نبض العراق

مقتدى الصدر يرسل إشارات إيجابيّة إلى كلّ من الولايات المتّحدة وإيران

p
بقلم
بإختصار
في محاولة لتجنب وقوف الولايات المتحدة وايران أمام قيامه بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، يبعث الصدر رسائل ايجابية لكل منهما.

أثار فوز كتلة "سائرون" التابعة للزعيم الشيعيّ مقتدى الصدر في الإنتخابات الأخيرة تساؤلات لدى كلّ من الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران عن علاقة الحكومة العراقيّة المقبلة معهما، لا سيّما أنّهما تمتلكان نفوذاً واسعاً في العراق. وتتابع أميركا وإيران سير المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومة المقبلة بقلق في خصوص مصير نفوذهما في العراق، في ظلّ حكومة ذات أغلبيّة تابعة لمقتدى الصدر الذي يعارض النفوذين الأميركيّ والإيرانيّ في العراق بدرجات مختلفة.

ولقد صرّح مسؤول مكتب الصدر السياسيّ ضياء الأسدي في 23 أيّار/مايو أنّ المسؤولين الأميركيّين بادروا إلى التواصل مع تحالف "سائرون" عبر وسطاء، ودار الاتّصال حول موقف التيّار الصدريّ من الولايات المتّحدة في حال وصوله إلى السلطة.

"سألوا ماذا سيكون موقف التيّار الصدريّ لدى وصوله إلى السلطة؟ هل سيقوم بإعادة تشكيل جيش المهدي أو استدعاء قوّاته؟ هل سيهاجم القوّات الأميركيّة في العراق؟" هذا ما قاله ضياء الأسدي، نقلاً عن الاتصال الذي دار من جانب الولايات المتّحدة معهم.

وأجاب الأسدي على الأسئلة، قائلاً: إنّ جيش المهدي تمّ حله في عام 2008، ولا نيّة للتيّار الصدريّ بتشكيله من جديد.

"لا عودة إلى المربّع الأوّل، فنحن لا نعتزم إيجاد أيّ قوّة عسكريّة غير القوّة العسكريّة الرسميّة وقوّات الشرطة وقوّات الأمن التابعة للدولة"، قال الأسدي في حوار مع "رويترز".

تتضمّن إجابة التيّار الصدريّ إشارة إيجابيّة مهمّة إلى أنّه لا يعتزم الاستمرار في عدائه للولايات المتّحدة الأميركيّة في موقف السلطة، كما كان معروفاً عنه سابقاً، ويعني ذلك أنّ الصدر في الحكومة العراقيّة ليس نفسه الصدر في زعامته لتيّار سياسيّ خارج الحكومة.

ويأتي ذلك ضمن تطوّرات مهمّة حصلت عبر السنوات الماضية في سلوك الصدر السياسيّ. لقد خفّت لهجته الانتقاديّة للولايات المتّحدة خلال السنوات الماضية، ولم يقم بتهديد القوّة الأميركيّة الحاضرة في العراق ضمن التّحالف الدوليّ لمكافحة تنظيم الدولة الإسلاميّة، ولم يرسل إشارة لتشكيل قوّة عسكريّة خارج الحكومة العراقيّة لمقاومة الولايات المتحّدة، كما فعل سابقاً خلال أعوام 2004 إلى 2008، حيث تمّ حلّ جيش المهدي نهائيّاً.

في مكالمة هاتفية مع أحد كبار أعضاء مكتب الصدر في النجف ، علم "المونيتور" أن الصدر لا يرغب في تشكيل أو دعم أي قوات ضد الوجود الأمريكي ، لكنه ربما يعمل عبر النظام التشريعي العراقي لطرد جميع القوات الأجنبية بما في ذلك الولايات المتحدة بشكل قانوني. وأصر المصدر الذي تحدث إلى المونيتور بشرط عدم الكشف عن هويته أن الصدر يرفض استخدام العنف ضد القوات الأمريكية كما هي في العراق بناء على طلب من الحكومة العراقية.

ويخمّن عدد الجنود الأميركيّين في العراق بما يقرب الـ7000 جنديّ في قواعد عسكريّة مختلفة في العراق، معظمها في المناطق السنيّة الواقعة في شمال البلاد وغربها، ولكن لم يعترف البنتاغون بوجود أكثر من 2500 جنديّ في البلد. ورغم الانتهاء من تحرير الأراضي العراقيّة من "داعش"، لم تقمّ الولايات المتّحدة بإخراج قوّتها العسكريّة من العراق، بل هناك مؤشّرات على بقائها لمدّة طويلة، منها تصريح رئيس الوزراء حيدر العبادي في شباط الماضي، الذي لفت فيه إلى أنّ العراق في حاجة طويلة إلى القوّات الأجنبيّة، خصوصاً في مجال الغطاء الجويّ، وذلك من دون أن تصدر معارضة قويّة لذلك من قبل الصدر.

كما أنّ الصدر ليس فقط لا يمتلك قوّة عسكريّة في سوريا، على خلاف معظم الفصائل العسكريّة العراقيّة الموالية لإيران، التي تمتلك حضوراً عسكريّاً بارزاً في سوريا منذ سنوات وتقاتل لصالح نظام بشّار الأسد، بل عارض حضور أيّ قوّة عراقيّة خارج البلد، وانتقد الدفاع عن نظام الأسد، مطالباً إيّاه بالتنحّي عن السلطة وفتح المجال للانتقال الديموقراطيّ في سوريا.

كما أنّ الصدر اتّجه نحو علاقة إيجابيّة، بل حميمة مع حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة، المملكة العربيّة السعوديّة، الإمارات العربيّة المتّحدة والأردن خصوصاً، وقام بزيارات للسعوديّة والإمارات خلال العام الماضي. وتلقّى اتّصالاً هاتفيّاً في بغداد بـ24 أيّار/مايو قبل عودته إلى النّجف من رجل الأعمال السنيّ البارز خميس الخنجر، الذي يقود ويدعم إئتلاف "القرار العراقيّ" الفائز بـ11 مقعداً في الإنتخابات. ويشتهر خميس الخنجر بمواقفه المعادية لإيران، ووصل إلى بغداد في 24 أيّار/مايو بعد غياب طال 8 أعوام.

وفي المقابل، بعثت الولايات المتّحدة أيضاً ضوءاً أخضر تجاه وصول التيّار الصدريّ إلى السلطة، إذ قالت المتّحدثة باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة هيذر نويرت في 22 أيّار/مايو: "سنعمل مع أيّ شخص تقرّر الحكومة العراقيّة والشعب العراقيّ انتخابه للانضمام إلى الحكومة".

وفي الجانب الإيرانيّ أيضاً، صرّح الأسدي في حوار تلفزيونيّ مع قناة "الميادين"، قائلاً: "بيننا وبين إيران علاقات ثابتة".

وأكّد "أنّ التيّار الصدريّ وشركاءه لن يخضعا لرغبات أميركيّة"، موضحاً سبب عدم حضور السفير الإيرانيّ ايرج مسجدي لقاء سفراء دول الجوار مع الصدر الأسبوع الماضي، بأنّ مكتب الصدر قد وجّه دعوة إلى ايرج مسجدي لحضور الاجتماع، لكنّه اعتذر، وقال إنّه لا يمكنه الحضور.

وفي المقابل، أكّد مسجدي "أنّ علاقة المسؤولين في إيران مع السيّد مقتدى الصدر هي علاقات وديّة وأخويّة، وأنّ الكثير من هؤلاء المسؤولين بمن فيهم السيّد قاسم سليماني يكنّون كلّ الودّ للسيّد مقتدى الصدر".

على الرغم من هذه التصريحات العامة والدبلوماسية، يبدو أن الإيرانيين لن يقفوا على الحياد تجاه تحرك الصدر نحو تشكيل الحكومة. فبالتزامن مع اعلان الصدر في 24 مايو، الانتهاء من اللمسات الأخيرة لتشكيل الحكومة، مشيرا إلى أنها "حكومة عراقية حقيقية" من دون أي تدخل أجنبي، قال السفير الايراني في العراق ايرج مسجدي في اجتماع مع وفد من الحزب الديمقراطي الكردستاني أنه من المبكر جدا الحديث عن تشكيل الحكومة العراقية، حيث لا تزال القوى السياسية العراقية تتفاوض، ومن المهم ألا نكون مستعجلين لتشكيل الحكومة الجديدة.

في محاولة لتشكيل تحالف منافس للصدر، استضاف رئيس تحالف فتح الموالي لإيران هادي العامري اجتماعًا في 24 مايو، مع رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ووفد من الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

وتدلّ كلّ هذه المؤشّرات على أنّ الصدر، رغم التأكيد على استقلاليّته، يريد أن يبعث رسائل للطرفين الأميركيّ والإيراني بأنّه سوف لن يتوجّه نحو اتّخاذ سياسة معادية لمصالحهما في العراق، ولكن هل سيتقبّل الطرفان ذات النفوذ الواسع في العراق، هذا المقدار من الانعطاف في مواقف الصدر أو سيطلبون منه ضمانات أكثر للحفاظ على مصالحهما؟ تعتمد الإجابة على تطوّرات الموقفين الأميركيّ والإيرانيّ من محاولات تشكيل الحكومة المقبلة.

يبدو أن إيران لا تلتزم الصمت حيال تحرك الصدر نحو تشكيل الحكومة الجديدة، ولكن الولايات المتحدة لم تقرر بعد هل أنها مع وضع حدود للنفوذ الإيراني في العراق من خلال دعمها للصدر، ولكن في الوقت نفسه تسمح لحركته المناهضة للولايات المتحدة بالوصول إلى السلطة؟

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept