نبض مصر

تراب الماس"... من عبد الناصر إلى دولة 30 حزيران/يونيو... "آل الزهّار" يلاحقون الجميع

p
بقلم
بإختصار
ستقبل الجمهور المصريّ فيلم "تراب الماس" بالإقبال على دور العرض التي تستضيفه، ويحمل الفيلم العديد من الانتقادات السياسيّة الحادّة للحياة السياسيّة في مصر منذ دولة 23 تمّوز/يوليو من عام 1952 حتّى دولة 30 حزيران/يونيو من عام 2013.

القاهرة – يبدو إن تناول المحطات البارزة في تاريخ مصر الحديث على الشاشة الفضية للسينما ما زال أمرا شائكا، وهو ما تدلنا عليه تجربة الروائي والسيناريست أحمد مراد والمخرج السينمائي مروان حامد في فيلم "تراب الماس"، الفيلم السياسي التشويقي، الذي استطاع أن يحقق حوالي 27.6 مليون جنيه (1.5 مليون دولار)، يوم 19 أيلول/سبتمبر 2018، بعد 5 أسابيع من بدء عرضه. 

تراب الماس أحد أخطر السموم، نظراً لقدرته على القتل ببطء وبالتدريج من دون أن يترك أثراً لأيّ جريمة، وربّما كان الاختيار الأمثل لأحمد مراد، مؤلّف الرواية وسيناريست الفيلم اللذين يحملان اسم السمّ نفسه، للإسقاط على حركة الضبّاط الأحرار في 23 تمّوز/يوليو من عام 1952، التي ربّما يعتبرها مراد سمّاً ما زال يتغلغل في أعماق الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، مدمّراً المجتمع المصريّ بالتدريج وفي الخفاء.

ويعتبر سمّ تراب الماس الأخطر لأنّ غراماً واحداً منه هو كفيل بالتغلغل في الجهاز الهضميّ، صانعاً العديد من الشظايا التي تدمّر أجهزة الجسم من دون أن يترك أثراً لأيّ جريمة، إذ أنّ تلك الأعراض تحتاج إلى أيّام عدّة، وربّما أسابيع للظهور.

ومن أهم المشاهد التي تعبر عن وجهة نظر مراد في حركة 23 تموز/يوليو 1952، مشهد قراءة طه الزهار، بطل الرواية والفيلم، لمذكّرات والده حسين الزهار عن حركة الضباط الأحرار، والتي جاء فيها: "شالوا ملك وجابوا مليون ملك، وغدروا بقائدهم محمّد نجيب، وورّطوا البلاد في العدوان الثلاثيّ وهزيمة ٦٧، وهم سبب الفساد الذي انتشر في ربوع الوطن"، وللإشارة فمحمد نجيب هو القائد الأول للضباط الأحرار وأول رئيس جمهورية لمصر بعد حركة الضباط الأحرار في 23 تموز/يوليو 1952، ولكن تنظيم الضباط الأحرار أطاح به لاحقا من رئاسة الجمهورية عام 1954.

تدور قصّة الرواية والفيلم حول طه (آسر ياسين) الصيدليّ المسالم، الذي يقتل والده المقعد في ظروف غامضة، ليكتشف أنّ والده حسين الزهّار (أحمد كمال)، الذي ولد في خمسينيّات القرن الماضي كان يسعى إلى الانتقام من شبكة فساد واستغلال للقوة والنفوذ السياسي باستخدام سم تراب الناس لإنه كان يرى إن تلك الشبكة وراء تدهور أحوال مصر وأحواله الشخصية، وتمتد بعض عناصر تلك الشبكة إلى فترة الخمسينيات، حين كانت حركة الضباط في 23 تموز/يوليو 1952، بينما ينتمي جانب آخر من عناصرها إلى الأنظمة المتلاحقة على الحركة، كما يكتشف إن والده ترك له كمية من سم تراب الماس ليستكمل رحلة انتقامه.

ورغم أنّ القصة تبدو عاديّة وأشبه بأيّ صراع بين مجموعة من الشرفاء ضدّ الفاسدين، إلاّ أنّ الفيلم من خلال العديد من المشاهد والحوارات عبّر عن وجهة نظر صنّاعه بوضوح في ما يتعلّق باعتبارهم حركة الضبّاط في عام 1952 سبب ذلك الفساد. ومن بين تلك المشاهد، مشهد قراءة طه لمذكّرات والده السابق ذكره، إضافة إلى المشهد الذي يتحدّث فيه الإعلاميّ شريف مراد (إياد نصّار) عمّا أسماه بـ"انقلاب الضبّاط الأحرار على نجيب عندما قرّر عودة القوّات المسلّحة إلى ثكناتها وعودة السلطة للمدنيّين لتأسيس حياة ديموقراطيّة".

ويعتبر الفيلم الأوّل من نوعه في وصف حركة تمّوز/يوليو من عام  1952 بـ"الانقلاب"، بما يتنافى مع اعتبار الدولة لها بشكل رسميّ أنّها ثورة. كما يعتبر الأوّل من نوعه في حدّة انتقادها، إذ اعتادت الأعمال السينمائيّة انتقاد سياسة جمال عبد الناصر أو الأنظمة التي تلته من دون انتقاد الحركة نفسها.

وقابل العديد من النقّاد الناصريّين والمؤيّدين لحركة 1952 الفيلم بانتقادات لاذعة، إذ كتب الناقد السينمائيّ في جريدة "القاهرة" مجدي الطيّب عبر حسابه الشخصيّ على "فيسبوك" في 19 آب/أغسطس الآتي: "تراب الماس فيه سمّ قاتل.. تبنّى موقفاً مناهضاً لثورة 1952.. وأظهر تعاطفاً صارخاً مع اليهود لدرجة أضرّت بجماليّاته كواحد من أفلام الجريمة".

واتّفق معه في الرأي الكاتب الصحافيّ في جريدة "الكرامة" الناصريّة محمّد بدر الدين، إذ قال في صفحته على "فيسبوك" بـ23 آب/أغسطس: إنّ الفيلم "خبيث"، ويسعى إلى تمجيد شخصيّة محمّد نجيب على حساب عبد الناصر، مستنداً في ذلك إلى مصدر واحد هو مذكّرات نجيب نفسه من دون أيّ دليل آخر.

أمّا أستاذ النقد في المعهد العاليّ للسينما طارق الشنّاوي فقال لـ"المونيتور": إنّ الفيلم يحمل رؤية سياسيّة جريئة، وإن كانت بالنّسبة إلى العديد من المشاهدين غير مكتملة، لأنّهم يعتبرون أنّها تطرقت إلى مساوئ عبد الناصر من دون مميّزاته وتمجيد نجيب من دون مرجعيّة لذلك.

أضاف: "السينما المصريّة عانت كثيراً من عهد عبد الناصر، الذي سخّر السينما لترويج أفكار حركة تمّوز/يوليو ومنع أيّ أفكار مختلفة. وتدريجيّاً، أخذت السينما في التحرّر من تلك القيود، عندما قدّمت "الكرنك"، الذي انتقد عهد عبد الناصر أو "أهل القمّة" الذي انتقد الانفتاح في عهد السادات".

وأوضح أنّ "تراب الماس" يعتبر تكليلاً لنهاية مشوار التحرّر من قيود تمّوز/يوليو 1952 وعهد عبد الناصر لأنّه الفيلم الأوّل الذي ينتصر لطرح رؤية معارضة لثورة تمّوز/يوليو، وليس الأنظمة التي أخفقت في الحفاظ على مبادئها.

ورغم أنّ أحداث رواية "تراب الماس" تدور في 2010، إلاّ أنّ سيناريو الفيلم عدّلها لتدور في 2018، ربما ليوجه انتقاداته إلى دولة 30 حزيران/يونيو 2013، حين يصف حسين الزهار في مذكّراته وليد سلطان (ماجد الكدواني) العقيد في الشرطة بـ"الشيطان الأكبر"، وحين يتحدّث حسين عن الغراب بوصفه الطائر الأشرف لكونه الوحيد الذي يعاقب أحد أعضاء عشيرته عندما يخطئ، وهو ما ربّما يحمل إسقاطاً غير مباشر على رفضه غياب العدالة في محاسبة بعض الفاسدين في جهاز الشرطة مثل وليد سلطان، إذ أنّ طائر النسر، الذي تتّخذه أجهزة الشرطة شعاراً منذ عام 1952، ليس من بين الطيور التي تعاقب أفراد عشيرتها إن أخطأوا.

ومن بين المشاهد لقطة لصحيفة جاء فيها حوار لمحروس برجاس (عزّت العلايلي)، وهو نائب برلمانيّ فاسد قتله حسين، وهو يقول: "التعديلات الدستوريّة في صالح المواطن"، في إشارة إلى دعوة بعض نوّاب البرلمان المؤيّدين لعبد الفتّاح السيسي إلى تعديل الدستور لتمديد فترات الرئاسة.

ومررت أجهزة الرقابة الفيلم دون أي تعديلات عليه رغم ما فيه من إسقاطات ناقدة للحياة السياسية والاجتماعية حاليا. ورغم إن تلك الانتقادات مرت خاطفة كالبرق ودقيقة كإبرة في كومة قش بين أحداث الفيلم، إلا إنه يصعب التصديق إن المسئولين المخضرمين في الرقابة لم يستطيعوا إدراكها، مما يؤكد إن دولة 30 حزيران/يونيو أصبحت أكثر تقبلا للنقد. وفي هذا السياق، كتب الناقد شريف ثابت، وهو مؤلّف كتاب "أفلام فترة النقاهة"، في تدوينة بـ20 آب/أغسطس: "طرح نموذج ضابط الشرطة المنحرف اقترن بالتأكيد على أنّه استثناء، بدليل محاسبته وإقالته، ممّا يدفع نحو استيعاب العقليّة الرقابيّة وشروط استعدادها لتقبّل وعرض النقد السياسيّ".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept