نبض فلسطين

بورصة فلسطين الماليّة تربح رغم الأوضاع الاقتصاديّة المتردّية

p
بقلم
بإختصار
أعلنت بورصة فلسطين أنّ أرباح الشركات المدرجة فيها بلغت 167 مليون دولار في النصف الأوّل من عام 2018، مدعومة بنتائج قطاعيّ الخدمات والبنوك، وهذه الأرباح زادت أكثر من 6 في المئة، مقارنة بـ157 مليون دولار قبل عام، وتوزّعت على قطاعات الخدمات والبنوك والخدمات الماليّة والاستثمار والصناعة والتأمين. السطور الآتية تناقش هذه الأرقام، وكيف نتحدّث عن أرباح، في وقت يواجه الاقتصاد الفلسطينيّ تراجعاً مطّرداً على كلّ المستويات، خصوصاً في ظلّ تقليص الدعم الماليّ الذي تحصل عليه السلطة الفلسطينيّة؟ وهل يمكن الحديث عن انفصال بين القطاعين العام الحكوميّ والخاص؟

أعلنت بورصة فلسطين في بيان صحافيّ بـ9 أيلول/سبتمبر أنّ أرباح الشركات المدرجة فيها بلغت 167 مليون دولار في النصف الأوّل من العام الجاري، بزيادة نسبة 6,09 في المئة عن ذات الفترة من العام الماضي 2017 الذي شهد أرباحا بقيمة 157 مليون دولار، وشكّلت نسبة الشركات الرابحة 83 في المئة بواقع 38 شركة من أصل 46 شركة، ومنيت 8 شركات بخسائر 4 ملايين دولار، بانخفاض 16 بالمئة مقارنة مع نفس الفترة من 2017.

أضاف البيان: إنّ قطاع الخدمات احتلّ المرتبة الأولى في الأرباح البالغة 56 مليون دولار، ثمّ البنوك والخدمات الماليّة بقيمة 51 مليون دولار، وحلّ قطاع الاستثمار ثالثاً عند 30 مليون دولار، ثمّ الصناعة بواقع 18 مليون دولار، وأخيراً قطاع التأمين بأرباح 12 مليون دولار.

يتزامن الإعلان عن هذه الأرباح، مع تواتر التقارير عن تراجع الوضع الاقتصاديّ الفلسطينيّ إلى معدّلات صعبة، بجانب تقلّص الدعم الماليّ المقدّم من الدول المانحة إلى السلطة الفلسطينيّة، الأمر الذي يطرح أسئلة عن كيفيّة الجمع بين ما يظهر تناقضاً في المشهد الاقتصاديّ الفلسطينيّ: أرباح البورصة من جهة، وتراجع الأوضاع الاقتصاديّة من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، قال مصدر مسؤول في البورصة، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ الأرقام والإحصائيّات المعلنة عن أرباح هذه الشركات تعني أنّ لديها فرصة كبيرة للنجاح وتحقيق أهدافها، رغم تراجع الوضع الاقتصادي الفلسطينيّ، وهذا يعني ألاّ يكون هناك ربط قسريّ بين استمرار الدعم الماليّ الدوليّ للسلطة الفلسطينيّة أو انقطاعه، وزيادة أرباح البورصة الفلسطينيّة، فهذان أمران منفصلان. ولو كان الدعم الماليّ مستمرّاً كالسنوات السابقة، فإنّ النتائج ستكون أكثر إيجابيّة على أرباح الشركات المدرجة في البورصة".

مرّت سوق فلسطين للأوراق الماليّة بمراحل عدّة أساسيّة مهمّة، إذ تأسّست بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية في عام 1995 كشركة مساهمة خصوصيّة. وفي عام 2007، أطلقت خدمة التداول عبر الإنترنت. وفي عام 2009، أصبحت البورصة الثانية بالعالم العربيّ في حماية المستثمرين. وفي عام 2016، حصلت على العضويّة الكاملة في اتّحاد البورصات العالميّة WFE.

وفي الوقت ذاته، ربّما تواجه بورصة فلسطين جملة تحدّيات، أهمّها الظروف السياسيّة وعدم الوضوح السياسيّ المستقبليّ للأراضي الفلسطينيّة، في ظلّ تأزّم العلاقة مع إسرائيل والولايات المتّحدة الأميركيّة، وإمكانيّة أن تؤثر الأزمة الماليّة المزمنة التي تعاني منها السلطة الفلسطينيّة وعجزها عن توفير موارد ماليّة لدفع مستحقّات الشركات المساهمة العامّة والقطاع الخاص والموظّفين العموميّين.

وقال رئيس اللجنة الاقتصاديّة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ عاطف عدوان لـ"المونيتور": "إنّ أرباح الشركات المدرجة في البورصة تؤكّد أنّ الخدمات التي تقدّمها لا يستغني عنها الفلسطينيّون، وأنّ أسعار خدماتها المقدمة للمواطنين، لم تتراجع قياساً بتدهور الأوضاع المعيشيّة الفلسطينيّة، الأمر الذي زاد من أرباح هذه الشركات، إذ تزيد أسعار البضائع والخدمات التي تبيعها للفلسطينيين مثل الاتصالات والعقارات وبعض الصناعات، عن العديد من أسعار ذات البضائع والخدمات في بعض الدول المجاورة لفلسطين".

لقد سبق لبورصة فلسطين أنّ تأثّرت بنتائج التطوّرات السياسيّة الفلسطينيّة، عقب اندلاع انتفاضة الأقصى أواخر عام 2000، الأمر الذي أدّى إلى تدهور في أسعار وأحجام التداول لأسهم الشركات المدرجة في السوق الماليّة، وانعكس سلباً على حركة مؤشّراتها، وتسبّب بحدوث خسائر كبيرة للشركات والمستثمرين في أسهمها، فانخفضت أسعار التداول بنسبة 24.7 في المائة، وتراجعت أحجام التداول وقيمتها بنسبة 93 في المائة، وفقدت البورصة 71 في المائة من أدائها مع اندلاع الانتفاضة.

وفي الوقت عينه، بدا واضحاً أنّ غالبيّة الشركات التي حقّقت أرباحاً في بورصة فلسطين تقيم في الضفّة الغربيّة، ويبدو أنّها متأثّرة بالانقسام السياسيّ الفلسطينيّ، إذ تسيطر "حماس" على غزّة، وتدير "فتح" الضفّة الغربيّة، الأمر الذي يعني وجود علاقة وثيقة بين الاستقرارين السياسيّ والأمنيّ في الأراضي الفلسطينية، وأثرهما على استقرار البورصة. ولذلك، فإنّ الشركات المدرجة في بورصة فلسطين بمعظمها على الأرجح تعتمد مركزها الماليّ والاستثماريّ في الضفّة الغربيّة، ولا يوجد في قطاع غزّة سوى فروع لعدد قليل منها، خاصة في قطاعات الاتصالات والبنوك والتأمين والعقارات والصناعات الطبية.

بدوره، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزّة معين رجب في حديث لـ"المونيتور": "إنّ الأرباح المعلنة تعني نجاح الشركات وسيطرتها على السوق الفلسطينيّة، لكنّها كجزء من المسؤولية الاجتماعية لهذه الشركات، فهي مطالبة بالتخفيف من معاناة الفلسطينيّين، لأنّها تقدّم إليهم مساهمات متواضعة كالتزام أدبيّ، وليس كقانون تشريعيّ، وهذه مشكلة".

أضاف: "في الوقت الذي ركزت فيه غالبية الشركات المدرجة في البورصة مجالس إدارتها وأعمالها بالضفّة الغربيّة، وليس بقطاع غزّة، فإنّ بعض مستثمري غزّة ينقل نشاطه الماليّ إلى الضفّة".

قد يعتبر تحقيق الشركات والمؤسّسات الاقتصاديّة المدرجة في بورصة فلسطين أرباحاً بعشرات ملايين الدولارات سنويّاً، من الأخبار الإيجابيّة، لكن يجب رؤية مردودها على الاقتصاد الفلسطينيّ، ولئن كان من حقّ الشركات المدرجة في بورصة فلسطين تحقيق الأرباح، فإنّ من واجب المجتمع الفلسطينيّ عليها أن تدعمه وتحسّن أوضاعه.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ أرباح الشركات في بورصة فلسطين لا تعكس بالضرورة نجاحها داخل فلسطين، بل خارجها، فبعضها امتداداتها إقليميّة كشركة باديكو القابضة المسجلة في ليبيريا وشركة فلسطين للاستثمار العقاريّ بريكو المسجلة في الأردن. وهذه الشركات لا تعتمد في أرباحها على السلطة الفلسطينيّة".

وأخيراً، إنّ عدم وجود ترابط حتميّ بين تراجع الحالة الاقتصاديّة الفلسطينيّة عموماً وأداء البورصة، يعني أنّنا أمام مشكلة عضويّة في المنظومة الاقتصاديّة الفلسطينيّة وغياب للتكامل بين الكيانين، مع العلم أنّ التأثير السلبيّ على البورصة المرتبط بالسلطة الفلسطينيّة يتعلق بزيادة مديونيتها من القطاع الخاص والبنوك، وعجز السلطة الفلسطينيّة عن السداد، حيث بلغت، وفقا لتقرير صادر عن سلطة النقد الفلسطينية في يناير 2018، قرابة 1.46 مليار دولار أمريكي.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

What to read next
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept