نبض الأردن

أيام الغضب الأردنية تُرغِم رئيس الوزراء على الاستقالة

p
بقلم
بإختصار
بادر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى قبول استقالة رئيس الوزراء في مسعى لتهدئة الأردنيين الذين يحتجّون على إجراءات التقشّف المدعومة من صندوق النقد الدولي.

لم يسبق أن عرف الأردن في تاريخه أحداثاً كتلك التي شهدها الأسبوع الماضي، مع اندلاع تظاهرات شعبية حاشدة دفعت برئيس الوزراء إلى تقديم استقالته صاغراً. فقد اندلعت احتجاجات عفوية في 31 أيار/مايو بعدما وافقت الحكومة على زيادة كبيرة في أسعار المحروقات بمعدّل خمسة في المئة. وقبلها بيومٍ واحد، نفّذ آلاف الأردنيين إضراباً عاماً غير مسبوق دعت إليه النقابات المهنية النافذة احتجاجاً على مشروع قانون مثير للجدل حول الضريبة على الدخل. تعرّضت حكومة رئيس الوزراء المستقيل هاني الملقي، التي أرسلت التشريع إلى مجلس الأمة من دون السماح بحدوث نقاش عام، لضغوط عامة طوال أشهر منذ إقرارها موازنة الدولة الخلافية للعام 2018، وقيامها برفع الدعم الحكومي عن الخبز وفرض ضريبة مبيعات على السلع الأساسية.

منذ 31 أيار/مايو، ينزل الأردنيون، ومعظمهم من الشباب والنساء، إلى الشوارع في العاصمة عمان ومدن أخرى في المملكة، مطالبين بطرد الحكومة ومُعرِبين عن رفضهم للإجراءات التقشّفية. وقد مُنِع آلاف المحتجّين، في التظاهرات التي حافظت على طابع سلمي إلى حد كبير، مع تسجيل عدد قليل من الإصابات والتوقيفات، من التوجّه إلى مقر رئاسة الوزراء غرب عمّان، وتصدّت لهم شرطة مكافحة الشغب التي أشاد المواطنون بانضباطها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وفي حين تجنّبت وسائل الإعلام الرسمية تغطية الاحتجاجات الحاشدة، لجأ المحتجّون إلى "فايسبوك" و"تويتر" لبثّ مشاهد حيّة من التجمّعات الليلية.

وقد تدخّل الملك عبدالله الثاني في 31 أيار/مايو، مصدِراً أوامره للحكومة بتجميد الزيادات في أسعار المحروقات. ودعا، لدى ترؤسّه اجتماع مجلس السياسات الوطني في الثاني من حزيران/يونيو، الحكومة ومجلس الأمة إلى قيادة حوار وطني شامل وعقلاني من أجل التوصّل إلى توافق حول مشروع قانون ضريبة الدخل بما يحول دون استنزاف المواطنين، ويساهم في مكافحة التهرّب الضريبي وتحسين فاعلية جباية الضرائب. وأشار أيضاً إلى أنه من الإجحاف إرغام المواطنين على تحمّل عبء الإصلاح المالي.

غير أن الاحتجاجات التي لا قيادة لها استمرّت، مع انضمام الآلاف إليها ليلياً، وإصرارهم على إقالة الحكومة وسحب مشروع القانون المقترَح. وبحلول الثالث من حزيران/يونيو الجاري، بات واضحاً أن الأزمة السياسية قد تعمّقت. وقد سعى رئيس مجلس الأعيان ورئيس مجلس النواب، وهما الغرفتان اللتان يتألف منهما مجلس الأمة الذي لم ينعقد، إلى تأمين مخرج للبلاط الملكي والحكومة. واقترحا عقد جلسة استثنائية في غضون أيام كي تتمكّن الغرفتان من رفض مشروع القانون.

استمرّ الملقي في رفض سحب مشروع القانون، إلى أن طُلِب منه تقديم استقالته. وقد قيل إن مشروع القانون وُضِع تحت تأثير الضغوط من صندوق النقد الدولي لإقرار قانون جديد لضريبة الدخل من شأنه توسيع قاعدة المكلّفين والحد من التهرّب الضريبي. وقد نصّ اتفاق وُقِّع في العام 2016 مع صندوق النقد الدولي، ومدّثه ثلاث سنوات، على قيام الحكومة باعتماد بعض الإجراءات التقشّفية في مقابل حصولها على خط ائتماني بقيمة 700 مليون دولار.

في ساعة متأخّرة من مساء الثالث من حزيران/يونيو، وفيما كان المحتجّون يستأنفون تجمّعاتهم الليلية، بات واضحاً أنه على الملك أن يُبادر إلى نزع فتيل الأزمة. وكما النار في الهشيم، انتشرت الأنباء عن قيامه باستدعاء الملقي للاجتماع به في اليوم التالي. في الرابع من حزيران/يونيو، قبِل الملك استقالة الملقي، وبعدها بيومٍ واحد، طلب من وزير التربية والتعليم السابق، عمر الرزاز، تشكيل حكومة جديدة. يتمتّع الرزاز، وهو موظّف مخضرم في الخدمة المدنية، بالمصداقية والنزاهة على السواء في نظر الرأي العام، لكنه يتسلّم رئاسة الوزراء في خضم أوضاع اقتصادية مزرية. سوف يواجه تحدّياً هائلاً في تلبية مطالب صندوق النقد الدولي فيما يحاول تهدئة المواطنين الغاضبين. فقد ازدادت نسبة البطالة لتصل إلى 18 في المئة، ومعدّل الفقر إلى 20 في المئة، وبلغت الديون الحكومية نحو 40 مليار دولار أو 95.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الأردني، ما يُثير مخاوف من أن المملكة تنزلق نحو فقدان الملاءة المالية.

اجتمع الملك، بعد قبوله استقالة الملقي، بممثّلين عن الصحافة المحلية، وقال إنه وقف دائماً إلى جانب شعبه، وسوف يستمر في ذلك. وأشار، في بيان مكتوب، إلى أن النزاعات الإقليمية هي من العناصر المساهِمة في التحدّيات التي يواجهها الأردن، لكنه أردف: "يجب أن نقرّ بأنه كان هناك تقصير وتراخٍ لدى بعض المسؤولين في اتخاذ القرارات". وأضاف أنه عمِل جاهداً من أجل قيام حكومة برلمانية، غير أن الأداء السيئ من الأحزاب السياسية حال دون نجاحها.

على الرغم من استقالة الملقي، استمرّت الاحتجاجات الليلية في الرابع من حزيران/يونيو، وانتقل المحتجّون إلى المطالبة بحل مجلس الأمة. وقد وقع عراكٌ مع الشرطة على مقربة من مقرّ رئاسة الوزراء، إنما لم تُسجَّل أي توقيفات. وكان من المقرر أن يجتمع مجلس النقابات المهنية في الرابع من حزيران/يونيو لاتخاذ القرار بشأن المضي قدماً بالإضراب العام المقرّر في اليوم التالي أو العدول عنه.

لقد سلّطت الأزمة الضوء على الحاجة إلى إجراء مراجعة للسياسات السياسية والاقتصادية فيما يسعى الأردن إلى إقرار قانون انتخابي جديد من شأنه أن يُتيح تشكيل حكومات برلمانية. يريد الأردنيون الآن شفافية كاملة من شأنها أن تفضح الفساد العام وسوء الإدارة، اللذين يعتبر كثرٌ أنهما السبب خلف تراكم الديون الخارجية.

قدّمت الأزمة الأخيرة لمحة عن المشهد السياسي المتغيِّر بسرعة في الأردن. ففيما أصبحت الأحزاب السياسية مهمَّشة نتيجة السياسات التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، برزت النقابات المهنية ونقابات العمّال بمثابة الأدوات الحيوية الوحيدة للتعبئة السياسية. وبما أن الغالبية الكبرى من المحتجّين هي من الشباب والأشخاص الذين ليست لديهم انتماءات سياسية، فذلك يحمل مؤشّرات عن دخول لاعب جديد على الساحة، بعد تعرّضه للتهميش لسنوات عدّة.

أخيراً، لقد أعادت الأزمة ضبط الأجندة السياسية في المملكة، بوجود لاعبين أساسيين مثل الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، وضبّاط عسكريين متقاعدين، ورئيس وزراء سابق يدعو الآن إلى استئناف الإصلاحات السياسية التي اضمحلّت مع انحسار الربيع العربي. سوف يُنتظَر من رئيس الوزراء الجديد الانخراط مع الرأي العام في نقاشات تتمحور حول فصل السلطات وإعادة تأهيل الحياة السياسية في المملكة.

فيما يحصل الشباب الأردنيون على التمكين والتحفيز، بفضل مواقع التواصل الاجتماعي والآفاق الاقتصادية القاتمة، سوف يُتوقَّع منهم تأدية دور قيادي في الضغط على المنظومة لتطبيق إصلاحات حقيقية. ثمة أمرٌ مؤكّد في المرحلة الراهنة: يقف الأردن عند منعطف تاريخي، وترتدي الأسابيع المقبلة أهمية أساسية في تحديد مستقبل البلاد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : hani al-mulki, taxes, king abdullah ii, protests in jordan, political parties, jordanian parliament, jordanian government, reform
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept