نبض فلسطين

حماس منزعجة من تصريحات السفير القطريّ

p
بقلم
بإختصار
انشغل الفلسطينيّون في قطاع غزّة في الأيّام الماضية بتصريحات جديدة لافتة للسفير القطريّ في فلسطين محمّد العمادي، قال فيها إنّ حماس وإسرائيل مستعدّتان لهدنة تمتدّ على مدى سنوات عدّة، وإنّ حماس لم تعد تثق بمصر، وإنّ قطر قد لا تقوم بإعمار غزّة إن حصلت حرب رابعة... هذه التصريحات جاءت مفاجئة، وتركت وقعاً سلبيّاً في بعض أوساط حماس، لأنّها صادرة عن سفير الدولة الأقرب إلى حماس، وهي قطر، وقد تحمل تحذيراً إلى حماس من الذهاب إلى حرب جديدة مع إسرائيل.. السطور التالية تنشغل بتحليل تصريحات السفير وأبعادها...

أجرى السفير القطريّ في فلسطين محمّد العمادي سلسلة مقابلات صحافيّة خلال شهر تمّوز/يوليو الجاري، أطلق فيها مواقف جديدة، فاجأت الفلسطينيّين، وربّما أحرجت حماس، واعتبرت غير مسبوقة في تاريخ الدبلوماسيّة القطريّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة، من حيث صراحتها الزائدة.

فقد قال العمادي لقناة الجزيرة الإنجليزيّة في 17 تمّوز/يوليو، إنّ "حماس وإسرائيل اتّفقتا على مواجهة عسكريّة منخفضة الكثافة في غزّة، وتجنّب حرب شاملة، وتفاهمتا ضمنيّاً على تجنّب القتل بينهما، فتضرب إسرائيل وحماس مواقع لهما من دون إيقاع قتلى، وإنّ هناك صعوبة تمويل إعمار غزّة بعد حرب أخرى، وقد ناقش مع حماس هدنة مع إسرائيل مدّتها بين 5 و10 سنوات، وإنّ مصر لم تعد موثوقة من حماس".

وفي 8 تّموز/يوليو، أعلن العمادي إلى القناة الإسرائيليّة "كان"، عن اقتراح قدّمه إلى إسرائيل بالسماح لـ5 آلاف عامل من غزّة بالعمل في إسرائيل، من دون تلقّيه ردّاً إسرائيليّاً.

وكشف العمادي، وهو رئيس اللجنة القطريّة لإعادة إعمار غزّة، إلى وكالة الأنباء الصينيّة "شينخوا" في 1 تمّوز/يوليو عن مباحثات غير مباشرة بين حماس وإسرائيل، لتحسين أوضاع غزّة، ومنع حرب جديدة، وأنّه اتّفق مع إسرائيل إن شنّت حرباً، فلا تستهدف المشاريع القطريّة، إلّا إذا كان هناك هدف لحماس.

كان لافتاً أنّه على الرغم الضجّة الكبيرة التي أثارتها تصريحات العمادي بين الفلسطينيّين، كما ستوضحه السطور التالية، إلّا أنّه لم يصدر توضيحاً لها، على الرغم من محاولة "المونيتور" التواصل معه من دون جدوى.

قال القياديّ في حماس في غزّة محمود مرداوي لـ"المونيتور" إنّ "حماس لديها ناطقوها وقادتها الذين يعبّرون عن مواقفها، وليس من خلال أيّ دولة أو دبلوماسيّ آخر، حتّى لو ارتبطنا معها بعلاقات قويّة مثل قطر، وعلى الرغم من أنّ علاقاتنا السياسيّة معها قويّة، وجذورها بعيدة، لكنّها لا تتكلّم باسم حماس. تحدّث العمادي في مقابلاته بكلام فهمه البعض بطريقة خاطئة، وهو بذلك سلّم خصومه ذخيرة تستخدم ضدّه. علاقات حماس مع معظم الدول العربيّة جيّدة، بما فيها مصر وقطر، ولا نرى أنفسنا طرفاً في خلافاتهما، ولا أيّ إشكاليّات عربيّة".

أثارت تصريحات العمادي استياء فلسطينيّاً ملحوظاً على المستويين الشعبيّ والفصائليّ، فقد نفى القياديّ في حماس غازي حمد في حوار مع قناة الميادين يوم 4 تمّوز/يوليو، وجود مفاوضات مع إسرائيل، أو أن تكون جهة تقوم بوساطة بينهما، وحماس ترحّب بكلّ من يقدّم مشاريع إنسانيّة في غزّة من دون ثمن سياسيّ.

وذكر المتحدّث باسم فتح عاطف أبو سيف في 9 تمّوز/يوليو، أنّ الأولى بالحديث عن أوضاع الشعب الفلسطينيّ هو الشعب الفلسطينيّ وحده، المتمثّل في قيادته الشرعيّة، وليس أحد آخر.

وقالت لجان المقاومة الشعبيّة في غزّة في بيان صحفي يوم 2 تمّوز/يوليو إنّ دماء الفلسطينيّين أغلى من المشاريع القطريّة، وإن تصريحات العمادي تساوق مع صفقة القرن، من خلال محاولته فرض نفسه وصياً على قطاع غزة، أو وسيطاً للمبادرات الدولية الخاصة بتخفيف المعاناة الإنسانية عن قطاع غزة، "لأن مشروعنا التحرّري لن نقايضه بالمساعدات الإنسانيّة".

وقال عضو اللجنة المركزيّة للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين ذو الفقار سويرجو في 2 تمّوز/يوليو، إنّ العمادي يعتقد نفسه قائداً فلسطينيّاً يتحكّم بمصير الشعب، وتصريحاته معيبة.

وعلّق نشطاء مواقع التواصل الاجتماعيّ في 1 و2 تمّوز/يوليو على تصريحات العمادي، قائلين بلهجة ساخرة: "من دخل مشاريع قطر بغزّة فهو آمن"، واعتبروها آخرون مقدّمة لشنّ حرب إسرائيليّة على غزّة، ومنهم من فسّرها بأنّها ضمن الدور العربيّ المتكامل والمتساوق مع أميركا وإسرائيل للضغط على الفلسطينيّين لتمرير صفقة القرن.

وقال عضو المجلس الثوريّ لفتح تيسير نصرالله لـ"المونيتور" إنّ "فتح مشكّكة من سياسة قطر في غزّة، فالعمادي عليه التعامل مع السلطة الفلسطينيّة، وليس حماس، والانفراد بها لإقامة دولة غزّة، وتصريحاته تتّفق مع صفقة القرن، وما يقلقنا هو جهود قطر لتسويق حماس إقليميّاً ودوليّاً على حساب فتح والسلطة الفلسطينيّة، ونرى أنّ مشاريعها الإنسانيّة ينبغي ألّا تكون لمصالح قطريّة، ونطالبها بتوجيه العمادي نحو البوّابة الشرعيّة الفلسطينيّة".

صحيح أن الإدارة الأمريكية لم تعلن رسميا عن صفقة القرن، لكن التقارير المسربة عنها في وكالات الأنباء العالمية تشير أنها تتضمن إقامة دولة فلسطينية بقطاع غزة، وأجزاء من الضفة الغربية، وتوفر الدول المانحة مساعدات مالية دون تحديد قيمتها للدولة الفلسطينية، وإجراء مفاوضات سلام بين إسرائيل والدول العربية.

وربما ربط بعض الفلسطينيين تصريحات العمادي بصفقة القرن، بسبب حديثه لقناة الجزيرة الإنجليزية يوم 17 يوليو عن زيارة جاريد كوشنر وجيسون جرينبلات مستشارا الرئيس الأمريكي إلى قطر يوم 23 يونيو، للبحث مع المسئولين القطريين تنفيذ مشاريع بقطاع غزة للكهرباء والمياه وخلق فرص العمل.

يمكن النظر إلى تصريحات العمادي على أنّها رغبة قطريّة في إظهار قدرتها على التأثير في الأفق المسدود الذي يعيشه قطاع غزّة، وخشية جميع الأطراف الفلسطينية من الانزلاق إلى مواجهة عسكريّة بين حماس وإسرائيل، وفي ما لو نجحت قطر بوقف هذا المسار المتفجّر، فإنّه سيمنحها إشادة من هذه الأطراف جميعها.

كما أنّ تصريحات العمادي بوجود مفاوضات غير مباشرة بين حماس وإسرائيل، قد تدفع السلطة الفلسطينيّة، إلى الإسراع بإتمام المصالحة مع حماس، خشية نجاح مساعيها بأن تكون بديلاً عنها أمام إسرائيل لإبقاء الوضع في غزّة كما هو.

وربّما تحاول قطر بتصريحات العمادي توظيف الملفّ الفلسطينيّ في إطار خلافاتها الإقليميّة، لا سيّما مع مصر، بقوله إنّ حماس لا تثق بها، لإظهار تراجع دورها، مقابل تزايد الحراك القطريّ في غزّة ذاتها، عبر اللقاءات السياسيّة مع قادة حماس، وإنشاء المشاريع الإسكانيّة والبنية التحتيّة فيها.

وقد وافقت حماس يوم 19 يوليو على المبادرة المصرية للمصالحة مع فتح، خلال زيارة وفد قيادي منها للقاهرة التي بدأت يوم 9 يوليو، برئاسة صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، واستمرت عدة أيام.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأمّة للتعليم المفتوح في غزّة حسام الدجني لـ"المونيتور" إنّ "العمادي ربّما تجاوز حدود اللباقة في تصريحاته الأخيرة، ويهدف إلى جرّ حماس إلى القطيعة مع القاهرة بعدما رمّمت علاقتها بها، وجاء تحذيره من أنّ قطر لن تعيد إعمار غزّة لو اندلعت حرب جديدة مع إسرائيل بعيداً عن الأعراف الدبلوماسيّة، وكان ينبغي أن تكون لغته أفضل من ذلك، لأنّها بعيدة عن محدّدات السياسة الخارجيّة القطريّة، التي طالما دعمت غزّة بصمت، ممّا منح قطر دوراً بارزاً في الإقليم".

أخيراً... تدرك قطر ضيق تحالفات حماس وصداقاتها في الإقليم والعالم، ممّا قد يجعلها تتصوّر، على لسان العمادي، أن تمنحها الحركة شيكاً على بياض، للحديث باسمها، وإجراء مفاوضات مع إسرائيل نيابة عنها، لكنّ ذلك بدا اعتقاداً خاطئاً.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept