نبض إيران

إيران تدفع نحو الشفافية لمعالجة عدم استقرار العملة

p
بقلم
بإختصار
في حين أنّ اندفاعة إيران نحو الشفافية هي أمرٌ إيجابي، تبدو منظومتها المتكاملة الجديدة للمعاملات بالعملة الصعبة غير مستعدّة كما يجب لإدارة تعقيدات سوق العملات الإيرانية.

في العاشر من شهر نيسان/أبريل الماضي، أعلنت السلطات الإيرانية عن سياسة توحيد أسعار الصرف – في خطوة أثارت الإرباك، لا سيّما في أوساط اللاعبين الاقتصاديين الذين كانوا يعتمدون على سوق العملات الحرّة في البلاد. الواقع هو أنّ السعر الموحّد الجديد، الذي حُدّد بـ42,000 ريال إيراني مقابل الدولار الأميركي، ليس مطبَّقاً بعد على نطاق واسع. ففي أفضل الأحوال، هذا السعر متوافر فقط للمستوردين الذين كانوا يتمتّعون بوصول إلى ما يُسمّى بسعر غرفة التداول بالعملات الأجنبيّة، والذي كان سابقاً نحو 37,000 ريال مقابل الدولار. وهذا يساوي خفضاً فعلياً لقيمة العملة الوطنيّة. وفي إطار إعادة الهدوء إلى السوق، عمد البنك المركزي الإيراني، في واحدة من أحدث خطواته، إلى توسيع نطاق منظومة قائمة عبر الانترنت تُعرَف باسمها المختصر باللغة الفارسية "نيما" (المنظومة المتكاملة للمعاملات بالعملة الصعبة). لكن السؤال هو هل ستنجح هذه المنظومة في تلبية احتياجات الاقتصاد الإيراني؟

وُضِعت منظومة "نيما" في شهر شباط/فبراير الماضي كمشروع تجريبي، وتبلورت تدريجياً في خلال شهر آذار/مارس. صُمِّمت المنظومة، في صيغتها الأوّلية، كمنصّة مركزيّة لتسجيل احتياجات المستوردين وسواهم من المجموعات بالعملة الصعبة "خارج القطاع المصرفي". كان الهدف من تلك المنظومة إرساء الشفافية في تعاملات مكاتب العملات الأجنبيّة، التي تشكّل جزءاً لا يتجزأ من منظومة إدارة العملات الصعبة في البلاد، إلى جانب مؤسّسات ماليّة أخرى. في خطوةٍ أولى، نظّم البنك المركزي الإيراني، في الثاني من شهر آذار/مارس، ورشة عمل لممثّلي مكاتب العملات الأجنبيّة التابعة لمصارف أساسيّة من أجل تعريفهم إلى منظومة "نيما"، وكذلك تجهيز الأرضية بغية تأمين اتّصالهم بالمنظومة المتكاملة – حيث يُفترَض بالتجّار تسجيل احتياجاتهم من الواردات التي لم تكن تُخصَّص لها عملات وفقاً للسعر الأدنى في غرفة التداول بالعملات الأجنبيّة، على أن تلبّي مكاتب العملات تلك الاحتياجات من خلال معاملات شفّافة وإلكترونية.

بيد أنّ هذا الخبر ابتلعته الاضطرابات التي شهدتها سوق العملات في شهر آذار/مارس. وفي الواقع، ربما ساهمت الشائعات عن أنّ تطبيق منظومة "نيما" سيؤدّي إلى استحالة إنجاز أي معاملات غير تقليديّة بالعملات، من جملة أسباب أخرى، في تهافت مجموعات كثيرة للحصول على أرصدة بالعملة الصعبة لتلبية احتياجاتها في المستقبل.

في أعقاب أزمة العملات الأخيرة واعتماد سعر صرف موحّد، أعلنت الحكومة فجأةً عن إطلاق منظومة "نيما" لتكون المنصّة الوحيدة من أجل ترشيد "مختلف المعاملات بالعملات الصعبة" عبر تحديد أحجام العرض والطلب بدقّة للتجّار (المستوردين والمصدّرين)، والشركات وحتّى الأفراد الذين قد يحتاجون إلى العملات الصعبة للسفر والدراسة، وما إلى هنالك. بعبارة أخرى، إنّ المنظومة الإلكترونية التي صُمِّمت في الأصل كي تكون منصّة للمعاملات الهامشية بالعملات الصعبة، رُفِعَت إلى مستوى جديد كي تصبح البوّابة الرئيسة لجميع هذه المعاملات.

باختصار، وُضِعت منظومة "نيما" لترشيد العرض والطلب، ما يجب أن يساهم نظرياً في تحديد سعر واقعي للعملة الوطنيّة. غير أنّ أداء السلطات الإيرانيّة في السابق يُشير إلى أننا سنشهد على إدارة العرض وفرز الطلب، لا سيما من جانب البنك المركزي. ولا تزال البلاد تفتقر إلى القوانين والتنظيمات الضرورية لتحديد طلبات العملة الصعبة المخوَّلة التسجّل في المنظومة – والحصول على العملات الصعبة. تُشكّل المنظومة غير المكتملة دليلاً على أنّ البنك المركزي الإيراني اضطُرّ إلى التعجيل في إطلاق هذه الآلية من أجل تهدئة السوق والردّ على من اعتبروا أنّ عدم كفاءة المركزي هي من الأسباب التي تقف خلف الاضطرابات الأخيرة في سوق العملات.

لقد أقرّ محافظ المركزي الإيراني، ولي الله سيف، بصورة عرَضيّة، بشوائب المنظومة الجديدة، وطلب من جميع الأفرقاء الاقتصاديّين الذين لم يجرِ دمج احتياجاتهم في إطار المنظومة، التحلّي بالصبر. وفي الاتّصالات الرّسميّة، يصف سيف منظومة "نيما" بأنها منصّة آمنة لصفقات العملة، ويشدّد على أنّ المخصّصات ستُمنَح للمصدّرين والمستوردين في الوقت المحدّد.

لكن هذه إحدى شوائب المنظومة: ليس المصدِّرون والمستوردون المكوِّنَين الوحيدين في سوقٍ سليمة للعملات. بناءً عليه، سوف ترزح المنظومة تحت وطأة أعباء كبيرة لبعض الوقت، لا سيّما طالما أنّها تفشل في استيفاء احتياجات شركات القطاع الخاص والأفراد. في الوقت الراهن، لا يزال عدد كبير من أصحاب المصلحة الاقتصاديّة يشكّكون في توافر العملات الصعبة عند السعر الموحَّد، وهو 42,000 ريال مقابل الدولار، ويستمرّون في شراء العملات الأجنبيّة أو إجراء التحويلات بسعر لا يقل عن 55,000 ريال مقابل الدولار في السوق الحرة.

يدرك جميع المحلّلين والمراقبين تقريباً أنّ عمليّة توحيد أسعار الصرف ستكون صعبة، لا سيّما وأنّ عدداً من الأفرقاء الاقتصاديّين استخدم منظومة أسعار الصرف السابقة المؤلَّفة من مستويَين من أجل التورّط في صفقات مشبوهة. لذلك، لا يستند تطبيق منظومة "نيما" فقط إلى الاحتياجات الاقتصاديّة للبلاد وموجباتها الدوليّة التي تفرض عليها مكافحة تبييض الأموال، إنّما يعكس أيضاً رغبة في القضاء على الممارسات الفاسدة التي ساهمت في تمكين مؤسّسات ضارِبة الجذور في ما يُسمّى بالدولة العميقة في إيران. في الواقع، تُشير التقديرات إلى أنّ قيمة نشاط تبييض الأموال في البلاد بلغت 26 مليار دولار في السنة الإيرانيّة الماضية. ويمكننا أن نتخيّل أنّ اللاعبين الأقوياء سيضغطون ضدّ منظومة "نيما"، وسوف يتمكّنون من اقتطاع مساحة معيّنة لمزاولة أنشطتهم غير القانونيّة. لهذا السبب، فإنّ تطبيق منظومة "نيما" على أكمل وجه ومن دون أيّ شوائب، يجب أن يأتي، في نهاية المطاف، في صدارة الأولويّات.

ممّا لا شكّ فيه أنّ "نيما" تكتسب أهمّيّة إضافيّة عند النظر إليها من خلال العدسة السّياسيّة. يمكن القول بأنّ المنظومة قادرة على مكافحة بعض الشبكات الفاسدة، وفي الوقت عينه، وضع حدّ للمضاربات في سوق العملات. من شأن هذين العاملَين أن يساعدا البنك المركزي والحكومة على إرساء مزيد من الاستقرار في الأوضاع الاقتصاديّة. لكن، على ضوء الطّبيعة غير التقليديّة لعدد كبير من الطّلبات على العملة الصّعبة – من جانب كيانات تستخدم العملة بمثابة آليّة للتحوّط، ومن جانب الشّركات التي تتهرّب من الضرائب، والمضارِبين بالعملات، وكذلك من خلال تدفّق الرساميل إلى الخارج بواسطة الإيرانيين الراغبين في الهجرة، وتدفّق الرساميل إلى الداخل عن طريق التحويلات والاستثمارات من الإيرانيين في بلدان الاغتراب – سيكون هناك دائماً حيّز للسوق السوداء حيث يمكن توليد سعر صرف مختلف. وسوف يترتّب عن ذلك تباينٌ بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف غير الرسمي، وظهور منصّة جديدة للممارسات المشبوهة. علاوةً على ذلك، وطالما أنّ هناك سعراً أعلى للصرف مقارنة بالسعر المطبَّق في إطار منظومة "نيما"، سوف يتردّد المصدِّرون في تسجيل عرضهم عبر المنظومة، وسوف يبحثون عن طرق للإفادة من سعر الصرف الموازي الأعلى.

بعدما اختبر المسؤولون الإيرانيّون التقلّبات في سعر الصرف في العام المنصرم، ينبغي عليهم الإقرار بأنّ إدارتهم للقطاع المالي شابها الكثير من نقاط الضعف التنظيمية. ونستشفّ ذلك من خلال استمرار العمل في مؤسّسات مالية غير مرخَّصة. ولذلك، فإنّ أي مجهود جديد لإرساء الاستقرار في السوق يجب أن يترافق مع هيكليات إدارية وإشرافيّة واضحة، للحؤول دون ظهور قنوات جديدة للفساد وكذلك للاستعداد للزيادات المفاجئة في الطلب. في تقويم أوّلي، إنّ الاندفاعة نحو الشفافية أمرٌ إيجابي، لكن منظومة "نيما" تبدو غير مستعدّة كما يجب لإدارة تعقيدات سوق العملات الإيرانية.

لذلك من الأجدى بالبنك المركزي الإيراني أن يعلن عن مقاربة ممرحَلة لإدارة هذه العملية، ويُجيز للسوق الحرة العمل ضمن حدود واضحة، ويحوّل "نيما" تدريجياً إلى منصّة نافذة وشاملة. إذا طُبِّقَت المقاربة الممرحَلة بنجاح، بإمكان "نيما" تنظيم سوق العملات، ووضع حدّ لعدد كبير من الأنشطة ذات النزعة الريعية، ووقف عددٍ من الممارسات الفاسدة التي عاثت خراباً بالاقتصاد الإيراني.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept