بينما يجتمع ثلاثيّ أستانة في جنيف، تدور أسئلة حول الدستور السوري

أعاقت الخلافات والتأخيرات تشكيل اللجنة الدستوريّة السوريّة، لكنّ هذه المماطلة قد تعود بالنفع على موسكو والحكومة السوريّة.

al-monitor .

المواضيع

syria war, peace talks, negotiations, bashar al-assad, russian-syrian relations, sochi, syrian opposition

يون 21, 2018

عُقِدت في جنيف هذا الأسبوع جلسة لمدّة يومين مخصّصة لإيجاد حلّ سياسيّ للنزاع السوريّ، شارك فيها ممثّلون رفيعو المستوى عن الدول الثلاث (روسيا وإيران وتركيا) المشاركة في المحادثات بشأن سوريا في أستانة عاصمة كازاخستان. ناقش المندوبون مع مبعوث الأمم المتّحدة الخاصّ إلى سوريا، ستافان دي ميستورا، مسألة تشكيل اللجنة الدستوريّة السوريّة. واتّفقت الدول على تشكيل اللجنة في شهر كانون الثاني/يناير أثناء انعقاد مؤتمر الحوار الوطنيّ السوريّ في سوتشي.

ولخّص المبعوث الخاصّ للرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، المسألة على النحو الآتي: تتوقّع موسكو أن تجري المرحلة الأخيرة من النقاشات بشأن اللجنة في منتصف شهر تموز/يوليو، أثناء اجتماع منفصل في جنيف. وذكر لافرنتييف أيضاً أنّ موسكو وأنقرة تتواصلان بشكل متواصل بشأن المشاركة الكرديّة في اللجنة الدستوريّة، التي سيكون الأكراد ممثّلين فيها في نهاية المطاف.

وقال: "سيشارك الأكراد في اللجنة الدستوريّة السوريّة في كلّ الأحوال. فممثّلوهم سيكونون موجودين في كلّ فريق: مجموعات المعارضة والوفد الحكوميّ والمجتمع المدنيّ. نطلب من الجميع الامتناع عن تقسيم الأكراد إلى فئات موالية للأكراد أو للروس أو لحزب الاتّحاد الديمقراطيّ ووحدات حماية الشعب، علماً أنّ هذه الأخيرة تنظر إليها أنقرة نظرة سلبيّة".

لقد أمضى دي ميستورا الشهر الماضي في إجراء مشاورات عدّة، في محاولة منه لإحياء محادثات جنيف المتوقّفة. فزار اسطنبول في 6 حزيران/يونيو حيث اجتمع بمسؤولين حكوميّين أتراك وبزعماء من المعارضة السوريّة من الهيئة العليا للمفاوضات السوريّة والائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة السوريّة. وفي 9 حزيران/يونيو، زار طهران، وفي 11 حزيران/يونيو، زار مصر. ستتألّف اللجنة الدستوريّة، التي يفترض أن تقترح أفكاراً من أجل دستور البلاد الجديد، من 150 عضواً. وسيمثّل 100 عضو من بين الأعضاء الـ150 الحكومة والمعارضة المعتدلة أو "الداخليّة"، فيما سيمثّل 50 عضواً منهم ما يسمّى المعارضة الخارجيّة. لكنّ دي ميستورا يفضّل أن تقتصر اللجنة على 50 عضواً لا أكثر.

بالإضافة إلى ذلك، من المرتقب أن تُجري الأمم المتّحدة محادثاتها مع سفراء الولايات المتّحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والأردن والمملكة العربيّة السعوديّة في 25 حزيران/يونيو في جنيف. ومن الواضح أنّ دي ميستورا يحاول جمع الأطراف المتعارضة تحت راية الأمم المتّحدة. وأشار لافرنتييف إلى أنّ روسيا مستعدّة لدراسة "اقتراحات منطقيّة" من الولايات المتّحدة وألمانيا ودول أخرى في ذلك "المعسكر".

يوافق خبراء روس كثيرون في الكواليس على أنّ قرار الرئيس السوريّ بشار الأسد، الذي اتّخذه أثناء زيارته إلى سوتشي في شهر أيار/مايو، والقاضي بإرسال قسم من الوفد إلى اللجنة الدستوريّة يمكن أن يكون عبارة عن تسوية. وكان مسؤولون في النظام السوريّ قد قالوا في وقت سابق إنّ تشكيل اللجنة الدستوريّة ينبغي أن ينال موافقة رسميّة من الأسد وإنّ دمشق "لن تقبل بتشكيل أيّ لجنة من دون قرار من الحكومة السوريّة". لكن، ليس مؤكّداً ما إذا كانت هذه التسوية شاملة إلى هذا الحدّ.

لقد قدّمت دمشق بالفعل لائحتها المؤلّفة من 50 مندوباً والتي تضمّ أكثريّة من أعضاء حزب البعث ومؤتمر الشعب السوري. وجاء ردّ فعل وزير الخارجيّة السوريّ وليد المعلّم سلبيّاً على نشر هذا الخبر، مع أنّه كان قد قال في وقت سابق إنّه "ينبغي أن تتألّف الحكومة من أكثريّة اللجنة [الدستوريّة]، وينبغي أن يؤخذ كلّ قرار بالإجماع". وقال رئيس الهيئة العليا للمفاوضات السوريّة، نصر الحريري، الذي قاطع المفاوضات في سوتشي، إنّ اللائحة ما زالت قيد التشكيل، وبالتالي لا ينبغي الإفصاح عن أيّ أسماء أو معلومات متعلّقة باللجنة قبل تقديمها رسميّاً.

وقد أجرى الوفد الروسيّ مفاوضات في جنيف مع ثلاث حركات سوريّة منشقّة شاركت في مؤتمر سوتشي، ممثّلة بقدري جميل، رئيس منصّة موسكو؛ وعلي الجربا، شقيق أحمد الجربا من تيّار الغد السوريّ؛ وهيثم منّاع من هيئة التنسيق الوطنيّة لقوى التغيير الديمقراطي. وطالب الجربا ومنصّة موسكو للمعارضة بأماكنهما في اللجنة الدستوريّة وأرسلا لائحتيهما إلى دي ميستورا، وهما ينتظران الآن نشر اللائحة التي وضعتها هيئة المفاوضات السوريّة، وهي المؤسّسة المشتركة التي أنشئت بعد مؤتمر "الرياض 2" للمعارضة السوريّة.

واضطلع تيّار الغد السوريّ – حزب المعارضة الذي يتّخذ من القاهرة مقرّاً له – في الماضي بدور الوسيط في محادثات بين روسيا وفصائل المعارضة. وكانت تلك المحادثات مخصّصة للتوصّل إلى مزيد من الاتّفاقات حول منطقتي خفض التصعيد في الغوطة الشرقيّة وشمال حمص، اللتين توقّفتا عن العمل. بالإضافة إلى ذلك، أرسل التيّار 53 من مندوبيه إلى المؤتمر في سوتشي. لكنّ مقاتلي التيّار - قوّات النخبة السوريّة - يحاربون بشكل مستقلّ في شرق البلاد، وهم غير مشمولين في قوّات سوريا الديمقراطيّة، وقد حاربوا حتّى مجموعات كرديّة مرّات متعدّدة.

لكنّ الناطق باسم الوفد المعارض، يحيى العريضي، اعترض على مشاركة المعارضة في محادثات جنيف. وقال إنّه عندما تزعم بعض الأحزاب المنشقّة أنّها ذاهبة إلى جنيف، يعني ذلك في الواقع أنّ "روسيا تستطيع تفصيل المعارضة على هواها". واعتبر العريضي أنّ كلّ ما يحدث حاليّاً في شمال سوريا وجنوبها هو دليل على أنّ قوّات خارجيّة متعدّدة تستولي على الأراضي السوريّة وتدير ظهرها للناس الذين يعانون في ظلّ "منظومة الاستبداد".

وقال رئيس الوفد السوريّ المعارض إلى أستانة، أحمد طعمة، إنّ تركيا هي الضامن الوحيد المؤهّل لتقديم لائحة المندوبين المنشقّين. وأضاف أنّ نيّة بعض الأحزاب المعارضة الأخرى في إرسال لائحة الأسماء مباشرة إلى دي ميستورا هي مجرّد "تلاعب". لكنّ أحد أعضاء منصّة القاهرة رفض فكرة مرور لائحة المعارضة عبر "الضامن التركيّ"، مشدّداً على ضرورة عدم السماح لأحد بالتدخّل في الدستور السوري. أمّا رندا قسيس، رئيسة منصّة أستانة للمعارضة السوريّة، الوفيّة للحكومة السوريّة، فوصفت تقديم اللائحة بأنّه "حلم يقظة طفوليّ"، زاعمة أنّ هذه الخطوة تهدف إلى إخراج فريقها من اللجنة.

وليس واضحاً كم من الوقت سيستغرق تشكيل اللجنة ومناقشة مشروع الدستور النهائي. والأهمّ هو أنّه ليس واضحاً ما إذا كانت الأمم المتّحدة والدول المؤيّدة تقليديّاً للمعارضة موافقة حتّى على هذه العمليّات، بما أنّ اللجنة قد تتألّف في أكثريّتها من مندوبين عن النظام وأعضاء من أحزاب المعارضة "المدجّنة" الوفيّة عادة للحكومة.

يعود أيّ تأخير في المفاوضات – سواء أكان على شكل خلافات فعليّة أم مختلقة حول الدستور السوريّ – بالنفع على موسكو ودمشق. فكلّ تحرّك – فرض وقف إطلاق النار، تشكيل الحكومة الموقّتة، تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة – يتبع رسميّاً قرار الأمم المتّحدة رقم 2254 وبيان جنيف الصادر في حزيران/يونيو 2012، ويهدف بالتحديد إلى وضع خطّة نحو حلّ الأزمة. لكنّ السبب وراء تلك التحرّكات مستور في الواقع: فدمشق تحصل على مزيد من الوقت لقمع بقايا المعارضة في مناطق خفض التصعيد، وإدراج "المنشقّين الصوريّين" في صيغة جنيف يمنح النظام مزيداً من الشرعيّة الداخليّة والخارجيّة.

لقد كان مشروع الدستور، كما اقترحته روسيا ضمن صيغة أستانة، غير واضح تماماً منذ البداية، إذ إنّه قدّم صورة تقريبيّة عن نظام سياسيّ مستقبلي. ومع أنّ موسكو سارعت إلى التشديد على أنّ المشروع صُمّم من أجل مناقشته داخليّاً في سوريا، هو يهدف بوضوح إلى الإبقاء على النظام السوريّ الحاليّ لمصلحة روسيا. وقد أكّدت التحرّكات الأخرى على الأرض، ولا سيّما إزالة منطقتي خفض التصعيد، أنّ مشروعاً من هذا النوع سيُستخدم لا محالة كأساس لتحرّكات إضافيّة. وقد تترك تلك التحرّكات انطباعاً بأنّ الوضع في سوريا مستقرّ، لكنّ السؤال هو لكم من الوقت؟

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو