انطلاق الانتخابات العماليّة في مصر... العمّال يفقدون استقلالهم؟

بعد توقّف دام 12 عاماً، عادت الانتخابات العماليّة مجدّداً في مصر، لكنّها هذه المرّة بدت أكثر تشويقاً، إذ تسعى الحكومة إلى السيطرة وإحكام قبضتها على النقابات المستقلّة التي شكّلت صداعاً للسلطة منذ اندلاع ثورة كانون الثاني/يناير من عام 2011.

al-monitor .

ماي 29, 2018

القاهرة - في 23 أيّار/مايو، انطلقت الانتخابات النقابيّة العماليّة في مصر بعد توقّف 12 عاماً، وسط اتّهامات للحكومة المصريّة باستبعاد قيادات عماليّة مستقلّة من السباق الانتخابيّ من أجل السيطرة على الحركة العماليّة التي شكّلت صداعاً للسلطة عقب ثورة 25 كانون الثاني/يناير من عام 2011.

وكانت آخر انتخابات عمالية أجريت إبان عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2006، قبل أن تتوقف بسبب الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر، عقب ثورتي يناير/ كانون الثاني 2011، و30 يونيو/ حزيران 2013.

وأشار وزير القوى العاملة المصريّ محمّد سعفان خلال مؤتمر صحافيّ عقد الخميس في 24 أيّار/مايو إلى أنّ العمّال في لحظة تاريخيّة، إذ تجرى الانتخابات بعد توقّف دام 12 عاماً، وهم يختارون ممثّليهم بحريّة كاملة، وقال: "هدفنا الخروج بتنظيم نقابيّ يعبّر عن العمّال بشفافيّة تامّة".

وتجرى الانتخابات تحت إشراف قضائيّ على 3 مراحل، اللجنة النقابيّة للمنشأة (لجنة واحدة على مستوى المحافظة أو المدينة للمنشآت والمصانع والشركات) والتي جرى الاقتراع لها بـ23 و24 أيّار/مايو، وتبقّى لها يوم آخر 31 أيّار/مايو، فيما تجرى انتخابات مجالس النقابات العامّة (بمعنى نقابة عامّة واحدة طبقاً للتصنيف النقابيّ على مستوى المهنة أو الصناعة) في 7 حزيران/يونيو المقبل. وأخيراً، انتخابات الاتّحاد العامّ لنقابات عمّال مصر (اتّحاد واحد على المستوى القوميّ) في 13 حزيران/يونيو.

وشكا نشطاء وحقوقيّون أبرزهم رئيس اتحاد عمال مصر الديمقراطي (المستقل) سعد شعبان والناشط العمالي كمال عباس، من تدخّلات أمنيّة عن طريق الضغط على وزارة القوى العاملة لاستبعاد قيادات النقابات المستقلّة من خوض السباق، فيما عزا المسؤولون استبعادات المرشحين إلى عدم استيفاء الأوراق المطلوبة.

وتأتي الإنتخابات عقب إقرار قانون جديد للمنظّمات العماليّة في 19 كانون الأوّل/ديسمبر، عزّز السيطرة الحكوميّة على التنظيم العماليّ، بعدما ألزم النقابات الرسميّة والمستقلّة بتوفيق أوضاعها وفق قواعد واحدة لكنّ منظّمات نقابيّة مستقلّة اشتكت من مضايقات أثناء عمليّة توفيق الأوضاع، الأمر الذي دفع ببعضها إلى تجميد النشاط.

وظهرت النقابات العماليّة المستقلّة في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إثر خصخصة شركات مثل شركة عمر أفندي وتسريح للعمّالة بعد بيعها، فنظّمت إضرابات ضد الحكومة خرجت من رحمها تلك النقابات، ثم صعد نجهما بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير من عام 2011، وأصبحت أكثر قوة من المنظّمات الحكوميّة. لكن بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013، بدأت السلطة التضييق عليها حيث رفضت الحكومة في آذار/مارس 2013، الاعتراف بها واعتبرتها كيانات غير شرعيّة.

نقابة العاملين في قطاع السياحة، وهي إحدى النقابات المستقلّة التي تمّ إنشاؤها عقب ثورة 25 كانون الثاني/يناير من عام 2011، استبعد رئيسها حمدي عزّ من السباق الانتخابي، وأشار في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّه فوجئ باستبعاده مع زملائه في النقابة بعدما تقدّموا بأوراقهم لخوض الانتخابات من دون إبداء أسباب من اللجنة المشرفة على الانتخابات.

وأوضح أنّ وزارة القوى العاملة "تعنّتت" معهم، ولم تعلن الكشوف النهائيّة لأسماء المرشّحين لخوض الانتخابات النقابيّة في الوقت الذي حدده القانون، كما أنها (وزارة القوى العاملة) لم تعلن أيضًا نتيجة الطعون التي تقدموا بها اعتراضًا على استبعادهم.

ورصدت الشبكة العربيّة لمعلومات حقوق الإنسان (منظّمة مجتمع مدنيّ)، ما وصفته بـ"عمليّة إقصاء ممنهجة" من خلال استبعاد ما يزيد عن 1500 مرشّح من القيادات النقابيّة الناشطة وسط العمّال من قوائم المرشّحين في محافظة القاهرة فقط.

وقال حمدي عزّ: "تمّ إقصاء بعض القيادات العماليّة القويّة لإفساح المجال لآخرين في النقابات الرسميّة الموالية للحكومة، والتي تخدم رجال الأعمال أصحاب المصانع على حساب العمّال".

وأكّد أنّه تقدّم بدعوى قضائيّة أمام محكمة القضاء الإداريّ، وسيرسل مذكّرة بالانتهاكات التي تعرّضت لها القيادات العماليّة إلى منظّمة العمل الدوليّة.

وردّ محمّد سعفان على اتّهامات التدخّل في الانتخابات قائلاً: "هذا كلام مطلق من البعض، ولن نعطي أذننا إليه، فمن يمتلك دليلاً عليه تقديمه".

وأقرّ قياديّ في اتّحاد عمّال مصر –المحسوب على الدولة- رفض ذكر اسمه، لـ"المونيتور"، باستبعاد المئات من المرشّحين إلى الانتخابات لأسباب "أمنيّة"، من بينها انتماء بعضهم إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تصنّفها السلطات جماعة إرهابيّة.

وسبق أن أعربت منظّمة العمل الدوليّة عن قلقها من تأثير قانون المنظّمات العماليّة عند صدوره في كانون الأوّل/ديسمبر، على الحريّة النقابيّة في البلاد.

وقال المنسّق العامّ لدار الخدمات النقابيّة والعماليّة (منظّمة غير حكوميّة) وعضو المجلس القوميّ لحقوق الإنسان المصريّ كمال عبّاس في حديث لـ"المونيتور": إنّ وزارة القوى العاملة ارتكبت مخالفات واضحة وصريحة لقانون التنظيمات النقابيّة واللّائحة التنفيذيّة له، وتدخّلت بشكل فجّ في عمليّة توفيق الأوضاع بهدف تقليص فرص النقابات المستقلّة في الإنتخابات والبقاء للدفاع عن حقوق العمّال.

أضاف: "كان هناك تعنّت غير طبيعيّ وغير منطقيّ من مديريّات القوى العاملة في القاهرة والمحافظات. ورغم استيفاء الأوراق المطلوبة وفقاً للاّئحة التنفيذيّة لقانون التنظيمات النقابيّة، إلاّ أنّ المديريّات كانت تطالب بأوراق غير منصوص عليها بهدف إعاقة النقابات عن توفيق أوضاعها".

من جهته، أشار نائب رئيس اتّحاد عمّال مصر مجدي البدوي إلى أنّ الكيانات المستقلّة تفتعل المشكلات (التظاهر والاحتجاج والشكوى لمنظمة العمل الدولية) من أجل إفساد الانتخابات التي تجرى بعد أن أجّلتها مراراً وتكراراً الحكومات المتعاقبة لمدّة 12 عاماً، وقال في حديث لـ"المونيتور": "من يقومون بتشويه العمليّة الانتخابيّة الآن هم من فشلوا في توفيق أوضاعهم، فهناك نقابات مستقلّة تمكّنت من توفيق أوضاعها لأنّ لها تواجداً حقيقيّاً على الأرض، وبعضها انضمّ إلى اتّحاد عمّال مصر بعدما اكتشف أنّ الأمور (إصلاح المناخ العمالي من خلال توحيد التنظيم العمالي ليساعد الدولة على الإنتاج) تسير في طريقها الصحيح".

أضاف البدوي: "أنّ هدف هذه النقابات إثارة المشكلات وتدويلها بإرسالها مذكّرات إلى منظّمة العمل الدوليّة، وغرضها تشويه صورة مصر أمام العالم من أجل مصالحها الشخصيّة".

وإذ أكّد كمال عبّاس أنّ "الحكومة فرضت سيطرتها على التنظيم النقابيّ في تلك الانتخابات"، قال: "لن نستسلم للأمر الواقع، ولجأنا إلى القضاء من أجل إبطال قانون المنظمات النقابية أمام المحكمة الدستوريّة، وكذلك إبطال استبعاد القيادات البارزة من سباق الانتخابات، فالوضع بعد ظهور النقابات المستقلّة لا يمكن أن يكون كما قبله".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو