تشكيك فلسطينيّ بجديّة التسهيلات الإنسانيّة على غزّة

كشفت إسرائيل عن تسهيلات تنوي تقديمها إلى قطاع غزّة في الفترة المقبلة لتخفيف ضائقته الاقتصاديّة، وهي تتركّز في الجانب النقديّ، من خلال ضخّ كميّات كبيرة من النقود وإدخال مولّدات كهربائيّة... السطور الآتية تتحدّث عن جديّة التسهيلات، وهل هي نتيجة الوساطة المصريّة أم رغبة إسرائيليّة داخليّة في محاولة وقف الاحتجاجات الفلسطينيّة؟ وما موقف "حماس" منها؟ وهل ستوقف المسيرات مقابل تنفيذ هذه التسهيلات أم ستطلب مساعدات أكثر؟

al-monitor .

يون 19, 2018

شهدت الأيّام الأخيرة في أوائل يونيو صدور تصريحات عدّة قدّمت وعوداً بتخفيف الأزمة المعيشيّة الخانقة في قطاع غزّة، كان آخرها يوم 17 يونيو حين ذكرت صحيفة هآرتس أن مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط جيراد كوشنير وجيسون غرينبلاث سيطالبان دول الخليج العربي خلال زيارتهما بعد أيام، استثمار مليار دولار في قطاع غزة في الفترة المقبلة، من أجل تحسين الأوضاع الإنسانية المتدهورة فيه بسبب الحصار.

في هذا السياق، أكد منسّق عمليّة السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف في مقابلة مع موقع ويللا الإسرائيلي بـ13 حزيران/يونيو ضرورة تنفيذ إجراءات عاجلة في غزّة لتحسين المياه والكهرباء والصحّة ومنع الحرب المقبلة، فغزّة تعاني عجزاً كبيراً في العملات النقديّة، وطالب بتقديم خطّة جديدة تهدف إلى خلق فرص عمل جديدة وتطوير التجارة والاقتصاد في القطاع.

وأعلن رئيس المكتب السياسيّ لـ"حماس" إسماعيل هنيّة في خطابه في المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة في 7 حزيران/يونيو أنّ حركته مستعدّة للتعاطي إيجابيّاً مع كلّ مبادرة حقيقيّة تنهي الحصار الإسرائيليّ المفروض على قطاع غزّة منذ أكثر من 10 أعوام.

وكذلك، قال رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في بيان صحافي يوم 5 حزيران/يونيو: إنّ إسرائيل تفحص إمكانيّات عدّة لتجنّب انهيار الأوضاع الإنسانيّة في غزّة.

ويشير هذا الكمّ المتلاحق من الدعوات والتصريحات المطالبة بتخفيف الحصار عن غزّة وتقديم التسهيلات إلى الفلسطينيّين فيه، إلى وجود حراك سياسيّ يتنقّل بين تلّ أبيب ورام الله وغزّة والقاهرة، فضلاً عن واشنطن والدوحة، بهدف إنجاح هذه الجهود لنزع فتيل مواجهة عسكريّة مقبلة بسبب تدهور الوضع المعيشيّ.

من جهته، قال المتحدّث باسم "حماس" حازم قاسم في حديث لـ"المونيتور": "إنّ حقّ شعبنا الطبيعيّ بموجب القانون الدوليّ أن يعيش بحريّة وكرامة، فالحصار الإسرائيليّ على غزّة انتهاك صارخ لهذا الحقّ، وشعبنا في غزّة يسعى إلى العيش كبقيّة شعوب العالم، ولا نريد أن نبقى تحت رحمة التسهيلات الجزئيّة لهذا الحصار. المطلوب رفع الحصار كاملاً والسماح بحريّة البضائع والأفراد، وإنّ مسيرات العودة ستتواصل حتّى تحقيق أهدافها، ومن ضمنها فكّ الحصار المفروض على غزّة".

تعلم "حماس" أكثر من غيرها أنّ الوضع الإنسانيّ في قطاع غزّة يقترب يوماً بعد يوم من الانفجار الداخليّ، وهو مسألة تقلقها بالتأكيد خشية أن ينفلت الناس للتظاهر في شوارعه ضدّ استمرار الواقع الكارثيّ، الأمر الذي قد يحرف بوصلتها من مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ خارج قطاع غزة إلى ضبط الوضع الأمنيّ في داخل القطاع، وقد يشجّع ذلك إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة على فرض المزيد من الحصار لتشتيت جهود "حماس"، الأمر الذي يجعل الحركة تقبل بأيّ حلول وتنفيسات، ولو كانت موقّتة، تبعد شبح أيّ انفجار داخليّ في غزّة.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" في غزّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "من المستبعد إقدام إسرائيل على خطوات جديّة لمعالجة أزمات غزّة قبل تحقيق انتصارات على حماس باستعادة جنودها الأسرى، وإنّ التسهيلات التي تطرح بإدخال عملات ومولّدات كهربائيّة قد لا ينتج منها واقع أفضل لأهل غزّة، لأنها مشاريع إغاثيّة وتشغيل موقّت بموازنة 10 ملايين دولار، على مدار عام، وكلّ الخطط تهدف إلى منع القطاع من الوصول إلى الانهيار الذي سينتج فوضى تضرّ بأمن مصر وإسرائيل".

لكن مسئولا فلسطينياً مقربا من الرئيس محمود عباس، أخفى هويته، قال "للمونيتور" أن "أي تسهيلات معيشية لقطاع غزة يجب أن تمر عبر السلطة الفلسطينية، وأي تجاوز للسلطة يعني تعزيز لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ونعتبرها مساعدات ليست إنسانية، بل لها أهداف سياسية تتعلق بإقامة دولة غزة، المنسلخة عن باقي الأراضي الفلسطينية، وهذا ما نرفضه".

وكشفت صحيفة "معاريف" في 8 حزيران/يونيو عن تفاصيل الخطّة الإنسانيّة والتسهيلات المعيشيّة لغزّة، بمساهمة إسرائيل والولايات المتّحدة الأميركيّة والأردن، وهي تكمن بضخّ ملايين الدولارات في أسواق قطاع غزّة وبنوكه، كي لا تتدهور الأمور نحو مواجهة عسكريّة، وإقامة منطقة صناعيّة فلسطينيّة للعمل بسيناء، وفتح المعابر الحدوديّة مع مصر وإسرائيل، وبناء محطّة تحلية مياه، وإحضار آلاف المولّدات الكهربائيّة وتوزيعها على مستشفيات قطاع غزّة ومدارسه. ولقد منحت الدوائر السياسيّة والأمنيّة الإسرائيليّة، الضوء الأخضر لإنفاذها.

وأوصت القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي في 1 حزيران/يونيو، الحكومة الإسرائيليّة بتقديم تسهيلات إلى سكّان غزّة، خشية تدهور الوضع الأمنيّ، قبل أن يتطوّر إلى مواجهة عسكريّة موسّعة، وتشمل التسهيلات منح تصاريح عمل إلى سكّان القطاع للعمل داخل إسرائيل، لأنّ أوضاعه الاقتصاديّة أصبحت لا تطاق.

بدوره، قال الخبير الفلسطينيّ في الشؤون الإسرائيليّة صالح النعامي لـ"المونيتور": "إنّ هناك تحوّلاً كبيراً حدث في المواقف الإسرائيليّة من مسألة التخفيف عن قطاع غزّة، بعد أن كان الشرط المسبق لأيّ تخفيف على الأوضاع الاقتصاديّة والإنسانيّة تجريد حماس من السلاح. ولعلّ التصعيد بين المقاومة وإسرائيل في 29 أيّار/مايو، أسهم في إحداث التحوّل في المواقف الإسرائيليّة لجهة التخفيف على القطاع".

وكان لافتاً أن تحدث عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة وعضو اللجنة المركزيّة لـ"فتح" عزّام الأحمد في 21 أيّار/مايو، في حديث لإذاعة صوت فلسطين برام الله قائلاً: إنّ تقديم تسهيلات إنسانيّة في غزّة يأتي في إطار صفقة القرن، وهذه الأفكار هدفها سياسيّ بالقفز عن القيادة الفلسطينيّة، وبمعزل عنها، وبتورّط بعض الأنظمة العربيّة في هذه الصفقة، دون أن يسمّي هذه الدول العربية.

ولذلك، ربّما يعتبر موقف السلطة الفلسطينيّة المعارض لأيّ تخفيف للحصار عن غزّة في حجّة معاقبة "حماس" والضغط على الفلسطينيّين للثورة عليها في غزة، عقبة حقيقيّة في وجه أيّ مبادرات إنسانيّة لوقف تدهور الوضع الكارثيّ في القطاع، فالسلطة باتت طرفاً أساسيّاً في الحصار بجانب إسرائيل، خصوصاً عقب فرض إجراءاتها العقابيّة ضدّ غزّة منذ نيسان/إبريل من عام 2017.

أمّا رئيس اللجنة الاقتصاديّة في المجلس التشريعيّ عاطف عدوان فقال في حديث لـ"المونيتور": "إنّ رفع حصار غزّة يحتاج إلى قرار واحد وجرّة قلم من إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة، الأمر الذي يؤكّد أنّ المقصود من التصريحات والاجتماعات تخدير الفلسطينيّين، خاصة اجتماع الحكومة الإسرائيلية يوم 10 يونيو، ولقاء واشنطن يوم 14 مارس، لبحث التخفيف من الحصار المفروض على قطاع غزة، لكني لا أتوقّع رؤية تسهيلات في القريب العاجل، فالإسرائيليّون وبعض الأطراف الدولية يساوموننا على وقف مسيرات العودة مقابل تحسينات طفيفة في غزّة، وأبلغنا وسطاء أجانب، لن أكشف هويّاتهم، بأنّ إسرائيل تطالب حماس بتقديم تنازلات في موضوع المسيرات والجنود الأسرى لديها مقابل التخفيف عن غزّة".

وأخيراً، يرى الفلسطينيّون في غزّة أنّهم باتوا يشغلون دوائر صنع القرار في إسرائيل والإقليم والمجتمع الدوليّ، لكنّهم يدركون أيضاً أنّ تنفيذ التسهيلات المعلنة ليس بالأمر السهل، فدونها خلافات كبيرة بين مختلف أطراف القضيّة: "حماس" والسلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، وكلّ منها يريد تحقيق أهدافه الخاصّة، الأمر الذي يجعل سكّان القطاع الضحيّة الأولى لهذه الخلافات التي لا يبدو أنّ نهايتها وشيكة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
إنهاء الانقسام ضرورة فلسطينيّة لمواجهة صفقة القرن
أحمد ملحم | المصالحة الفلسطينية | فبر 13, 2020
إيران تنشط بين الفلسطينيّين لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | القضية الفلسطينية | فبر 13, 2020
من يقود التصعيد الحاليّ في قطاع غزّة؟
انتصار ابوجهل | غزّة | فبر 11, 2020
رغم التصعيد المتدحرج بين غزّة وإسرائيل... لماذا لم ترسل مصر وفدها الأمنيّ إلى القطاع؟
رشا أبو جلال | القضية الفلسطينية | فبر 7, 2020

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020