نبض فلسطين

على الرغم من انخفاضه... حرق الخردة كارثة صحّيّة وبيئيّة على الرغم من الأرباح الماليّة

p
بقلم
بإختصار
تعدّ تجارة الخردة عصب الحياة الاقتصاديّ لعدد من البلدات في جنوب الضفّة الغربيّة، حيث يعمل آلاف المواطنين فيها، موفّرة لهم دخلاً مادّيّاً جيّداً، لكنّها على المستوى نفسه ألحقت أضراراً بيئيّة وصحّيّة خطيرة للغاية بسبب اللجوء إلى حرقها، ممّا دفع السلطات المحلّيّة إلى مكافحتها.

رام الله، الضفّة الغربيّة — قررت القنصلية السويدية في الأراضي الفلسطينية، تجديد تمويلها لمشروع متابعة حرق مخلفات الخردة والحد منها وايجاد الحلول الملائمة لها في بلدة اذنا في محافظة الخليل جنوب الضفة الغربية والذي تبلغ قيمته 6 آلاف دولار لمدة 3 شهور، وفق ما اكده رئيس البلدية معمر طميزة لـ"المونيتور".

واكد طميزة أن القنصلية السويدية أبلغتهم بشكل رسمي في 9 آب/أغسطس بقرارها تجديد منحتها لمدة 3 أشهر جديدة، والمخصصة لدفع رواتب مفتشين عينتهم البلدية من أجل مكافحة وملاحقة المتورطين في عملية حرق الخردة.

وأضاف طميزة "أن القنصلية السويدية بدأت بتمويل البرنامج منذ بداية أيار/مايو 2018 بعد زيارة قام بها وفد من القنصلية للبلدة في 25 نيسان/ابريل، وهي ابلغتنا في 9 آب \أغسطس تجديد المشروع بذات القيمة لثلاثة اشهر جديدة"

يخصّص الشابّ الفلسطيني م.أ.، الذي رفض الكشف عن هويّته خشية الملاحقة والمساءلة، (32 عاماً)، من بلدة إذنا في جنوب الضفّة الغربيّة، يوماً واحداً من كلّ أسبوع لحرق (الخردة) ما يقوم بتجميعه وشرائه من أسلاك وكوابل كهربائيّة مغلّفة بالبلاستيك والمطّاط، للحصول على النحاس وبيع المعدن الخام، وفق ما قاله لـ"المونيتور".

ويعمل الشابّ بالخردة منذ أكثر من 10 سنوات، ويجني أرباحاً جيّدة تختلف حسب الكمّيّة التي يقوم بحرقها وسعر النحاس في السوق.

ويقصد بالخردة ، كلّ المواد والأدوات المستخدمة، كالأدوات الكهربائيّة والإلكترونيّة وأسلاك وكوابل الكهرباء ومولّدات السيّارات، حيث يتمّ فرزها حسب نوعيّتها وصلاحيّة عملها، وبعد ذلك تباع المواد الصالحة للاستخدام في محلّات (التجزئة)، أمّا الأدوات التالفة فيتمّ حرقها للحصول على المعادن، في الأسلاك والكوابل الكهربائية تحرق للحصول على النحاس، والأدوات الإلكترونية تحرق للحصول على بعض الفضة، اضافة الى الحديد والالمنيوم.

وينخرط المئات في منطقة الخطّ الغربيّ (قرى إذنا، دير سامت، بيت عوا) من محافظة الخليل في جنوب الضفّة الغربيّة، في تجارة الخردة، حيث يشترونها بأسعار رخيصة من إسرائيل أو يتمّ تهريبها من التجّار، لاستخراج المعادن سواء النحاس من الأسلاك والكوابل، أم الألمنيوم والحديد، وبيعها إلى التجّار كمواد خامّ، والذين بدورهم يبيعونها إلى التجّار الإسرائيليّين.

وحوّلت هذه الظاهرة قرية إذنا قرب معبر ترقوميا الذي تدخل منه البضائع، مركزاً لتجميع الخردة، الأمر الذي انعكس على الناحية الاقتصاديّة والبيئيّة والصحّيّة للبلدات الفلسطينيّة.

وقال الناطق الإعلاميّ باسم تجّار الخردة في إذنا أحمد أبو جحيشة (53 عاماً) ويعمل بالخردة منذ 28 عاماً، لـ"المونيتور" إنّ اقتصاد البلدة يعتمد في شكل أساسيّ على الخردة"، وأضاف "يعمل في الخردة 1800 عامل بين رجل وفتى وامرأة، كما يوجد في البلدة 317 محلّ (تجزئة) يعمل في الخردة سواء ببيعها كاجهزة مستعملة صالحة للاستخدام او بالتخلص منها وتدويرها سواء بحرقها أو فكفكتها ، مشيراً إلى أنّ 95% من الخردة يتمّ جلبها من إسرائيل، وبعد تدويرها في البلدة تباع المواد الخامّ إلى إسرائيل عبر تجّار فلسطينيّين في القدس.

وأشار أبو جحيشة إلى أنّ تجارة الخردة تعدّ عصب الحياة الاقتصاديّة للبلدة، لأنّها قضت على البطالة، فالعامل في حرق الأسلاك الكهربائية او العامل في محلات التجزئة يحصل على إيجار يوميّ يناهز 60 دولاراً، لافتاً إلى أنّ تجار المنطقة في (اذنا، دير سامت، بيت عوا) يشترون خردة يوميا بقيمة مليوني شيكل ( 550,000 دولار)، بينما تبلغ حجم المبيعات بعد تدويرها وبيعها 4 ملايين شيكل يوميّاً (1،1 مليون دولار).

وحول عمليّات الحرق، قال أبو جحيشة: "الحرق انخفض في شكل كبير وصل إلى 80%، حيث يتم الآن استخدام آلات خاصّة لفرم وقص الأسلاك الكهربائيّة، الى قطع صغيرة لا يتجاوز طول القطعة 1 سم لكنّ العديد من التجّار والعمّال يواصلون حرق الاغطية البلاستيكية التي تغلف الكوابل والاسلاك للحصول على النحاس".

من جانبه قال تامر أبو جحيشة (32 عاماً) من إذنا، لـ"ألمونيتور" ، "أدير المصنع الوحيد في البلدة لإعادة تدوير الأسلاك الكهربائيّة ومعالجتها بطريقة تراعي الشروط الصحّيّة والبيئيّة، من خلال ماكينات خاصّة تعمل على تقطيع الأسلاك، وبعد ذلك الاعتماد على ضغط الهواء في الماكينات لفصل المعدن عن البلاستيك بدلاً من الحرق".

وعلى الرغم من أنّ عمر المصنع 5 أعوام، إلّا أنّ الإقبال عليه ازداد في العام الأخير فقط، ممّا يشير حسب أبو جحيشة إلى بداية إدراك العاملين في هذا المجال أضرار عمليّة الحرق، لافتاً إلى أنّه يفرم بين 100 و150 طنّاً شهريّاً من الأسلاك.

ولأنه يملك المصنع الوحيد في بلدة اذنا، فأن أبو جحيشة يتعامل من الناحية التجارية في مصنعه بطريقتين، فهو اما يشتري الأسلاك والكوابل المغطاة بالبلاستيك ومن ثم يقوم بفصلها عن النحاس في مصنعه لحسابه الخاص، او يقوم بتلك العملية لبقية التجار في البلدة والبلدات المجاورة، فهم يأتون باسلاكهم إلى المصنع ليطحنها ويفصل البلاستيك عن النحاس مقابل إيجار 500 شيكل (137 دولاراً) لكلّ طنّ.

وأكّد أبو جحيشة أنّ عمليّات الحرق مستمرّة في البلدة والبلدات المجاورة، والقضاء عليها في شكل نهائيّ مستحيل، مضيفاً: "قبل عام، كانت سماء البلدة عبارة عن غيمة سوداء ضخمة بسبب الحرق، لكنّ الحرق انخفض اليوم وباتت السحابة أقل".

وفي ضوء ما تشكّله ظاهرة حرق الخردة من أضرار بيئيّة وصحّيّة، فإنّ السلطات المحلّيّة في الخليل، سواء بلديّة إذنا أم سلطة جودة البيئة في المحافظة، تعمل على محاربتها، إذ قال مدير مكتب سلطة جودة البيئة في الخليل بهجت جبارين لـ"المونيتور": ان "مكافحة الجوانب السلبيّة في تجارة الخردة على سلمّ أولويّاتنا الاستراتيجيّة في محافظة الخليل، والتي تشهد تهريب النفايات بأنواعها كافّة، ومنها النفايات الإلكترونيّة والخردة والتي تتسبب بأضرار بيئية بسبب الطرق الخطأ في التعامل معها"، لافتاً إلى أنّ 90% من النفايات الخطرة في الضفّة الغربيّة مصدرها إسرائيل.

وأضاف جبارين أنّ حرق المواد الإلكترونيّة والكهربائيّة للحصول على المعادن خلّف آثاراً صحّيّة وبيئيّة خطيرة، لافتاً إلى أنّ عشرات الدونمات الزراعيّة تحوّلت إلى أراضٍ ملوّثة غير صالحة للزراعة، كما طال التأثير ينابيع المياه الجوفيّة والآبار والأشجار والنباتات الرعويّة، مشيراً إلى أنّ عمليّة الحرق تتمّ خلسة في مناطق مصنّفة "ج" القريبة من جدار الفصل، والتي لا تصلها الشرطة الفلسطينيّة. ان مناطق (ج) تخضع لسيطرة ادارية وامنية اسرائيلية كاملة بموجب اتفاق أوسلو .

وتعود ظاهرة حرق الخردة في بلدة إذنا إلى 25 عاماً، حسب ما قال رئيس البلديّة معمّر طميزة لـ"المونيتور"، بسبب موقعها المحاذي لمعبر ترقوميا الإسرائيليّ المخصّص لنقل البضائع، ممّا حولها إلى مركز للخردة والنفايات الإسرائيليّة والتي تتوزّع منها إلى المناطق الأخرى. وفق ما قاله طميزة.

وحول الأضرار الصحية لحرق الخردة، قال طميزة: "سجّلت البلدة ارتفاعاً غير مسبوق بالمصابين بمرض السرطان، حتّى باتت من أعلى المعدّلات في فلسطين، وكذلك أمراض الربو والإجهاض المبكر، بسبب تلوّث مئات الأراضي التي أصبحت غير صالحة للزراعة وكذلك مصادر المياه المختلفة من ينابيع وآبار"، مضيفاً: "كمّيّات كبيرة من زيت الزيتون يتمّ إتلافها سنويّاً لعدم صلاحيّتها للاستهلاك الآدميّ بسبب تلوّثها، ولذلك نحن نعمل بكلّ الطرق لمكافحتها".

وأشار طميزة إلى أنّ بلدية اذنا ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة بتسيير دوريّة رقابة على مدار الساعة لمكافحة ظاهرة الحرق بالشراكة مع الأجهزة الأمنيّة والبلديّات والأجهزة الرقابية والتفتيشية في محافظة الخليل.

وفي السياق ذاته، وظّفت البلديّة فرقة أمن خاصّ منذ أيّار/مايو بمنحة سويدية قدرها 6000 دولار شهريا ولمدّة 3 أشهر متتالية قابلة للتجديد وتخصص كرواتب لموظّفي الأمن، للقيام بحملات يومية وعلى مدار الساعة لمراقبة من يقومون بالحرق وملاحقتهم مضيفاً " ان من يتمّ ضبطه، يقدّم اسمه إلى الشرطة والأمن الفلسطينيّ".

وعلى الرغم من أهمّيّة تجارة الخردة اقتصاديّاً ونجاحها في القضاء على البطالة في البلدات الثلاث (اذنا، بيت عوا، دير سامت)، إلّا أنّه يتوجّب على السلطات المحلّيّة تشديد مراقبتها على دخول تلك البضائع ومعرفة نوعيّتها وكيفيّة التعامل معها، بما يمنع إلحاق أيّ ضرر ببيئة المجتمع وصحّة أفراده.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept