أجور الموظّفين الحكوميّين بين الزيادة وإعادة الهيكلة وتصفية القطاع الحكوميّ

قرّر تحالف الأغلبيّة في مجلس النوّاب تبنّي مقترح الحكومة بتعديل قانون الخدمة المدنيّة، بما يسمح بزيادة أجور الموظّفين الحكوميّين، في وقت ظنّ فيه العديد من الخبراء والمراقبين الاقتصاديّين أنّ الدولة تستهدف خلق بيئة طاردة للموظّفين الحكوميّين بهدف خفض العمالة الحكوميّة.

al-monitor .

سبت 20, 2018

القاهرة – أعلن تحالف "دعم مصر"، وهو تحالف الأغلبيّة في مجلس النوّاب المصريّ، عن نيته إدخال تعديلات قانونية في دور الانعقاد الرابع لمجلس النوّاب والمقرّر انطلاقه في مطلع تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018 على أن تساهم التعديلات في رفع أجور موظّفي الحكومة.

أشار رئيس لجنة المقترحات والشكاوى بالتحالف ورئيس نفس اللجنة بمجلس النواب نفسه همام العادلي في تصريحات صحفية في 7 أيلول/سبتمبر، أن البرلمان سيسعى لإقرار قوانين جديدة ومنها قانون لتعديل القانون رقم 81 لسنة 2016 والمعروف بقانون "الخدمة المدنيّة"

وقال وزير الماليّة محمّد معيط في تصريحات صحافيّة بـ27 آب/أغسطس: إنّ الحكومة ووزارة الماليّة شكّلتا بالفعل لجنة لإصلاح أجور الموظّفين الحكوميّين، وإنّ اللجنة بدأت بالفعل عملها بجمع البيانات عن أجور الموظّفين في الوزارات والهيئات الحكوميّة.

وأشار إلى أنّ دور اللجنة هو سدّ الثغرات التي نتجت من تطبيق القانون رقم 81 لسنة 2016، والذي أدّى إلى تحويل الحوافز والبدلات والمكافآت وغيرها من بنود الأجر المتغيّرة إلى فئات ماليّة مقطوعة (مبالغ ثابتة)، بعد أن كانت نسباً من الأجر الأساسيّ.

وأشار مصدر في وزارة الماليّة، مفضّلاً عدم ذكر اسمه، في حديث لـ"المونيتور"، إلى أنّ ربط الحوافز والبدلات والمكافآت بنسبة من الراتب الأساسيّ كان يدرّ على الموظّف الحكوميّ دخلاً أكبر، وقال: "على سبيل المثال، لو كان يتقاضى موظّف حكوميّ في عام 2017 حوالى 3 آلاف جنيه (167.6 دولار) كراتب ثابت، إضافة إلى نسبة 15 في المئة من راتبه (أيّ 450 جنيهاً) (25 دولار) لكلّ بند من البنود غير الثابتة مثل الحوافز والبدلات والمكافآت، فسنجد أنّ إجماليّ دخله كان سيصل إلى 4 آلاف و350 جنيهاً (243 دولار) (3000 كراتب أساسيّ + 450 حوافز + 450 مكافآت + 450 بدلات)".

أضاف: "مع زيادة الراتب الأساسيّ لذلك الموظّف في عام 2018 بنسبة 10 في المئة ليصل إلى 3 آلاف و300 جنيه (184.34 دولار)، نجد أنّ كلّ البنود غير الثابتة ترتفع بالتبعيّة ليكون إجماليّ دخله 4 آلاف و785 جنيهاً (267 دولار) (3300 راتب أساسيّ + 495 حوافز (27.65 دولار) + 495 مكافآت + 495 بدلات)، لكنّ قانون الخدمة المدنيّة قرّر تحويل البنود المتغيّرة إلى رقم ثابت ليكون 450 جنيهاً (25 دولار)، أيّ أنّ إجماليّ الدخل في عام 2018 سيبلغ 4650 (260 دولار) (3300 راتب أساسيّ + 450 حوافز + 450 بدلات + 450 مكافآت)، وهو ما يقلّ عن دخله في النظام القديم حوالى 135 جنيهاً (7.5 دولار)، أيّ بنسبة 3 في المئة من إجماليّ المتوقّع في السابق".

ولفت المصدر إلى أنّ الأضرار كانت طفيفة بالنّسبة إلى بعض الموظّفين، إلاّ أنّ شريحة كبيرة قد تضرّرت، خصوصاً الشرائح التي كانت تتقاضى نسباً أكبر من الراتب الأساسيّ كحوافز وبدلات ومكافآت ربّما تصل إلى 75 في المئة أو 100 في المئة، مشيراً إلى أنّ لجنة إصلاح الأجور ستحاول تعويض الموظّفين الحكوميّين عمّا لحق بهم من أضرار منذ إقرار قانون الخدمة المدنيّة في عام 2016 حتّى الآن. كما ستضع استراتيجيّة لزيادة الأجور من العام الماليّ الحاليّ حتّى العام الماليّ 2021/2022، على أن يتولّى مجلس النوّاب من خلال تعديل قانون الخدمة المدنيّة تطبيق تلك الاستراتيجيّة.

ورأى رئيس منتدى البحوث الاقتصاديّة المصريّ رشاد عبده أنّ زيادة أجور الموظّفين الحكوميّين تتعارض مع جوهر قانون الخدمة المدنيّة، موضحاً في حديث لـ"المونيتور" أنّ فلسفة قانون الخدمة المدنيّة قائمة على خفض العمالة الحكوميّة عن طريق خلق بيئة طاردة للموظّفين من خلال خفض الأجور، لتشجيعهم على الالتحاق بالقطاع الخاص وترك الحكومة.

وأشار إلى أنّ كلّ تلك الإجراءات تستهدف في النهاية خفض ميزانيّة الأجور، التي تتحمّلها الدولة والمقرّر لها 270 مليار جنيه (15.08 مليار دولار) في الموازنة العامّة المقرّرة للعام الماليّ 2018/2019، بينما تستهدف الدولة حوالى 989 مليار جنيه (55.25 مليار دولار) في الموازنة نفسها كإيرادات، وهو ما يعني أنّ ميزانيّة الأجور ستلتهم حوالى 27 في المئة من إجماليّ الإيرادات، موضحاً أنّها النّسبة نفسها (الـ27%، أي نسبة الأجور من إجمالي الإيرادات) التي كانت تمثّلها الأجور من إجماليّ الإيرادات في موازنات ما قبل عام 2016، أيّ ما قبل تطبيق قانون الخدمة المدنيّة، رغم أنّ القانون أدّى إلى تراجع أعداد الموظّفين الحكوميّين من 7 مليون إلى 5.7 مليون منذ عام 2016 حتّى الآن.

واختتم تصريحاته قائلاً: "ما سبق يعني أنّ ما كان بإمكان الدولة أن توفّره من ميزانيّاتها، التي يجب أن تتّجه إلى الصحّة والتعليم وتطوير البنية التحتيّة والخدمات، أصبح ينفق من جديد كأجر أكبر لعدد أقلّ من الموظّفين، وهو ما سيجعل الموظّف الحكوميّ يتمسّك بوظفيته الحكوميّة".

من جهته، لفت الخبير الاقتصاديّ شريف الدمرداش في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ زيادة الأجور الحكوميّة مصطلح خادع لأنّ زيادتهاعموماً تحمّل الدولة مصاريف عدّة في غير أوجهها الصحيحة، مؤكّداً أنّها تؤدّي أيضاً إلى ارتفاع التضخّم، إذ أنّ "التضخّم ينتج من زيادة الأسعار، مقترنة بنموّ القوى الشرائيّة لدى بعض المواطنين، نتيجة زيادة مدخولهم، وبالتالي ستبقى الأسعار مرتفعة بما أن القدرة الشرائية ستضمن مستوى مرتفع من الطلب."

وأشار إلى أنّ الحلّ ليس بزيادة الأجور أو بتعويض الموظّفين الحكوميّين عن آثار الخدمة المدنيّة، وإنّما بإعادة هيكلة الأجور، بحيث تخفّض أجور بعض الموظّفين الحكوميّين الذين يتقاضون عشرات الآلاف مع رفع أجور الموظّفين الحكوميّين الذين يتقاضون أجوراً غير عادلة.

واتّفق معه في الرأي الخبير الاقتصاديّ والمستشار الماليّ لعدد من المؤسّسات الاستثماريّة وائل النحّاس، إذ قال لـ"المونيتور": هناك موظفيين حكوميين لم يتضرّروا من آثار الإصلاح الاقتصاديّ ولا يستحقّون التعويض عنها أو عن قانون الخدمة المدنيّة، بينما يستحقّ آخرون دعماً ضخماً لتجاوز تلك المرحلة.

بدوره، أشار أمين سرّ لجنة الخطّة والموازنة في مجلس النوّاب عصام الفقي إلى أنّه تقدّم بفكرة خفض الأجر الأساسيّ مع رفع قيمة الحوافز والعلاوات والمكافآت والبدلات وربطها بالإنتاج في القطاعات الصناعيّة والزراعيّة أو بإجماليّ المهام المنجزة ومستوى أدائها ورضى المواطنين عن الجهات الخدميّة، معتبراً أنّ ذلك المقترح يحقّق المعادلة الصعبة في خلق بيئة عمل طاردة لغير الراغبين في العمل بجدّ واجتهاد، الأمر الذي يوفّر للدولة نفقاتها مع إعطاء الموظّفين الأكفّاء حقوقهم والحفاظ عليهم.

بودكاست

فيديو