نبض فلسطين

"فلسطينيّو الخطّ الأخضر" شريان الحياة الاقتصاديّ والتجاريّ لمدينة جنين

p
بقلم
بإختصار
رام الله – الضفّة الغربيّة: يشكّل "فلسطينيّو الخطّ الأخضر" شريان الحياة الاقتصاديّ والتجاريّ لمدينة جنين - شمال الضفّة الغربيّة، في ظلّ إقبالهم على التسوّق فيها طيلة العام، والذي يزداد في المناسبات الخاصّة، كشهر رمضان وفترة الأعياد.

يتدفّق مئات آلاف الفلسطينيّين من داخل الخطّ الأخضر من اسرائيل إلى مدينة جنين - شمال الضفّة سنويّاً للتسوّق، حتّى باتت المدينة السوق التجاريّ الأوّل لهم، الأمر الذي أنعش الحركتين التجاريّة والاقتصاديّة فيها بشكل كبير.

ويقصد "فلسطينيّو الخطّ الأخضر" مدينة جنين للتسوّق لقربها الجغرافيّ منهم، إذ تبعد 25 كلم عن مدينة الناصرة، و50 كلم عن مدينة حيفا وهما داخل الخط الاخضر ويفصل بينهما حاجز الجلمة العسكريّ الإسرائيليّ، وكذلك لأسعارها الرخيصة.

تجدر الإشارة إلى أنه في عام 2016 انفق فلسطينيو الخط الأخضر ما قيمته مليار و300 مليون شيقل (365 مليون دولار).

وتعد الاسعار في القرى والبلدات العربية في اسرائيل مرتفعة كونها تصنف اسواق اسرائيلية، مقارنة باسعار المنتجات في سوق الضفة الغربية، نظرا لارتباط ذلك بنوعية المنتجات وجودتها، وحجم الضريبة المفروضة عليها، نظرا لان الكثير من المنتجات في الضفة الغربية تكون من انتاج محلي، اضافة الى ان اسعار المنتجات يرتبط بحجم دخل الفرد، فهي ترتفع في اسرائيل لان حجم دخل الفرد مرتفع مقارنة بدخل الفرد في الأراضي الفلسطينية.

ولقد باتت هذه الزيارات تشكّل الرافد الأساسيّ لاقتصاد المحافظة، التي أصبحت تعدّ من المراكز التجاريّة الأكثر نشاطاً في الضفّة، وأعلنت الغرفة التجاريّة في محافظة جنين بـ24 أيّار/مايو من عام 2018 في بيان صحافيّ "أنّ 929,000 مركبة عبرت من داخل الخطّ الأخضر إلى محافظة جنين خلال عام 2017."

وشكّل تدفّق المتسوّقين سبباً رئيسيّاً في إحياء المدينة من الناحيتين التجاريّة والاقتصاديّة، خصوصاً بعد سنوات عجاف عصفت بها، كونها كانت إحدى أكثر المدن التي تعرّضت للدمار من قبل الجيش الإسرائيليّ خلال الانتفاضة الثانية من عام 2000 إلى 2005، الأمر الذي تسبّب بإغلاق مئات المحلاّت التجاريّة والمنشآت.

والحقت خسائر فادحة في اقتصاد المدينة انذاك، والتي بدأت تتعافى منذ عدة سنوات وجرى افتتاح المحلات وترميمها ، كمحلات الملابس والاحذية بمختلف انواعها وهي الاكثر رواجا في المدينة وبعد ذلك المطاعم، ومحلات الخضار والفواكه.

وقالت "أمّ خالد"، وهي امرأة أربعينيّة من الناصرة تزور جنين مرّة أسبوعيّاً بمركبتها للتسوّق، لـ"المونيتور": "إنّ جنين من أقرب مدن الضفّة علينا، أزورها للتسوّق بسبب أسعار المنتجات الرخيصة، مقارنة بالأسعار داخل الخطّ الأخضر، إضافة إلى جودة المنتجات. إنّي أشتري حاجات منزلي، وأتناول الطعام في مطاعمها قبل أن أعود إلى الناصرة".

من جهته، قال محمّد محاجنة (37 عاماً)، وهو من مدينة أم الفحم التي تتبع إداريًا لقضاء حيفا الذي يزور جنين مع زوجته وطفليه للتسوّق، في حديث لـ"المونيتور": "أزور جنين بشكل منتظم مع العائلة، نحن الآن نتسوّق لشراء مستلزمات عيد الفطر من ملابس للأطفال وحلويّات، ويتعامل التجّار معنا بشكل جيّد، والأسعار ملائمة لنا، رغم محاولة بعض التجّار استغلالنا برفع الأسعار، لكنّها تبقى مناسبة".

أمّا أحمد تلحمي من مدينة شفاعمرو والتي تتبع أيضًا إداريا لقضاء حيفا فقال لـ"المونيتور": "أزور جنين لدعمها ماديّاً من خلال التسوّق والإنفاق، فالأسعار مناسبة والمعاملة جيّدة. ولذلك، تسوّقنا في جنين يدعم اقتصادها، بدل التسوّق في المتاجر الإسرائيليّة الغالية".

ولا يخفي تجّار جنين جدوى تسوّق فلسطينييّ الداخل وأهميّته وتأثيره على زيادة أرباحهم وإحداث حركة تسويقيّة مهمّة في المدينة، إذ أشار أبو أحمد السيلاوي، وهو أحد تجّار جنين ويملك محلاّت لبيع الموادّ التموينيّة والسكاكر، في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "الحركة التجاريّة كالبيع والشراء في جنين تعتمد بنسبة 90 في المئة على فلسطينيّي الداخل، فهم يتسوّقون من المحلاّت الغذائيّة والتموينيّة والملابس والأحذية والمطاعم، وهناك أماكن ومتاجر كثيرة استمرّت بفضلهم، وتجّار توسّعوا في تجارتهم بسبب الأرباح التي حقّقوها"، وقال: "إنّ النشاط التجاريّ الذي يحدثه فلسطينيّو الداخل ملموس لدينا، ففي اليومين التي أغلق فيها معبر الجلمة العسكريّ في 20 و21 ايار /مايو في عطلة شفوعوت بذكرى تسلم الشعب اليهودي الأسفار الخمسة الأولى للتوراة على جبل سيناء كانت الحركة التجاريّة "ميتة"، وهذه الزيارات تشجّع التجّار ورجال الأعمال على الاستثمار والتوسّع في عملهم".

ويضخّ فلسطينيّو الخطّ الأخضر في جنين ملايين الدولارات سنويّاً، إذ قال المدير العام لغرفة تجارة وصناعة جنين محمّد كميل لـ"المونيتور": "إنّ حجم الإنفاق السنويّ من فلسطينيّي الداخل في جنين يبلغ ملايين الدولارات، ويترتّب على هذا الأمر ازدياد في تشغيل القوى العاملة، خصوصاً في القطاعات الخدماتيّة كالمطاعم والمنتزهات"، إضافة إلى توجّه التجّار لتوفير أفضل نوعيّة من البضائع والمنتجات للمتسوّقين.

أضاف محمّد كميل: "إنّ المركبات من داخل الخطّ الأخضر التي زارت جنين عام 2016 بلغ عددها 860 ألف مركبة، وارتفع العدد إلى 929 ألف مركبة عام 2017، وهذا يدلّ على ازدياد عدد الزوّار للمدينة، وبالتالي الشراء والتسوّق وضخّ الأموال".

وأثّر تسوّق فلسطينيّو الداخل إيجاباً على الاستثمار العقاريّ والتضخّم المعماريّ في محافظة جنين بشكل عام، والمدينة بشكل خاص، التي تشهد نهضة في بناء المجمّعات التجاريّة، إذ قال مسؤول الأسواق التجارية في بلديّة جنين توفيق أبو عبيد لـ"المونيتور": "خلال عام 2017، تمّ افتتاح 700 محلّ تجاريّ جديد في المدينة، وهي مرخّصة حسب الأصول، ليصبح عدد المحلات نحو 3 آلاف محلّ تجاريّ".

أضاف: "منذ بداية عام 2018 حتّى نهاية أيّار/مايو، تمّ افتتاح 380 محلاًّ تجاريّاً جديداً، وهذا يعني إنشاء عشرات المجمّعات والأبراج التجاريّة. وحسب ما هو متوقّع، فإنّ العدد قد يصل إلى ألف محلّ تجاريّ جديد مع نهاية العام، إذا ما تمّ الانتهاء من تجهيز المجمّعات التجاريّة التي يجري العمل عليها الآن".

وتشهد جنين أسبوعيّاً افتتاح مراكز تسوق جديدة، آخرها في 2 حزيران/يونيو، حين تمّ افتتاح "برج الساعة" التجاريّ، وهو أحد أفخم المجمّعات التجاريّة وأضخمها في المدينة ويضمّ عشرات المحلاّت، وتمّ إنشاؤه على أنقاض دار السينما الوحيدة في المدينة، بعد شرائها وهدمها.

ورغم الفائدة التي تجنيها المدينة من هذا الإقبال على التسوّق، إلاّ أنّ ذلك يلقي عليها تحدّيات كبيرة، إذ أكّد كميل "أن المدينة تعاني من ضغط متزايد بسبب هذا العدد الكبير من المتسوّقين، وهي تحتاج إلى تنظيم أكبر ومشاريع بنية تحتية افضل"، وقال: "إنّ البنية التحتيّة للمدينة لا تحتمل هذا العدد من المتسوّقين الذين يحتاجون إلى شوارع ومواقف سيّارات، وهذا أمر عائد إلى تقصير بلديّة المدينة في توفير هذه البنية وتطويرها".

من جهته ودفاعا عن البلدية، قال توفيق أبو عبيد: "إنّ الحراك التجاريّ في جنين لم يكن يخطر على بال أحد، فمنذ سنوات لم تشهد المدينة هذا الإقبال، خصوصاً في شهر رمضان والأعياد، وهذا حراك تجاريّ ممتاز جدّاً".

وأكّد "أنّ مدينة جنين تعدّ صغيرة نسبيّاً، فإنّ مساحتها ومخطّطها الهيكليّ محدودان للغاية. وبالتّالي، فإنّ عدد الزوار من داخل الخطّ الأخضر كبير جدّاً، ومرافق المدينة لا تحتمله"، وقال: "تسعى البلديّة إلى توفير كلّ ما يلزم من خدمات ومرافق، لكنّ المدينة ليست مهيّأة لاستقبال العدد الكبير من المتسوّقين والسيّارات"، لافتا الى ان البلدية تدرس حاليا افضل الخطط لتطوير البنية التحتية وتوفير الخدمات الاساسية والضرورية لاستقبال مريح للزوار والمتسوقين.

ورغم الأثر الإيجابيّ في القطاع الاقتصاديّ والحركة التجاريّة، الذي أحدثه تسوّق فلسطينيّي الخطّ الأخضر في جنين، إلاّ أنّ ذلك قد يتطاير في أيّ وقت، لارتباطه في الدرجة الأولى بفتح إسرائيل لحاجز الجلمة العسكريّ والسماح لهم بالمرور عبره، وإنّ أيّ إغلاق للحاجز سيسبّب ركوداً وخسائر لدى التجّار، نتيجة انخفاض معدّلات البيع.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept