إمرأة عن حركة النهضة الإسلاميّة تكسر عقوداً من احتكار الذكور لرئاسة بلديّة تونس

p
بقلم
بإختصار
مثّل فوز مرشّحة حركة النهضة الإسلاميّة سعاد عبد الرحيم كالمرأة الأولى التي تترأّس بلديّة تونس العاصمة أو ما يعرف بـ"مشيخة مدينة تونس"، حدثاً غير مسبوق في تاريخ البلاد، لكنّه لم يخل من جدل بين الأوساط السياسيّة والنخب النسويّة المناصرة لقضايا المرأة حول أهليّتها للظفر بهذا المنصب.

تونس - استطاعت مرشّحة حركة النهضة الإسلاميّة سعاد عبد الرحيم أن تفوز برئاسة بلديّة تونس العاصمة برتبة "شيخ المدينة" لخمس سنوات قادمة

في إنجاز تاريخيّ لم تسبقها فيها سيّدة أخرى منذ إنشاء بلديّة العاصمة في 30 آب/أغسطس 1885، حيث ظلّ هذا المنصب حكراً على الذكور-عبر آليّة التعيين المباشر- إلى حدود 3 تمّوز/يوليو 2018، تاريخ انتخاب عبد الرحيم بعد فوزها في انتخابات رئاسة بلديّة العاصمة والتي تمت على دورتين في نفس اليوم .

وتنافس في الدورة الأولى في 3 تموز/يوليو 2018 4 مرشّحين ممثّلين عن 4 أحزاب هي نداء تونس وحركة النهضة والجبهة الشعبيّة والتيّار الديمقراطيّ (3 مرشّحين ذكور ومرشّحة أنثى واحدة)، وفازت مرشّحة حركة النهضة (امرأة) بـ26 صوتاً ومرشّح نداء تونس بـ22 صوتاً ومرشّح التيّار الديمقراطيّ بـ8 أصوات ومرشّح الجبهة الشعبيّة بـ4 أصوات. ويبلغ العدد الجملي لأعضاء المجلس البلدي 60 عضوا.

وانحصر التنافس في الدورة الثانية في نفس التاريخ بين مرشّح نداء تونس كمال إيدير وحركة النهضة سعاد عبد الرحيم لتحقّق فوزاً تاريخيّاً بـ26 صوتاً مقابل 22 صوتاً لمرشّح نداء تونس.

وسجل كل من أعضاء المجلس البلدي عن حزب الجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي انسحابهم - وعددهم 12 عضوا بلديا - من جلسة التصويت بسبب تحفظهم على مرشحي النداء والنهضة، ليتم اعلان فوز مرشحة النهضة.

في نتائج الانتخابات البلديّة لتونس العاصمة في 6 أيّار/مايو 2018 حصلت النهضة على 21 مقعدا بلديا تلتها نداء تونس ب17 مقعدا ثم التيار الديمقراطي 8 مقاعد والاتحاد المدني 6 مقاعد والجبهة الشعبية 4 مقاعد وقائمة مدينتي المستقلة 4 مقاعد ليكون العدد الجملي 60 مستشارا بلديا.

وأكّدت سعاد عبد الرحيم (53 عاماً)، من مواليد محافظة صفاقس جنوب تونس، صيدلانيّة وأمّ لولدين، في تصريح إلى "المونيتور" أنّ فوزها يعدّ فوزاً لكلّ امرأة تونسيّة بغضّ النظر عن الانتماء الحزبيّ والأيديولوجيّ.

وأضافت: "سعيدة بأن أكون المرأة التونسيّة الأولى التي تعتلي هذا المنصب الرفيع الذي ظلّ لعقود حكراً على الذكور، وأن أكون أيضاً مرشّحة عن حركة النهضة وقواعدها الذين منحوني هذه الثقة".

وكانت وزيرة المرأة في تونس نزيهة العبيدي قد هنّأت في تدوينة لها عبر صفحتها الرسميّة على "فيسبوك" 3 تموز/ يوليو 2018عبد الرحيم بالفوز وأكّدت أنّ "فوزها يعكس الحرص على ترسيخ حقوق المرأة وتدعيم تكافؤ الفرص في النفاذ إلى مواقع القرار".

وسبق وعبّر القياديّ في حركة نداء تونس فؤاد بو سلامة في تصريح إلى تلفزيون "أم تونيزيا" التونسيّ الخاصّ في 8 أيّار/مايو 2018 عن رفضه انتخاب امرأة على رأس بلديّة العاصمة كونه يتعارض مع التقاليد الدينيّة.

وقال "انه ليس من تقاليدنا الإسلاميّة أن يكون شيخ مدينة تونس امرأة ومن العيب أن تحضر للاحتفال بليلة القدر، رفقة الشيوخ في المسجد وفق ما يمليه البروتوكول".

فوز مرشّحة حركة النهضة كأوّل امرأة على رأس بلديّة تونس العاصمة، خلّف أيضاً جدلاً بين النخب النسويّة والناشطات المدافعات عن حقوق المرأة، حيث سجّل بعضهنّ تحفّظاً على انتخاب عبد الرحيم في هذا المنصب.

ودعت الناشطة النسويّة سلوى شرفي بن يوسف المناصرين لتولّي مرشّحة حركة النهضة عبد الرحيم رئاسة بلديّة تونس الكفّ عن مطالبة التقدّمّيّين لمساندتها لكونها امرأة.

وبرّرت ذلك في تدوينة نشرتها عبر صفحتها على فيسبوك في 3 تمّوز/يوليو 2018 - حذفتها بعد ذلك - بانتماء عبد الرحيم إلى حركة النهضة باعتباره "حزباً يحمل أيديولوجيّة ماضويّة تظلم المرأة وتظلم الأقلّيّات".

بدورها، سخرت الفنّانة المسرحيّة ليلى طوبال من إهداء مرشّحة حركة النهضة عبد الرحيم نجاحها في الوصول إلى منصب شيخ مدينة تونس إلى المرأة التونسيّة، وقالت في تدوينة لها في 8 أيّار/مايو 2018 إنّ "المرأة التونسيّة الحرّة لا تقبل هدايا من الإخوان".

وعبّرت رئيسة الجمعيّة التونسيّة للنساء الديمقراطيّات –أكبر منظّمة نسويّة مدافعة عن حقوق المرأة- يسرى فراوس في حديثها إلى "المونيتور" عن أملها في أن تساهم عبد الرحيم من منصبها الجديد في النهوض بقضايا المرأة العادلة ودعم مساواتها بالرجل.

لكنّها في مقابل ذلك، أعلنت عن تحفّظها عن صمت عبد الرحيم في خصوص قضيّة المساواة في الإرث بين المرأة والرجل الذي تحارب من أجله ناشطات نسويّات.

ويرى الباحث الاجتماعيّ سامي براهم أنّ وجود نساء يترأّسن بلديّات في أكثر من دائرة بلديّة في محافظات تونس هو تجسيد لمبدأ التناصف الذي أقرّه دستور ما بعد الثورة في فصله 46 حيث "تسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة".

وأضاف خلال حديثه إلى "المونيتور": "ما يحسب لحركة النهضة أنّها أكثر حزب جسّد خلال الانتخابات البلديّة مبدأ التناصف الوارد في الدستور في شكل واسع من خلال تمكين 48 سيّدة من نيل منصب رئاسة البلديّة من جملة 350 بلديّة متواجدة فيها حركة النهضة وعلى رأسها بلديّة تونس العاصمة".

واعتبر براهم أنّ الجدل الذي سبق ترشيح عبد الرحيم إلى بلديّة تونس قبل تنصيبها وبعده أعطى للحدث بعداً إضافيّاً كونها المرّة الأولى في التاريخ التي تترأّس امرأة بلديّة الحاضرة من خارج العاصمة.

وتابع: "التفاضل الجهويّ والطبقيّ الذي أثير بسبب منصب رئاسة بلديّة تونس وبكونه حكراً فقط على العائلات الأرستقراطيّة من مواليد العاصمة جعل من ترأّس عبد الرحيم حدثاً تاريخيّاً غير مسبوق كسر العقليّة الأرستقراطيّة الذكوريّة التي كانت تحتكر هذا الموقع".

وأقرّ الباحث الاجتماعيّ في ختام حديثه بأنّ قرب عبد الرحيم من حركة النهضة، على الرغم من أنّها لا تنتمي إليها فعليّاً، جلب لها انتقادات بعض النخب النسويّة اليساريّة التي يفترض أن تدافع عن ترأّس امرأة تونسيّة منصباً بهذا القدر من الرمزيّة التاريخيّة، وتحتفي به.

وبين الاحتفاء بفوز تاريخيّ لامرأة على رأس بلديّة تونس وسيل من التحفّظات، يبقى الامتحان الفعليّ لمرشّحة حركة النهضة على الميدان، وفق مراقبين، من خلال إدارتها للحكم المحلّيّ والتوافق مع بقيّة أعضاء المجلس البلديّ، في ظلّ تجاذبات سياسيّة وحزبيّة حادّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : حقوق المرأة

آمال الهلالي صحفية تونسية متخرجة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار, عملت في عدة وسائل إعلام عربية ودولية أبرزها قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحرة ومراسلة لمواقع إخبارية من تونس أهمها هافينغتون بوست عربي و العربية نت وإيلاف .

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept