نبض سوريا

مهجّرو الغوطة الشرقيّة يدخلون سوق العمل في الشمال السوريّ

p
بقلم
بإختصار
بعد تهجيرهم من قبل قوّات النظام السوريّ إلى شمال سوريا، بدأ أبناء الغوطة الشرقيّة بالتأقلم مع الواقع الجديد، ودخول سوق العمل للاعتماد على أنفسهم، بعيداً عن المساعدات التي تقدّمها المنظّمات الإنسانيّة.

حلب - يخرج أبو سليمان، وهو من أبناء مدينة المليحة في الغوطة الشرقيّة بريف دمشق والمقيم حاليّاً في مدينة كفرنبل بريف إدلب، من منزله صباح كلّ يوم، متّجهاً إلى مكان عمله الجديد في صناعة المعجّنات الشاميّة، والذي افتتحه في مدينة كفرنبل بمساعدة أحد أهالي البلدة المقتدرين ماليّاً، لكي يعيل نفسه وعائلته المكوّنة من 5 أفراد.

أبو سليمان وعائلته من بين عشرات الآلاف الذين خرجوا من الغوطة الشرقيّة بريف دمشق ضمن الدفعة الرابعة في آذار/مارس المنصرم من العام الجاري، وذلك بعد حصار فرضته قوّات النظام السوريّ على الغوطة الشرقيّة منذ أواخر عام 2012 انتهى باتفاق بين الفصائل العسكريّة المعارضة وقوّات النظام السوريّ برعاية روسيّة، قضى بخروج مسلّحي الفصائل ومن يرغب من المدنيّين إلى شمال سوريا.

لقد اختار أبو سليمان مدينة كفرنبل بريف إدلب كي تكون موطناً آخر له، واستطاع خلال فترة قصيرة التأقلم والتعايش مع الواقع الجديد الذي فرضته على المهجّرين الحرب، وتمكّن من إقامة علاقات مع أهالي مدينة كفرنبل، شأنه شأن غيره من أبناء الغوطة الشرقيّة الذين استقرّوا في المدينة. ومن خلال رغبته في العمل، تمكّن من دخول سوق العمل في المدينة وفتح مشروعه الخاص "صناعة المعجّنات الشاميّة"، وذلك بمساعدة أحد الميسورين ماليّاً من أهالي المدينة.

وفي هذا الصدد، قال أبو سليمان لـ"المونيتور": "خرجنا من الغوطة الشرقيّة ضمن الدفعة الرابعة، فنحن كأقرباء عبارة عن 4 عوائل مؤلّفة من 25 شخصاً، نزلنا في مدينة كفرنبل بريف إدلب وقرّرنا الاستقرار فيها. وكان لا بدّ من البحث عن عمل لإعالة نسائنا وأطفالنا. وبمساعدة أحد أهالي المدينة المقتدرين، تمكنّا من استئجار محلّ تجاريّ منذ حوالي شهر تقريباً بقيمة 150 دولار أمريكي، وقمت أنا وأصدقائي كوننا نمتهن المهنة نفسها "المعجّنات الشاميّة" بتجهيز المحلّ بشكل كامل وبدأنا بالعمل فعليّاً".

أضاف: "في طبيعتنا، نحن الشعب السوريّ نحب العمل، ونعمل بجدّ دائماً من أجل الحصول على لقمة العيش. لقد عايشنا فترات صعبة جدّاً في الغوطة الشرقيّة، من حصار وقصف وتجويع وكلّ شيء ممكن أن يخطر على بال بشر، ونسينا ما هي الحياة. كنّا نعيش مع الموت لحظة في لحظة. وإنّ خروجنا من الغوطة الشرقيّة واستقرارنا في مكان تدخل إليه وتخرج منه البضائع، وهو مستقرّ نسبيّاً، جعلنا نرى الحياة بوجه آخر. لا نريد أن نعيش تحت كنف المساعدات التي تقدّمها المنظّمات الإنسانيّة أو التي يقدّمها أبناء المنطقة من المقتدرين، نريد أن نعمل وأن نجني قوت يومنا من عرق جبيننا، وهذا ما حصل ولله الحمد".

وعن سير العمل، قال: "توجد هنا عوائل عدّة من المهجّرين من الغوطة الشرقيّة، وهي تأتي إلينا كلّ يوم وتشتري المعجّنات الشاميّة، فضلاً عن أبناء المنطقة. كلّ شيء يسير على ما يرام، نعيش كأنّنا في منزلنا، ونتمنّى أن يعمّ الأمن والأمان في عموم الأراضي السوريّة لكي يعود الناس إلى حياتهم الطبيعيّة".

الصعوبات التي واجهها أبناء الغوطة الشرقيّة على مدار سنوات الحصار الذي فرض عليهم من قبل قوّات النظام السوريّ، جعلتهم يفقدون كلّ قرش يملكونه، وخروج من بقي حيّاً منهم إلى الشمال السوري هو بمثابة انطلاقة جديدة إلى الحياة لكلّ شخص منهم، فكان لا بدّ من وجود الداعمين من أبناء المناطق التي استقرّوا فيها لكي يبدأوا بحياتهم من جديد.

وفي هذ السياق، التقى "المونيتور" الشخص الذي قدّم المساعدة إلى أبو سليمان، والذي رفض الكشف عن اسمه الكامل لأسباب أخلاقيّة، وهو من بين الأشخاص الذين قدّموا مساعدات ماليّة إلى الشبّان القادمين من الغوطة الشرقيّة بهدف دخول سوق العمل، وقال أبو عليّ، وهو لقبه، لـ"المونيتور": "نحن أبناء بلد واحد، وهمّنا واحد، لا فرق بيننا على الإطلاق، كان ينبغي على كلّ مقتدر ماديّاً منّا أن يمدّ يدّ العون والمساعدة لأبنائنا القادمين من الغوطة الشرقيّة، ومساعدتهم في دخول سوق العمل أو إيجاد عمل، وهذا الأمر هو أفضل بكلّ الأحوال من تقديم مساعدات ماديّة عينيّة إليهم، كون ذلك سيعينهم على المدى البعيد إذا ما قرّروا البقاء في الأماكن التي استقرّوا فيها. لقد قرّرت مساعدة أبو سليمان من أجل ألاّ يكون عالة على أحد وأن يعتمد على نفسه، فهو صاحب مهنة جيّدة، والمبلغ الماليّ الذي قدّمته سيعتبر قرضاً، فبمجرّد أن تتحسّن أحواله وبمجرّد أن يستطيع الإنفاق على نفسه وعلى عائلته يمكنه إعادة هذا المبلغ متى أراد".

أبو سليمان هو تاجر في مجال الأعلاف، ليس غريباً أن يقوم شخص مقتدر مالياً بمساعدة شخص اخر لا يملك المال حتى ولو كان لا يعرفه، هذا حصل كثيراً على مدار سنوات الحرب، يشجعهم في ذلك الدافع الديني والأخلاقي، وهم لم يفصح عن المبلغ الذي قام بتقديمه.

أضاف: "أتمنّى من كلّ شخص مقتدر ماليّاً أن يسلك هذا الطريق، فبمساعدتنا بعضنا البعض يمكننا أن نفعل المستحيل، وأن نبني كلّ شيء هدّمته سنوات الحرب خلال فترة قصيرة، وكلّ شيء يقدّمه الإنسان سيلقى أجره عاجلاً أم آجلاً".

هناك عدد من المنظمات الإنسانية التي تعمل في شمال سوريا، والتي تقدم المساعدات الغذائية للنازحين والمهجرين من الغوطة الشرقية بريف دمشق وكذلك من ريف حمص الشمالي، ومن هذه المنظمات منظمة بنفسج للإغاثة والتنمية وهي منظمة مستقلة تنشط في محافظة إدلب، التقى المونيتور مع الناطق الإعلامي لمنظمة بنفسج نور عوض، وفي هذا السياق قال نور لـ"المونيتور":" تقدم منظمة بنفسج مساعدات غذائية لما يقارب 5 الاف عائلة من المهجرين من ريف حمص الشمالي والغوطة الشرقية بريف دمشق، السلة الغذائية تحتوي على المواد الأساسية كالرز والزيت والبرغر، ويمكنها أن تكفي لعائلة مكونة من 4 أشخاص لمدة شهر".

لقد بلغ عدد المهجّرين من الغوطة الشرقيّة بريف دمشق 83214 شخصاً حسب ما أشار "منسقو الاستجابة شمال سوريا" في إحصائيّتهم، واستقرّ معظمهم في ريفيّ حلب وإدلب. وبسبب الكثافة السكانيّة التي تشهدها أرياف حلب وإدلب، تمكّنوا من أن يجدوا لأنفسهم مكاناً في سوق العمل، فالاعتماد على المساعدات الإنسانيّة التي تقدّمها المنظّمات الإنسانيّة أو المساعدات التي يقدّمها السكّان الأصليّون إلى المناطق التي استقرّ فيها القادمون من الغوطة الشرقيّة بريف دمشق لن تكون كافية بالقدر المطلوب، لا سيّما أنّ متوسّط عدد الأسرة السوريّة 4 أشخاص، ويحتاج ربّ الأسرة إلى العمل بشكل فعليّ لكي يتمكّن من إعالة أسرته.

وجد في : syrian economy, aleppo, idlib, eastern ghouta, ghouta, syrian civil war, syrian refugees, idp
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept