نبض فلسطين

تصريحات البردويل لا تعبّر عن الواقع

p
بقلم
بإختصار
أثارت تصريحات البردويل موجة من ردود فعل العالميّة، التي أثارت غضب أهل غزّة.

أثارت تصريحات القياديّ في حركة "حماس" صلاح البردويل في 16 أيّار/مايو الجاري على قناة "بلدنا" الكثير من الجدل داخل قطاع غزّة، واعتبرها كثيرون أنّها أعطت إسرائيل مبرّرات لاستخدامها العنف ضدّ المتظاهرين في مسيرات العودة. وكان صلاح البردويل قد قال: "في الجولة الأخيرة، نحو62 شخصاً استشهدوا، 50 منهم ينتمون إلى حماس"، في إشارة إلى مسيرات ذكرى النكبة.

وبدأت المسيرات في 30 آذار/مارس الماضي، وبلغت ذروتها في الذكرى الـ70 للنكبة الفلسطينيّة بـ14 أيّار/مايو الجاري، وقتل خلالها حوالى 112 فلسطينيّاً، وأصيب الآلاف برصاص حيّ وقنابل الغاز.

وكتب المحلّل السياسيّ صالح النعامي المقرّب من "حماس" في صفحته على "فيسبوك" في 16 مايو أنّ إسرائيل أقامت احتفالاً لا نهائيّاً بسبب تصريحات البردويل، وقال: "البردويل قصد أنّهم من المدنيّين الذين ينتمون إلى عائلات حمساويّة".

ويثير سلوك قيادة "حماس"، التي تريد القول إنّها "الأب الروحيّ" لمسيرات العودة الكثير من التذمّر بين صفوف العديد من أهالي القطاع، خصوصاً بعد أن انتشر تصريح البردويل في وسائل إعلام دوليّة كالنار في الهشيم، واستخدمه رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في مقطع فيديو في 17 مايو، قائلاً: "إنّ تصريحات البردويل تثبت أنّ إسرائيل تستهدف الإرهابيّين".

كما تمّ الاستشهاد بتصريح البردويل على لسان ممثّلة إسرائيل خلال الجلسة الاستثنائيّة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتّحدة، التي عقدت الجمعة في 18 أيّار/مايو بجنيف للبحث في عنف الاحتلال ضدّ المتظاهرين في غزّة.

وقالت الناشطة التي تعمل في المجال الإنسانيّ بإيطاليا أريج حسني (33 عاماً) لـ"المونيتور": "حين استمعت إلى الجلسة، شعرت بفرحة بسبب التضامن وإدانة إرهاب دولة الاحتلال، لكنّي سرعان ما صدمت بما استشهدت به ممثّلة إسرائيل من تصريحات البردويل، بأنّ 50 ضحيّة من الضحايا الذين سقطوا في مسيرات العودة هم من حماس!".

وأشارت أريج حسني، التي غادرت غزّة قبل سنوات عدّة، إلى أنّ "مثل هذه الأقوال على لسان البردويل بمثابة استغلال الشهداء لمصالح حزبيّة"، داعية إلى الوعي علىبأهميّة النضال السلميّ.

وتبدو مقاطع الفيديو التي تمّ تسريبها لقنّاصة من الجنود الإسرائيليّين يطلقون النار على متظاهرين غير مسلّحين في المسيرات،أكثر واقعيّة من تصريح البردويل، الذي من الواضح أنّه يعبّر عن انتفاخ في تقديره لنفوذ حركته وشعبيّتها.

من جهته، لفت أحد مؤسّسي مسيرات العودة الكاتب أحمد أبو رتيمة إلى أنّ تصريح البردويل جاء ضمن حالة المفاخرة الداخليّة الفلسطينيّة على الفصائل الأخرى، وقال لـ"المونيتور": "كما أنّ الأعداد التي ذكرها غير دقيقة".

وأوضح أنّ عبارة "الانتماء إلى حركة حماس" لها دلالة ثقافيّة داخل القطاع تختلف عمّا قد يفهمه الإعلام الدوليّ، وقال: "إنّ الانتماء لحماس لا يعني بالضرورة أن يكون الشخص عنصراً مسلّحاً، بل قد يعني أنّه ينتمي إلى مجالها الجماهيريّ أو الإغاثيّ، وربّما عائلته مؤيّدة لحماس".

ولم تأت المسيرات لأسباب تاريخيّة فقط، بل اعتراضاً أيضاً عل نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس في تاريخ ذكرى النكبة ذاته، فضلاً عن كونها محاولة لرفض الأوضاع المأسويّة التي يعيشها قطاع غزّة عقب 12 عاماً من الحصار.

بدوره لفت نائب مدير "مركز الميزان لحقوق الإنسان" الحقوقي سمير زقوت إلى أن حماس تحاول طوال الوقت الادعاء أنها هي من تقود المسيرات في غزة، وأن المقاومة المسلحة تحمي هذه المسيرات السلمية كما أعلن القيادي في حماس محمود الزهار، وهذ لا يدل سوى أن النضال السلمي ليس أحد قناعاتها، وبالتالي لن تكون خلف مسيرات العودة التي أثبتت طوال ثمانية أسابيع أنها سلمية.

وكان عضو المكتب السياسيّ في "حماس" القياديّ محمود الزهّار قد قال للصحافةالمحليّة في 12 أيّار/مايو الجاري "إنَ المسيرة سلمية وتكتسب قيمتها بالبندقية التي تحميها، ولو أن هذه السلمية بدون أظافر أو كتائب وسرايا لمسحوها"، مضيفاً "ولكن يعلم الاحتلال الصهيوني أن خلف المسيرة رجال وبنادق وصواريخ وهم لا يستطيعون أن يتخطوا الحدود".

أضاف سمير زقوت: "كما أنّ استخدام إسرائيل تصريح البردويل يدلّ على أنّها تناقض نفسها، فهي حيناً تقول إنّ سكّان غزّة لا يطيقون حكم حماس، ثمّ تعلن أنّ أغلبيّة الشهداء من حركة حماس".

وأكّد لـ"المونيتور" أنّه خلال توثيق حالات الشهداء والمصابين في مركزه الحقوقيّ، كان من الواضح أنّهم متنوّعون، فهناك من ينتمي إلى عائلات بسيطة وأخرى غنيّة، وهناك من ينتمي إلى تنظيمات، وهناك أيضاً آخرون مستقلّون. كما أنّهم من كلّ الأعمار، وقال: "من المستحيل أن يكون هناك نمط واحد للشهداء، كما يدّعي البعض".

أضاف: "لو افترضنا أنّ جميع المتظاهرين من حركة حماس، أليست المظاهرات سلميّة؟ فهل سمعنا عن إصابات أو قتلى بين جنود احتلال؟!".

وكانت موجة من الانتقادات الدوليّة طالت إسرائيل لردّها العنيف على المسيرات السلميّة. ولذلك، بدت ممتنّة لتصريحات حزبيّة كتصريح البردويل، لكن هذا لا يعني أنّ إسرائيل أصبحت بريئة من قتل المتظاهرين.

من جهته، قال مدير مكتب منظّمة "هيومن رايتس ووتش" في فلسطين وإسرائيل عمر شاكر على الموقع الالكتروني للمنظمة في 15 مايو الجاري: يمكن للقوّات الإسرائيليّة استخدام وسائل غير قاتلة لمنع عبور الحدود من دون إذن، لكنّ القانون الدوليّ يحظّر الاستخدام المتعمّد للقوّة القاتلة في أوضاع فرض الأمن، إلاّ عند الضرورة ولدرء خطر مباشر على الحياة.

أضاف: "هؤلاء الأشخاص الذين قتلوا، بغض النظر عن انتمائهم، لم يشكّلوا تهديداً مباشراً للحياة. لقد قتلوا بالرصاص، وهذا هو المهمّ".

ومن الواضح التناقض بين سلوك "حماس" وتصريحاتها، ففي الوقت الذي تخرج بتصريحات تمجّد قوّة دورها، نجدها على أرض المسيرات تحرص على سلميّة المسيرات، وقال المواطن إسلام عطا الله (40 عاماً)، الذي شارك في المسيرات بشرق خانيونس-جنوب القطاع: "لم أر أيّ نوع من الأسلحة مع المتظاهرين، على العكس تأتي العائلات تجلس مع أطفالها، وتأكل وتشرب كأنّها في رحلة".

أضاف لـ"المونيتور: "لاحظت في الأسابيع الأولى أنّه لا يوجد تدخّل لأمن حماس، فالناس ملتزمون بالسلميّة بشكل تلقائيّ، ولكن في الأسابيع التالية كان رجال الأمن التابعون للداخليّة حريصون على عدم استفزاز جنود الاحتلال من قبل المتظاهرين".

وكتب المتحدث باسم وزارة الداخليّة، التي تقودها "حماس" إياد البزم في صفحته على "فيسبوك" بتاريخ 28 ابريل: "في كلّ جمعة، تنتشر الأجهزة الأمنيّة والشرطيّة والخدماتيّة لمساندة حشود المتظاهرين وتسهيل تحرّكاتهم وتأمين خيامهم وممتلكاتهم في المناطق الشرقيّةلقطاع غزّة".

وبالتأكيد، إنّ تصريحات البردويل تركت عاصفة ليست فقط دوليّة، بل أيضاً داخل حركة "حماس"، في موجة من النقد الداخليّ التي تختبر مدى قناعة "حماس" بالنضال السلميّ، وربّما من الصعب أن يقبلها الجيل القديم في الحركة، لكن يوجد في مقابله جيل جديد يؤمن بهذه المسيرات، وسط مرحلة جديدة بدأها أهل غزةّ بشكل تلقائيّ وعفويّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أسماء الغول كاتبة مساهمة في صفحة "نبض فلسطين" على موقع المونيتور، وصحافية من مخيم رفح للاجئين مقيمة في غزة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept