نبض العراق

طهران تخاطب واشنطن عبر صواريخ تستهدف المعارضة الكرديّة في العراق

p
بقلم
بإختصار
تدّعي طهران أنّها استهدفت بعض الأحزاب الكرديّة المعارضة داخل الأراضيّ العراقيّة بصواريخ أرض-أرض انطلقت من أراضيها. وعلى الرغم من أنّ ذلك لا يبرّر انتهاك السيادة العراقيّة، إلّا أنّ المؤشّرات كلّها تدلّ على أنّ طهران أرادت إيصال رسائلها الخاصّة إلى واشنطن، ومفادها أنّها تمتلك اليد الطولى في العراق ولا تكترث للتهديدات الأخيرة.

السليمانية، العراق ـ لم تكتف إيران بقصف المعارضة الكرديّة (الإيرانيّة) في إقليم كردستان العراق في 8 أيلول/سبتمبر الجاري، بل طالبت أيضاً بتسلّم عناصر تلك المعارضة أو تعرّض الأراضي العراقيّة لهجمات جديدة بهدف القضاء على تلك المعارضة.

وكان الحرس الثوريّ الإيرانيّ أقرّ بقصف مقرّات للحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ الإيرانيّ في مدينة أربيل العراقيّة، بقصف صاروخيّ راح ضحيّته 12 عنصراً من الحزب، وجرح حوالى 30 منه. وبرّر المتحدّث باسم الخارجيّة الإيرانيّة برهان قاسمي ذلك بالقول في مؤتمر صحافيّ إنّ "استهداف مقرّات هذه الأحزاب خيار إجباريّ يأتي بدافع الردع والردّ على ما وصفها باعتداءات تلك الأحزاب المسلّحة وقتلها عدداً من حرس الحدود الإيرانيّ قبل أسابيع".

أمّا الخارجيّة العراقيّة فأعلنت في بيان في 9 أيلول/سبتمبر أنّ "الوزارة تؤكّد حرص العراق على أمن جيرانه ورفضه استخدام أراضيه لتهديد أمن تلك الدول".

وأضاف: "كما ترفض وزارة الخارجيّة رفضاً قاطعاً خرق السيادة العراقيّة من خلال قصف أيّ هدف داخل الأراضي العراقيّة، من دون تنسيق مسبق مع الجهات العراقيّة، تجنيباً للمدنيّين من آثار تلك العمليّات".

كما استنكر الرئيس العراقيّ فؤاد معصوم في بيان صادر عن مكتبه القصف، ووصفه بأنّه "تصعيد خطير وانتهاك صارخ لأمن البلد".

وأوضح البيان أنّ "رئيس الجمهوريّة يشعر بأسف وقلق عميقين من تسبّب الحادث بسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى بين المدنيّين العزّل، معظمهم من النساء والأطفال".

وقال المتحدّث باسم حكومة إقليم كردستان سفين دزيي لـ"المونيتور" إنّ "الأحزاب المعارضة الكرديّة موجودة في الإقليم بموجب اتّفاقات تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، وبالتالي لا يمكن تسليمهم لأنّهم بمثابة لاجئين داخل الأراضي العراقيّة".

وأضاف: "يجب احترام اللوائح والقوانين الدوليّة التي تحمي اللجوء، لا سيّما وإنّ المشاكل لا يمكن حلّها عن طريق السلاح، ويجب أن يتمّ التفاوض والتباحث بين الأطراف المعنيّة لإنهاء الخلافات".

 

والحزب الديمقراطيّ الكرديّ الإيرانيّ هو حزب سياسيّ اشتراكيّ تأسّس في عام 1945 بزعامة قاضي محمّد يهدف إلى تحقيق النظام الفيدراليّ في إيران، تحوّل إلى العمل المسلّح في ستّينيّات القرن الماضي، كما وصلت خلافاته مع الأحزاب الإسلاميّة في إيران إلى ذروتها في عام 1979 (الثورة الإسلاميّة)، حين رفضت توفير الحكم الذاتيّ للأكراد. وأعلن الحزب وقف إطلاق النار مع النظام الإيرانيّ من جانب واحد في عام 1996، إلّا أنّه عاد وأعلن رفع السلاح لتحقيق مطالبه في عام 2016.

 

ووفقاً لما عرضه التلفزيون الإيرانيّ، فإنّ الصواريخ التي أطلقت على الأهداف الكرديّة داخل العراق هي من نوع "فاتح"، تطلق بصورة مائلة وهي مصنّعة في فئات "فاتح 110" (300 كم) و"فاتح 313" (500 كم) و"فاتح مبين" (500 كم) و"ذو الفقار" (700 كم) و"خليج فارس" و"هرمز" البحريّة" (300 كم)، وذلك وفقاً لوكالة فارس الإيرانيّة، وإنّ وزن الرأس الحربيّ لصاروخ "فاتح 110" يبلغ 500 كغ أطلق من الحدود المشتركة، غير أنّ الحزب الشيوعيّ الكرديّ الإيرانيّ أكّد في بيان أنّ "إيران وضعت منصّات للصواريخ في جبل سورين قرب مدينة حلبجة في محافظة السليمانيّة التابعة إلى إقليم كردستان"،وأشار إلى أنّ "طهران ستستقدم قوّاتاً إلى مرتفعات جبل سورين وتعسكر هناك مع منصّة صواريخ".

وبالفعل، توصّل فريق المحقّقين الأمنيّين الأميركيّين إلى أنّ الصواريخ المستخدمة في الهجوم تمّ إطلاقها من أماكن لا تبعد سوى بين 20 و40 كيلومتراً، من الأماكن المستهدفة في قضاء كويسنجق، وإلى أنّه تمّت الاستفادة من منصّات الإطلاق التي نشرتها إيران ضمن حدود مدينة السليمانيّة.

وبحسب التحقيق الذي نشرته وسائل إعلام مختلفة، بينها صحفية البيان في 11 أيلول/سبتمبر الجاري، فإنّالمعلومات التي كشف عنها الحرس الثوريّ الإيرانيّ في شأن المكان الذي انطلقت منه الصواريخ مضلّلة وغير صحيحة".

وعلى أيّ حال، الهجوم الإيرانيّ على مواقع المعارضة في الأراضي العراقيّة كان متوقّعاً، وخصوصاً بعد الاشتباكات التي حصلت في حزيران/يونيو الماضي بين العناصر المسلّحة للأحزاب الكرديّة والحرس الثوريّ الإيرانيّ على الحدود بين العراق وإيران، والتي أدّت إلى مقتل وإصابة العشرات من الحرس الإيرانيّ، تلك الهجمات التي يقول عنها الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ الإيرانيّ إنّها جاءت ردّاً على الإعدامات التي تقوم بها السلطات الإيرانيّة في حقّ المعارضين الأكراد.

وأكثر ما يثير القلق فعلاً، ليست المواجهات العسكريّة بين قوّات إيرانيّة ومعارضين لها داخل الأراضي العراقيّة وحسب، بل انتشار تلك القوّات وأسلحتها، وخصوصاً الصواريخ المتطوّرة داخل العراق، الأمر الذي قد يؤدّي إلى احتكاكات مع الجانب الأميركيّ، ذلك أنّ واشنطن سبق وحذّرت على لسان المتحدّثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز من أنّها "ستردّ في شكل سريع وحاسم" على أيّ هجمات يشنّها وكلاء طهران في العراق، وتؤدّي إلى إصابة أميركيّين، أو إلحاق أضرار بمنشآت أميركيّة.

كما هدّدت إسرائيل، باستهداف القوّات الإيرانيّة داخل الأراضي العراقيّة أيضاً، وعلى حدّ وصف صحيفة "جيروزاليم بوست الإسرائيليّة"، فإنّ القصف الإيرانيّ على مقرّ حزبيّ كرديّ في منطقة كردستان العراق، هو رسالة إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة والسعوديّة وإسرائيل.

وذكرت الصحيفة أنّه "في الوقت الذي تحاول واشنطن الضغط على إيران، يبدو أنّ التهديد يحاول إظهار أنّ إيران تستعرض عضلاتها في وجه العقوبات الأميركيّة".

وحتّى تشكيل حكومة عراقيّة جديدة قادرة على الوقوف بحزم تجاه التدخّلات الخارجيّة في الشؤون العراقيّة، ومنع الاعتداءات، يبقى المشهد العراقيّ مرشّحاً لمزيد من التصعيد بين اللاعبين الكبار في المنطقة، وخصوصاً بين واشنطن وطهران، ولا يمكن توقّع نهاية لهذه المواجهة، بمعزل عن الصراع الدائر في سوريا واليمن ولبنان، وقبل ذلك حسم الملفّ النوويّ الإيرانيّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

عمر ستار كاتب وصحافي عراقي مختص في الشان السياسي عمل لوسائل اعلام محلية وعربية حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept