدّت إلى تراجع الأداء الاقتصاديّ، إذ أعدّت الوزارة من قبل خطّة استراتيجيّة الحدّ من الفقر، فارتفع المؤشّر إلى أكثر من 40 في المئة في بعض المحافظات".

وتوقّعت أن "يكون الصندوق الاجتماعيّ للتنمية في العراق مثل المشاريع الفاشلة السابقة بسبب غياب آليّات التنفيذ الصحيحة".

أمّا الباحث الاقتصاديّ ومحرّر الشؤون الاقتصاديّة في صحيفة "الصباح" الرسميّة حسين ثغب فقال في حديث لـ"المونيتور": "مهما كان الخلاف حول طرق تمويل الصندوق، فلا بدّ من أموال للمشاريع، لرفع مستوى الخدمات التي تقدّم إلى المواطن، وتأهيل المشاريع المتوقّفة والشروع في أخرى جديدة تلبّي متطلّبات النموّ البشريّ، والذي يتّصف بمعدّلات عالية".

واعتبر أنّ "هذا الصندوق المموّل دوليّاً سيحقّق أهدافه لا محال، اذا توافرت رقابة على مسارات ذهاب الأموال بشكل دقيق تمنع أيّ تلاعب".

لا أحد يشكّك في أهداف مشروع الصندوق في سعيه إلى تحسين أوضاع الفقراء الاقتصاديّة والاجتماعيّة، إضافة إلى محدودي الدخل والنازحين، لكنّ الثقة تبدو قليلة في الآليّات وطرق صرف الأموال بسبب الفساد الذي ابتلع الكثير من أموال مشاريع مشابهة.

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept