Russia / Mideast

إيران قد تصبح دخيلة في العلاقة السعوديّة الروسيّة

p
بقلم
بإختصار
تغضّ المملكة العربيّة السعوديّة وروسيا الطرف منذ فترة عن خلافاتهما وتركّزان عوضاً عن ذلك على مصالحهما المشتركة في مجال الطاقة، لكن قد يكون من الصعب تجاهل المشكلة البديهيّة إلى ما لا نهاية.

في الوقت الذي اجتمع فيه المنتخبان الروسيّ والسعوديّ في 14 حزيران/يونيو في المباراة الافتتاحيّة لكأس العالم لكرة القدم في روسيا، اجتمع أيضاً الرئيس الروسيّ ووليّ العهد السعوديّ لمشاهدة المباراة ومناقشة العلاقات بين بلديهما.

ويبدو أنّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان بنى علاقة عمل وطيدة مع الرئيس فلاديمير بوتين. وقد أشاد بوتين بتعاون الأمير، الذي كانت زيارته الأخيرة إلى روسيا في شهر أيار/مايو 2017.

وفيما يُستبعد أن يصل المنتخبان الروسيّ والسعوديّ إلى نهائيّات كأس العالم لكرة القدم، قد يكون للعلاقة بين بوتين ومحمد بن سلمان تأثير طويل الأمد على البلدين. وقد ناقش الزعيمان مسائل متعدّدة طبعاً، أبرزها الاتّفاق الذي أبرماه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016 حول خفض إنتاج النفط في ظلّ ارتفاع أسعار النفط في سوق الطاقة العالميّة على خلفيّة عدم الاستقرار في فنزويلا وانسحاب الولايات المتّحدة من الصفقة النوويّة الإيرانيّة.

لقد رافق وزير النفط خالد الفالح الأمير محمد بن سلمان في رحلته إلى موسكو. وشارك الوزير ونظيره الروسيّ، ألكسندر نوفاك، في المحادثات بين بوتين ووليّ العهد في الكرملين. وأثناء الاجتماع، أشاد الطرفان أحدهما بالآخر في ما يتعلّق باتّساق اتّصالاتهما، مركّزين بشكل خاصّ على اتّفاق فيينا أو صفقة "أوبك+" التي أبرمتها منظّمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) مع بعض منتجي النفط الآخرين من أجل خفض إنتاج النفط.

يتعيّن على موسكو والرياض تنسيق مواقفهما قبيل انعقاد اجتماع "أوبك" المهمّ في فيينا في 22 حزيران/يونيو. وما يساهم في تعقيد الاجتماع المرتقب وما ستواجهه روسيا والمملكة العربيّة السعوديّة كجبهة موحّدة، هو غياب التوافق بين الدول الـ24 التي وقّعت الاتّفاق في العام 2016. وقد تجد روسيا صعوبة بشكل خاصّ في إيجاد توازن بين مصالحها الخاصّة ومصالح طهران، التي من المتوقّع أن ينخفض إنتاجها بمعدّل 900 ألف برميل السنة المقبلة بسبب العقوبات الجديدة التي فرضتها عليها الولايات المتّحدة. في ظلّ هذه الظروف، قد يكون من مصلحة إيران تصدير أكبر كميّة ممكنة من النفط بأسعار أغلى، وهو أمر تسعى روسيا والمملكة العربيّة السعوديّة بإصرار إلى تقويضه من خلال زيادة الإنتاج العالمي. وقد اتّفق هذان البلدان على ضرورة زيادة الإنتاج، لكنّ تفاصيل تفاهمهما وحجمه ستبقى مجهولة على الأرجح إلى حين انعقاد اجتماع فيينا.

يبدو إذًا أنّ التنسيق في المسائل المتعلّقة بالطاقة يساهم في توحيد روسيا والمملكة العربيّة السعوديّة في منطقة تتعارض فيها مواقفهما الأخرى في الوقت الحاليّ. فقد تفاقمت الخلافات التقليديّة حول تسوية الحرب الأهليّة السوريّة بسبب اختلاف وجهات النظر بشأن دور إيران في المنطقة، بالإضافة إلى الحملة التي تقودها السعوديّة لعزل قطر بسبب دعمها المزعوم للإرهابيّين، وهي تهمة تنفيها قطر.

وقد تعمّدت روسيا البقاء على الحياد في موضوع الحصار على الرغم من قيام الطرفين بمحاولات عدّة للتحبّب من روسيا في هذا السياق. ومنذ صيف 2017، بدأت المملكة العربيّة السعوديّة وقطر بالتودّد إلى موسكو. وقد نظّمت المملكة في شهر تشرين الأول/أكتوبر الزيارة الأولى على الإطلاق لملك سعوديّ إلى روسيا. لكنّ موسكو بقيت متمسّكة بموقفها.

وفي ظلّ فقدان حصار قطر زخمه بعد سنة من المحاولات الفاشلة لإرغام الدوحة على الرضوخ للضغوط، قامت الرياض بتحرّك يمكن أن تعتبره موسكو غير وديّ. فخوفاً من قيام روسيا بتسليم قطر منظوماتها الدفاعيّة من طراز "أس-400"، أرسل الملك سلمان بن عبد العزيز رسالة إلى الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون هدّد فيها بالتحرّك عسكريّاً ضدّ قطر إذا وصلت الأسلحة الروسيّة إلى الدوحة وطلب فيها من ماكرون إقناع قطر بالتراجع عن الصفقة.

ومع أنّ روسيا وقطر ما زالتا في المراحل الأولى من المحادثات بشأن تسليم منظومات "أس-400" الدفاعيّة وما زال من غير الواضح ما إذا كانتا ستمضيان قدماً بالصفقة، تسبّبت محاولات الرياض الهادفة إلى التدخّل في صفقات موسكو مع الدول الإقليميّة الأخرى بالإزعاج لبوتين. فهذه المحاولات تثير قلق موسكو لأنّها تبدو بشكل متزايد شبيهة بالألاعيب الأميركيّة الهادفة إلى عرقلة صفقة روسيا مع تركيا بشأن منظومات "أس-400". لكنّ الأهمّ هو أنّ سياسة حافة الهاوية التي يعتمدها الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير ومحمد بن سلمان تذكّرنا بأيّام الأمير بندر بن سلطان آل سعود عندما كان رئيساً للاستخبارات السعوديّة. فالتاريخ الروسيّ سيتذكّر هذا الأخير كمسؤول سعوديّ حاول إرغام بوتين على تغيير سياسته الخارجيّة في سوريا سنة 2013.

يبدو أنّ العلاقات الروسيّة السعوديّة مجزّأة، إذ إنّ البلدين يتحدّثان عن المسائل التي يتّفقان بشأنها لكنّهما يحرصان على عدم ذكر المشاكل التي تضرّ بشراكتهما. ولطالما كانت إيران هي المشكلة الأساسيّة، لكنّ طهران لم تُذكر في أيّ بيانات رسميّة حول الاجتماعات الروسيّة السعوديّة في الأشهر القليلة الماضية. لكن من الصعب أن نتصوّر أنّ الرياض قد تتفادى مناقشة ما أسمته الخطر الرئيسيّ على الاستقرار في الشرق الأوسط.

وربّما لم يكن توسّع الوجود الإيرانيّ في الشرق الأوسط الموضوع الرئيسيّ على الأجندة عندما اجتمع بوتين ومحمد بن سلمان الأسبوع الماضي، لكنّ موسكو تملك مفتاح احتواء طهران في المنطقة، والرياض تدرك ذلك. لكنّ موسكو لا تعتبر بالضرورة دور إيران في الشرق الأوسط خطراً على الأمن الإقليمي. في الواقع، يسعى كبار المسؤولين الروس إلى إنشاء منظّمة للأمن الإقليمي تضمّ الدولتين الخليجيّتين العدوّتين.

قد لا تكون المواجهة بين إيران وخصومها الإقليميّين لعبة صفريّة المجموع بعد اليوم، كما أظهرت الأحداث الأخيرة في سوريا. فقد مارست إسرائيل ضغوطاً هائلة على القوى الإيرانيّة الداعمة للرئيس السوريّ بشار الأسد، مرغمة روسيا على السعي إلى توافق مع تل أبيب بشأن وجود طهران في سوريا. وقد أدّى ذلك إلى اتّفاق مزعوم تسهّل موسكو بموجبه انسحاب إيران من جنوب سوريا. وقد يكون تحرّك إسرائيل الحازم ضدّ طهران خلّف انطباعاً لدى وليّ العهد السعوديّ بأنّ روسيا باتت أخيراً مطواعة في مسألة احتواء إيران، ما قد يعني أنّ الوقت مناسب الآن لمحاولة إحداث شرخ بين حليفي الأسد. وقد اجتمع رئيس الحكومة اللبنانيّة سعد الحريري، الذي أصبح مؤخّراً أكثر عزماً على انتقاد إيران وهو مقرّب من محمد بن سلمان، ببوتين في موسكو قبل يوم من زيارة وليّ العهد السعوديّ، ما ساهم ربّما في إيصال الرسالة إلى الكرملين بشأن الخطر الإيرانيّ.

ويبدو أنّ عدم الاستقرار في أسواق الطاقة يشكّل عامل استقرار بالنسبة إلى العلاقات بين موسكو والرياض بما أنّ الطرفين يجدان نفسيهما أمام المشكلة عينها ويبحثان عن حلّ براغماتيّ لأزمة النفط. لكن في الوقت الحاليّ، يتوهّم الطرفان كلاهما أنّ التنسيق المتقطّع والمصالح المشتركة في قطاع النفط يمكنها أن تحلّ مكان علاقة متكاملة وناضجة. وفي هذه الأثناء، تستمرّ الخلافات السياسيّة في التكدّس لكن يتمّ تأجيل النظر فيها. وإنّ تجزئة العلاقات الروسيّة السعوديّة بشكل مفرط إلى درجة تفادي الحديث عن المواضيع الخلافيّة قد يزعزع الاستقرار أكثر على المدى البعيد عندما يتعدّى ثمن البقاء في صفقة "أوبك+" ثمن الانسحاب منها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : mohammed bin salman, vladimir putin, iranian influence, russia in middle east, russia-saudi relations, opec, oil
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept