خمسة اتّجاهات بارزة في الانتخابات النيابيّة اللبنانيّة

p
بقلم
بإختصار
ما زالت الانتخابات النيابيّة المقبلة في لبنان تحمل عنصر المفاجأة في ظلّ سعي العمالقة السياسيّين إلى إحكام قبضتهم على السلطة ودخول عسكريّين متقاعدين المعترك السياسي.

بعد خمس سنوات من التأخير، سيتوجّه اللبنانيّون إلى صناديق الاقتراع في 6 أيار/مايو الجاري لانتخاب مجلس نيابيّ جديد للمرّة الأولى منذ العام 2009. ويقضي الهدف المطلق لهذا الاقتراع الشعبيّ بتعديل تمثيل الطبقة الحاكمة نفسها للسلطة وتحديد قواعد التزامها للسنوات الأربع المقبلة. وستجري الانتخابات العامّة لسنة 2018 للمرّة الأولى على أساس النظام النسبيّ بدلاً من النظام الأكثريّ، مع تقسيم لبنان إلى 15 دائرة (مقارنة بـ26 في العام 2009). ويمكن القول إنّ الفائزين بحوالى 70% من المقاعد محدّدون مسبقاً نظراً إلى طبيعة النظام السياسيّ الطائفيّة.

يعكس القانون الانتخابيّ المشهد السياسيّ الحاليّ في لبنان الذي تشهد فيه التحالفات تقلّبات ولا يمكن لتحالف واحد أن يحكم البلد. بالإضافة إلى ذلك، تنظَّم هذه الانتخابات التشريعيّة على خلفيّة تطوّرين مهمّين اثنين، ألا وهما تداعيات صفقة 2016 الرئاسيّة التي انتُخب الجنرال ميشال عون بموجبها رئيساً، والوضع المتفجّر في سوريا المجاورة. وهناك خمسة اتّجاهات يمكن رصدها في هذه الانتخابات:

الحريريّة ضعفت لكنّها لم تنتهِ

قبل عقدين من الزمن تقريباً، قسّم النظام السوريّ وحلفاؤه اللبنانيّون بيروت إلى ثلاث دوائر من أجل إضعاف القدرات الانتخابيّة لرئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري، الذي عاد بقوّة في العام 2000 وفاز بـ18 مقعداً نيابيّاً من أصل 19 في بيروت. لكن في العام 2018، من غير المتوقّع أن يفوز زعيم تيّار المستقبل سعد الحريري بأكثر من نصف هذه المقاعد الـ19. في العقود الثلاثة الماضية، تضمّنت كتل رفيق وسعد الحريري النيابيّة نوّاباً غير سنّة في وقت كانت فيه الأحزاب السياسيّة المسيحيّة الرئيسيّة مهمّشة في النظام السياسي. إلا أنّ القانون الانتخابيّ الحاليّ يعيق قدرة سعد الحريري وجميع الزعماء الرئيسيّين على التمتّع بكتلة نيابيّة عملاقة. وتتعلّق هذه الانتخابات جزئيّاً بمن سيرث المقاعد السنيّة والشيعيّة والمسيحيّة التي سيخسرها الحريري. بالإضافة إلى ذلك، يواجه الحريري منافسة غير مسبوقة في لبنان من خصوم سنّة، بما في ذلك من أشخاص مقرّبين من المملكة العربيّة السعوديّة. وفيما يُعتبر الحريري أضعف اليوم ممّا كان عليه سنة 2009، من المتوقّع أن تعزّز النتائج الانتخابيّة دوره الأساسيّ كرئيس للحكومة في الوضع الراهن. لكنّ هذا الدور الأساسيّ قد يتعرّض للخطر إمّا بسبب اضطرابات إقليميّة وإمّا بسبب ضغوط أميركيّة سعوديّة على الحريري من أجل مواجهة حزب الله مباشرة.

حزب الله يكافح لإيجاد حلفاء جدد

إنّ مشكلة حزب الله في انتخابات 2018 هي كيفيّة إيجاد حلفاء جدد للتعويض عن الخسارة المحتملة لحليفه المسيحيّ الأبرز، التيّار الوطنيّ الحر. فقد تدهورت هذه العلاقة تدريجيّاً منذ انتخاب عون رئيساً وتوليّ صهره، جبران باسيل، زعامة التيّار الوطنيّ الحر. وقد أعلن حزب الله عن مرشّحين له في مختلف الدوائر للمرّة الأولى من أجل زيادة حظوظ حزب الله وتوسيع نطاق وجوده في البرلمان. ولا شكّ في أنّ التحالف الشيعيّ (حزب الله وأمل) يحضّر خطّة طوارئ من خلال ترشيح أشخاص متشدّدين في حال تجدّد المواجهة السياسيّة مع الحريري. يعتبر حزب الله الانتخابات فرصة ليبيّن أنّ شرعيّته في لبنان ليست قسريّة. وبالتالي، لا يكمن التحدّي في تحقيق انتصار حاسم فحسب، بل في تسجيل إقبال جيّد على صناديق الاقتراع في المناطق ذات الأكثريّة الشيعيّة التي تشهد امتعاضاً متزايداً بسبب الوضع الاقتصاديّ والاجتماعي. وقد وضع الأمين العامّ السيّد حسن نصرالله محاربة الفساد على رأس حملته الانتخابيّة للمرّة الأولى، ممهّداً الطريق لمرحلة جديدة من أجل توسيع دور حزب الله في الحكم.

انتخابات 2018 تتعلّق بالعام 2022

من المتوقّع أن تعزّز انتخابات 2018 العامّة عمليّة تعديل صفقة 2016 الرئاسيّة وتقولب النصاب الذي سيحدّد ما الذي سيحصل بعد أربع سنوات، سواء أكان لجهة تقسيم الدوائر في الانتخابات العامّة في أيار/مايو 2022 أم لجهة الانتخابات الرئاسيّة في تشرين الأول/أكتوبر 2022، في حال عدم الوصول إلى حائط مسدود سياسيّاً وعدم حصول تأخير في الانتخابات. وتعمل الطبقة الحاكمة على أساس أنّ الحريري وباسيل، وهما في أواخر الأربعينات من العمر، يقوم بينهما اتّفاق طويل الأمد يقضي بإدارة السلطة التنفيذيّة طوال العقد المقبل على الأقلّ. وتقضي الخطّة بنقل صفقة الحريري الرئاسيّة مع عون إلى صهره باسيل في العام 2022. ويبدو تواطؤ هذا الطاقم الجديد في السياسة اللبنانيّة واضحاً في طريقة تلاعبهم بالحكومة، وهجماتهم المدروسة بإتقان ضدّ خصومهم، وتحالفاتهم الانتخابيّة في الدوائر الرئيسيّة. وتأتي المعارضة المتزايدة من الطاقم القديم، بخاصّة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي والزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط، اللذين فقدا كلاهما نفوذهما السياسي. وسيواجه لبنان جدالات اقتصاديّة كبيرة في السنوات الأربع المقبلة في ما يتعلّق بالخصخصة وإنتاج الغاز والدين العامّ المتزايد. ومن المتوقّع أن تصطدم الليبراليّة الاقتصاديّة التي يتبنّاها الطاقم الجديد، والتي تتمتّع بدعم قطاع الأعمال، برسائل الطاقم القديم الشعبويّة. لكنّ هذا ليس في الواقع صراعاً طبقيّاً، بل هو استمرار لمعركة النظام الطائفيّ من أجل النفوذ.

الورثة والجنرالات

في صفوف المرشّحين الـ917 لانتخابات 2018، نرى اتّجاهات جديدة، كترشّح صحافيّين، وناشطين وروّاد أعمال. لكنّ الأبرز هو توارث السلطة في النظام الإقطاعيّ والطموحات السياسيّة للجنرالات والمسؤولين الأمنيّين المتقاعدين. فقد بدأ جنبلاط وسليمان فرنجية وعون، وغيرهم، بتوريث السلطة، مستهلّين تحوّلاً منهجيّاً قد يضعف مع الوقت نفوذ النخب الإقطاعيّة. بالإضافة إلى ذلك، ترشّح للانتخابات المدير العامّ السابق للأمن العامّ جميل السيّد والمدير العامّ السابق لقوى الأمن الداخليّ علي الحاج – اللذان كانا من أركان الجهاز الأمنيّ اللبنانيّ السوريّ في عهد النظام السوريّ في لبنان. وترشّح أشرف ريفي، الذي كان مدير عامّ قوى الأمن الداخليّ في أوج تحالف 14 آذار التابع للحريري، ضدّ لائحة الحريري في طرابلس. وترشّح صهر عون والعميد المتقاعد، شامل روكز، عن مقعد عون في جبل لبنان. وهذه ليست إلا بضعة أسماء من لائحة طويلة من المسؤولين الأمنيّين المتقاعدين الساعين إلى السلطة. لكنّ تأثيرهم محدود في ساحة يهيمن عليها زعماء إقطاعيّون ومجموعات مسلّحة ومسؤولون مصرفيّون.

الرقم السريّ هو 65

لكي تنال الحكومة ثقة مجلس النوّاب، عليها الحصول على 50% زائد واحد من الأصوات، أي 65 صوتاً. وبناء على الاصطفافات الجديدة، من غير المتوقّع أن يبلغ تحالف تيّار المستقبل-التيّار الوطنيّ الحرّ أو تحالف حزب الله-أمل-جنبلاط هذه العتبة بعد 6 أيار/مايو. وبالتالي، سيتعيّن عليهما التوصّل إلى صفقة لتشكيل حكومة جديدة وإدارة البلاد، ما يعني أنّ عجز الحكومة اللبنانيّة سيستمرّ في نظام يهمين عليه تقليد التوافق الطائفي. ففيما يسعى برّي إلى الفيتو الشيعيّ ضدّ التحالف السنيّ المارونيّ، يريد حزب الله الحفاظ على الوضع الراهن في الداخل من أجل التركيز على أجندة إقليميّة في الخارج. ومنذ العام 2014، حلّ حزب الله مكان النظام السوريّ في تنظيم التحالف الحاكم، لكنّ طبيعة القانون الانتخابيّ الفوضويّة ستؤدّي إلى تشكّل تحالف ستكون إدارته أكثر صعوبة بالنسبة إلى حزب الله. توشك إذاً الساحة السياسيّة اللبنانيّة على التحوّل إلى أفعوانيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

Joe Macaron primarily focuses his research on US strategy, international relations, and conflict analysis in the Levant. His previous analyst roles include the Combating Terrorism Center at West Point, the Issam Fares Center in Lebanon and the Colin Powell Center for Policy Studies. A former journalist, he also advised the International Monetary Fund on public engagement in the Middle East and served in different capacities in the United Nations system. He is a currently a fellow at the Arab Center Washington DC. On Twitter: @macaronjoe

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept