نبض سوريا

لماذا تستعجل إيران هندسة المدن المدمرة في سوريا؟

p
بقلم
بإختصار
السيطرة الكاملة على العاصمة دمشق وريفها لأول مرة منذ اندلاع الاحتجاجات، تعطي النظام السوري دفعاً للأمام، وللحديث بصوت عالٍ عن إعادة إعمار البنية التحتية والمدن المدمرة، ولمّا تظهر بعد أية بوادر لحلحة سياسية للصراع عدا عن نية المعارضة والنظام الخوض في غمار تشكيل لجنة دستورية تكتب دستوراً جديداً كأحد مخرجات مؤتمر سوتشي في يناير الماضي.

السيطرة الكاملة على العاصمة دمشق وريفها لأول مرة منذ اندلاع الاحتجاجات، تعطي النظام السوري دفعاً للأمام، وللحديث بصوت عالٍ عن إعادة إعمار البنية التحتية والمدن المدمرة، ولمّا تظهر بعد أية بوادر لحلحة سياسية للصراع عدا عن نية المعارضة والنظام الخوض في غمار تشكيل لجنة دستورية تكتب دستوراً جديداً كأحد مخرجات مؤتمر سوتشي في يناير الماضي.

في 26 أيار/ مايو الماضي سلمت وزارة الخارجية والمغتربين السورية لائحة بأسماء أعضاء لجنة مناقشة الدستور الحالي الذين تدعمهم سورية لسفيري روسيا وإيران المعتمدين لدى دمشق، وأكد مكتب المبعوث الأممي الخاص لسوريا، ستافان دي ميستورا، تسلمه قائمة مرشحين اللجنة الدستورية.

يأتي هذا بعدما تمكنت القوات السورية وحلفائها في نيسان/ أبريل الماضي من بسط سيطرة كاملة على آخر الجيوب التي تقع خارج سيطرة النظام جنوب دمشق في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، ونقل عناصر تنظيم داعش التي كانت تسيطر عليه إلى الصحراء مع أسرهم بعد اتفاق بين الطرفين، وتبقى محافظة إدلب شمالاً وأجزاء من المنطقة الجنوبية (درعا والقنيطرة) تحت سيطرة قوات المعارضة حيث تخضعان لاتفاق خفض تصعيد بين النظام والمعارضة.

إن كان شرط التوصل إلى حل سياسي وإنجاح مفاوضات جنيف شرطاً اوروبياً جوهرياً لانخراط المجتمع الدولي ومعه المساهمين والمانحين والمؤسسات المالية والنقدية الدولية في إعادة الإعمار، فإن عدم نجاح هذه المفاوضات وتوقفها سيدفع المجتمع الدولي والأوروبيين لعدم المشاركة في إعادة الإعمار.

الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، تشترط أنه لكي يشارك الاتحاد الأوروبي في تمويل إعمار سوريا فإنه يجب أن أن تكون عملية السلام في جنيف دائمة.

وفق المبعوث الدولي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، فإن تكلفة إعادة إعمار سوريا ستكون بحوالي 250 مليار دولار، إلا أن تقديرات رسمية سورية تقدرها بحوالي 400 مليار دولار، وأن فترة الإعمار تحتاج إلى 15 عاماً، لكن رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية، سيرغي كاتيرين، يؤكد بأن "تكلفة إعادة إعمار سوريا تقدر ما بين 200 و500 مليار دولار". وذلك على هامش منتدى الأعمال الروسي السوري في موسكو 26 شباط/ فبراير 2017.

بين الإحجام الغربي، والرغبة السورية الحكومية بالبدء بإعادة الإعمار، متمثلة بدعوة الأسد إيران للمشاركة الفاعلة، ورغبة المسؤولين السوريين في مساهمة إيران بمرحلة إعادة الإعمار، وفق وزير الطرق وإعمار المدن الايراني، عباس آخوندي، الآن تجد إيران الفرصة مواتية للدخول والإعلان عن نيتها المشاركة.

ولعل حصول إيران على رخصة المشغل الخليوي الثالث في سورية بتاريخ 17 كانون الثاني/ يناير، كان رأس جبل الجليد في السيطرة والاستحواذ على المشاريع الضخمة ذات الجدوى الاقتصادية والتي ترسخ سيطرة ونفوذ في مجال البنية التحتية والطرق والمساكن.

في وقت أعلن وزير الطرق الايراني عباس آخوندي، خلال لقاء مع رئيس الوزراء السوري عماد خميس في دمشق 18 أيار/ مايو "عن استعداد القطاعين الخاص والعام في ايران للمشاركة الواسعة في مرحلة إعادة الاعمار". وأن "إيران وسوريا تعملان الآن على التمهيد لعقد اجتاع للجنة المشتركة على مستوى رئيس الوزراء السوري والنائب الاول للرئيس الايراني للتوقيع على وثيقة للتعاون الاستراتيجي وطويل الأمد".

الرئيس السوري بشار الأسد أصدر في نيسان/ابريل الماضي المرسوم رقم 10 لعام 2018 الذي يجيز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، وهو ما أثار جدلاً كبيراً لأنه يعطي البلديات الحق في السيطرة على ممتلكات اللاجئين في الخارج والتي يراد تنظيمها وإعادة إعمارها، وحرية التصرف بملكيتها ما لم يقدم المالك الأصلي ما يثبت ملكيته للعقار خلال 30 يوماً، سرعان ماتم تمديد المدة إلى عام كامل.

وزير الإدارة المحلية، حسين مخلوف، أعلن في نيسان الماضي إعداد دراسات لتنظيم منطقة "باب عمرو" في حمص، ومناطق سكن عشوائي في حلب، ومدخل دمشق من جهة حرستا، وتطبيق القانون الجديد عليها، وهي مناطق شهدت احتجاجات ومن ثم معارك شرسة بين المعارضة والنظام لتنتهي بسيطرة الأخير عليها وهي مدمرة.

القانون رقم 10 لعام 2018، ومن قبل المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012 الذي يعطي وزارة المالية الحق بالسيطرة على ممتلكات من يتهم بدعم الإرهاب، وقوانين غيرها هي "سلسلة من الخطوات الإجراءات التي يضعها النظام لكي يعطي عملية المصادرات طابعاً قانونياً، والقانون الأخير رقم 10 غير معزول عن سياسة قانونية متبعة لدى النظام في هذا الاتجاه". يقول بسام الأحمد، مدير منظمة "سوريون من اجل الحقيقة والعدالة" في اسطنبول للمونيتور.

وبالاستفادة من ذلك تحاول إيران توظيف البيئة التشريعية والقانونية المتجددة، واستثمار رغبة النظام السوري في إفساح المجال للإيرانيين للمشاركة في إعادة الإعمار.

يشكك الأحمد بقدرة إيران على المشاركة بإعادة الإعمار بشكل جدي وبالشكل الذي تظهر نفسها فيه "بسبب العقوبات الأمريكية عليها، لكن بالنسبة لروسيا والصين فالأمر مختلف، واعتقد أنّ الصين ستكون بالمرتبة الأولى كدولة قادرة على إعادة الإعمار". وهو ما أكده من قبل وزير خارجية الصين وانغ يي في اجتماع مع بثينة شعبان مستشارة الأسد في تشرين الثاني /نوفمبر الماضي، بأن بلاده ستساعد في إعادة إعمار سوريا.

وحول المبررات التي تسوقها إيران لهندسة وتخطيط حواضن المعارضة المدمرة بالتعاون مع النظام، وبقية المدن السورية الأخرى، يقول الأحمد "إيران مثل أي دولة تحاول أن يكون لها مناطق نفوذ، وأطماع إيران في سوريا تاريخية وقديمة، وموضوع إعادة الإعمار، هو أحد المداخل بالنسبة لها لكي تدخل وتضمن نفوذها".

مشيراً إلى أنه "مستقبلاً سيكون هناك دور لإيران ولدول أخرى كونها ستمنح الحكومة السورية أموالاً وقروض، وبالتالي سيكون لديها نفوذ وقرار سياسي داخل النظام، ويصبح إلى حد ما القرار السياسي لدى النظام السوري مرتهن لهذه الدول ".

وفي اتجاه موازي، تخشى المعارضة السورية من خطط النظام من أجل إحداث تغيير ديموغرافي عبر التهجير القسري للسكان الأصليين الرافضين للعيش تحت سلطته من مناطقهم كما حصل في الغوطة الشرقية لدمشق ومناطق أخرى، وهو ما يعتبر الأحمد أنه "قد لا يكون الهدف إحداث تغيير ديموغرافي على أساس طائفي، بل قد يكون على أساس سياسي عبر خلق بيئة موالين للنظام وللإيرانيين".

حتى الآن لم تشهد أي منطقة في سوريا أخليت من المعارضة عمليات إعادة إعمار كاملة، سواء في داريا والزبداني بريف دمشق، أو حمص القديمة، أو شرق مدينة حلب ، وهي حواضن ضخمة للمعارضة، وما يحدث الآن بعد سيطرة النظام عليها، هو مرحلة إعداد وتخطيط، وشراء بيوت مدمرة ومتضررة من قبل جمعيات محلية منها إيرانية بدأت تظهر على الساحة بهدف إعادة إعمارها.

فقد افتتحت منظمة "جهاد البناء" الإيرانية التي تقدم مساعدات في مجال إعادة الإعمار في المناطق المدمرة التي يعيد النظام سيطرته عليها، مكتباً في مدينة البوكمال شرق البلاد بعد سيطرة النظام على المدينة. تسعى المنظمة وفق مصادر إعلامية محلية من المنطقة لشراء المنازل والبدء بمشاريع إعادة إعمارها والقيام بمشاريع أخرى.

النشاط المتسارع للايرانيين وانفتاحهم تجاه ملف إعادة الإعمار، وتبعات القانون رقم 10، ستبقى تهدد العودة السلسلة للاجئين السوريين، وتقلق دولاً مضيفة للاجئين كألمانيا ولبنان، في حين تدعو هيومن رايتس ووتش "الدول المانحة والمستثمرين والوكالات الإنسانية العاملة في المناطق التي تستعيدها الحكومة .... أن يتأكدوا أن أموالهم لا تساهم في انتهاك حقوق الملكية للقاطنين أو النازحين أو تدعم الكيانات، أو الجهات الفاعلة المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي".

محمد بسيكي صحافي وباحث سوري، مهتم بتحليل السياسات في الشرق الأوسط، متخصص بالاقتصاد ومدرب في مجال الصحافة الاستقصائية، مؤسس ورئيس تحرير وحدة التحقيقات السورية – سراج، مدير تحرير سابق لمجموعة مواقع الاقتصادي.كوم، يكتب تقارير وتحقيقات استقصائية نشرت في وسائل إعلام عربية وعالمية حول الصراع السوري وتأثيره، يغطي حول سوريا واقتصاد الحرب والفساد، والانتهاكات ضد المدنيين والهجرة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept