نبض العراق

الاحتدام الشيعي يتصاعد مع بداية عملية تشكيل الحكومة

p
بقلم
بإختصار
هناك جهتان شيعيّتان إحداهما مدعومة من الولايات المتّحدة الأميركيّة والأخرى من إيران، تتصارعان على منصب رئيس الوزراء في الحكومة المقبلة. وقد يتسبّب هذا الصراع بصدامات شيعيّة-شيعيّة في البلد الذي يعاني عدم الاستقرار منذ عقود.

عقد أعضاء البرلمان العراقيون المنتخبون الجدد جلستهم الأولى في الثالث من سبتمبر. فشل المشرعون العراقيون في انتخاب رئيس للبرلمان بسبب الخلاف حول الكتلة الكبرى. أعلن ائتلاف النصر بقيادة العبادي وائتلاف سائرون بقيادة مقتدى الصدر في الثاني من سبتمبر أنهم جمعوا 180 توقيعًا تجعلهم أكبر كتلة في البرلمان مؤهلة لتشكيل الحكومة. بعد فترة وجيزة ، أعلنت المجموعة المناصرة لإيران بقيادة نوري المالكي وهادي العامري أنهم جمعوا 145 توقيعًا وتم أخذ بعضهم من قائمة العبادي - الصدر من خلال تشجيعهم على الانسحاب منها والانضمام إلى القائمة الأخرى.

وفقاً للدستور ، يجب على البرلمان العراقي أولاً أن ينتخب رئيساً كخطوة أولى نحو تشكيل حكومة جديدة. عُقدت جلسة البرلمان التالية في الرابع من سبتمبر، ولكن حضرها 85 نائباً فقط ، مما أدى إلى قيام الرئيس المؤقت بتأجيل المناقشة حول انتخاب الرئيس للجلسة التالية.

تشهد الساحة العراقيّة أحداث متسارعة تتعلّق بعمليّة تشكيل الحكومة، حيث تتصارع القوى الشيعيّة الرئيسيّة في البلد حول منصب رئيس الوزراء، ممّا ينذر بحصول صراع بين الجناح الشيعيّ المقرّب من إيران، والجناح الثاني المدعوم من الولايات المتّحدة الأميركيّة.

وفي تطوّر ملفت، أصدر رئيس الوزراء حيدر العبادي، في وقت متأخّر من يوم الجمعة في 30 آب/أغسطس أمراً بإعفاء مستشار الأمن القوميّ ورئيس جهاز الأمن الوطنيّ ورئيس هيئة الحشد الشعبيّ فالح الفيّاض من كلّ مناصبه الحكوميّة. وبرّر بيان مكتب رئيس الوزراء هذا الإعفاء بـ"انخراط السيّد فالح الفيّاض بمزاولة العمل السياسيّ والحزبيّ ورغبته في التصدّي للشؤون السياسيّة، وهذا ما يتعارض مع المهام الأمنيّة الحسّاسة التي يتولّاها".

وكان الفياض حليفاً للعبادي، حيث دخلت حركة عطا برئاسته، الانتخابات البرلمانيّة ضمن قائمة النصر تحت قيادة العبادي.

وتسرّبت أنباء عن انشقاق عدد غير قليل من قائمة النصر وانضمامهم إلى جبهة منافسة مقرّبة من إيران تحاول تشكيل الكتلة البرلمانيّة الأكبر، وهي تتشكّل من تحالف الفتح برئاسة هادي العامري ودولة القانون برئاسة نوري المالكي، فضلاً عن جهات أخرى. وأكّدت الحليفة لقائمة الفتح حنان الفتلاوي في 30 آب/أغسطس انضمام الفيّاض إلي جبهتهم. ولكن إلى حدّ الآن، لم يصدر أيّ تأكيد من داخل الكتلة نفسها، على الرغم من تفاقم الخلافات الداخليّة فيها.

وبعد ساعات قليلة من قرار إعفاء الفيّاض من مناصبه الحكوميّة، أصدر تحالف الفتح بياناً قال فيه إنّ إجراءات العبادي تعود إلى عدم تأييد الفيّاض لتجديد الولاية الثانية له. وأكّد البيان: "قرار إعفاء السيّد فالح الفيّاض... يعبّر عن بادرة خطيرة بإدخال الحشد الشعبيّ والأجهزة الأمنيّة في الصراعات السياسيّة وتصفية الحسابات الشخصيّة". ويتشكّل تحالف الفتح من جهات موالية إلى إيران تشكّل أغلب القوى في الحشد الشعبيّ.

وفي مؤشّر آخر إلى حصول خلافات وانشقاقات داخل قائمة العبادي، تسرّبت أنباء عن ترشيح بعض قيادات النصر الفيّاض إلى رئاسة الوزراء. ولكنّ قائمة النصر نفت في بيان صدر في 31 آب/أغسطس تلك الأنباء، ثمّ عادت هذه القيادات وأصدرت بياناً آخر في 2 أيلول/سبتمبر، أكّدت فيه عدم رضاها على قيادة العبادي للقائمة.

وألمحت هذه القيادات بانضمامها إلى تحالف الفتح ودولة القانون، حين أكّدت بالقول: "إنّنا مع أوسع تمثيل للقوى السياسيّة وبتركيبة وطنيّة". وفي اليوم نفسه، أكّد العبادي أنّ الفيّاض لا يمثّل تحالف النصر، وأنّه سيقاضيه إذا تحدّث باسم هذا التحالف.

وتتّهم جبهة الفتح-القانون العبادي بتلقّي الدعم الأميركيّ، ممّا يجعله غير مؤهّل لمنصب رئيس الوزراء. وأكّد مكتب رئيس تحالف الفتح العامري في بيان صدر في 30 آب/أغسطس أنّه التقى المندوب الخاصّ للرئيس الأميركيّ بريت ماكغورك وأبلغه بالتالي: "إذا أصرّيتم على تدخّلكم، سنعتبر أيّ حكومة تشكّل من قبلكم عميلة وسنسقطها خلال شهرين". وعلى الرغم من نفي ماكغورك حدوث هكذا لقاء على الإطلاق، إلاّ أنّ بيان العامري وجّه رسالة تهديد واضحة إلى الجانب الأميركيّ، فضلاً عن العبادي نفسه.

لم تقتصر الخلافات الشيعيّة-الشيعيّة، عشيّة تشكيل الحكومة الجديدة، على المناصب الحكوميّة، بل وصلت إلى القيادات العسكريّة في الحشد الشعبيّ أيضاً.

وحصل خلاف كبير بين نائب رئيس هيئة الحشد الشعبيّ أبو مهدي المهندس، المعروف بقربه من قائد فيلق القدس الإيرانيّ قاسم سليماني من جهة، ورئيس الوزراء العراقيّ من جهة أخرى، إذ أصدر العبادي أمراً في 21 آب/أغسطس تمّ بموجبه إلغاء مضمون كتابيّ هيئة الحشد الشعبيّ، الأوّل يتعلّق بإلغاء محاور عمليّات غرب نينوى وشرق نينوى وبيجي ونقل اللواء المتواجد في سنجار، والآخر يتضّمن إخراج مقرّات الألوية من المدن وفكّ ارتباط ألوية الحشد الشعبيّ بمؤسّسات أخرى من ضمنها العتبات المقدّسة. وكانت ألوية الحشد الشعبيّ التابعة إلى العتبات قد أعربت عن عدم رضاها على قرار هيئة الحشد الشعبيّ هذا.

ومن العروف أنّ ألوية العتبات هي على خلاف كبير مع المهندس، وقريبة من رئيس الوزراء العبادي. وتذهب التقارير الدوليّة إلى القول إنّ قرارات هيئة الحشد الشعبيّ جاءت لإرضاء الكتل السنّيّة لضمّها إلى محور الفتح-القانون. وأكّد العباديّ في لقاء مع قيادات الحشد الشعبيّ في 24 آب/أغسطس، وبعد إلغاء القرارات المذكورة أعلاه، ضرورة عدم تسييس الحشد الشعبيّ.

وعقب أمر رئيس الوزراء بإلغاء قرارات هيئة الحشد الشعبيّ، انتشرت أخبار حول تجميد العبادي صلاحيّات المهندس، ممّا جعل فصائل مهمّة في الحشد الشعبيّ تهدّد العبادي، على الرغم من أنّه القائد لهذه القوّات طبقاً لقانون الحشد الشعبيّ.

واعتبر المسؤول الأمنيّ في كتائب حزب الله أبو علي العسكري، في 29 آب/أغسطس، "محاولة إقصاء" نائب رئيس هيئة الحشد الشعبيّ بأنّها "ستفتح صراعاً لن ينتهي". ومن جهته، قال المتحدّث باسم الحشد الشعبّي محور الشمال، علي الحسيني في اليوم نفسه، إنّهم لا يسمحون بأيّ "تجاوز على المهندس" من أيّ كان.

وتنبئ هذه التطوّرات والتهديدات بحدوث صدام مسلّح بين جهات شيعيّة على النقيض من بعضها البعض. وحذّرت مجموعة دراسات الحروب الأميركيّة في 28 آب/أغسطس من حصول صدامات دامية في حال وصلت محاولات تشكيل الحكومة إلى الطريق المسدود.

ومن جانبه، حذّر المالكيّ في بيان صدر في 1 أيلول/سبتمبر من اقتتال داخليّ "لن ينجو منه أحد"، في حال عدم إيقاف "التدخّلات الخارجيّة". وفي كلام يبدو موجّهاً إلى العبادي، أضاف المالكي: "ويؤسفني أن يستمع أخوة الطريق والمصير إلى المخطّطات الخارجيّة التي تبدو داعمة لهم، على الرغم من علمهم أنّها مكر وخديعة للجميع".

والحال أنّه مع قرب موعد تشكيل الحكومة الجديدة، طفت على السطح خلافات كثيرة بعضها شخصيّة وأخرى حزبيّة وخلافات بين الدول الأجنبيّة في الساحة السياسيّة العراقيّة، ممّا يجرّ العراق إلى دوّامة صراعات معقّدة ومتشابكة، لم تنج منها البلاد منذ عقود.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

حمدي ملك هو محلّل شؤون الشرق الأوسط في قناة إيران إنترناشنال. وله خبرة تفوق العقد من الزمن في مجال التحليل السياسيّ، حيث عمل مع أبرز القنوات والصحف الناطقة باللغة العربيّة والإنجليزيّة والفارسيّة. أيضاً عمل مع مراكز دراسات بارزة، كمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الإجتماع من جامعة كييل البريطانية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept