نبض فلسطين

الحقيقة بشأن غزّة

p
بقلم
بإختصار
إنّ المعلومات المضلّلة والخاطئة حول التظاهرات وأعمال العنف الأخيرة على حدود غزّة حجبت واقع أنّ الفلسطينيّين خطّطوا لمسيرة العودة الكبرى ونظّموها كتحرّك احتجاجيّ غير عنيف.

لا تنطبق عبارة "ضحيّة الحرب الأولى هي الحقيقة" على النزاع العنيف فحسب، بل أيضاً على الهجمات العنيفة التي تشنّها السلطات على متظاهرين غير مسلّحين، كما حصل مؤخّراً في غزّة. ويستمرّ المسؤولون الإسرائيليّون والأميركيّون في نشر أكاذيب ومعلومات مضلّلة بشأن ما يسمّيه الفلسطينيّون مسيرة العودة الكبرى ومحاولات إسرائيل الدمويّة لإسكات المتظاهرين بواسطة القنّاصين. وإنّ المحاولات الإعلاميّة الجديّة لكشف الحقيقة نادرة.

لقد عمد الإعلام الدبلوماسي الإسرائيلي، أو "هاسبارا"، وهو شكل من أشكال البروباغندا الإسرائيليّة الموجّهة إلى الجماهير الدوليّة، إلى تكرار ثلاثة مزاعم أو أساطير، وساهم المسؤولون الأميركيّون، بالإضافة إلى وسائل الإعلام الغربيّة الرئيسيّة، في نشرها على نطاق أوسع: كانت التظاهرات في غزّة عنيفة، وحركة حماس "الإرهابيّة" هي التي حرّضت على التظاهرات، وتحرّكت إسرائيل بغرض الدفاع عن النفس ليس إلا لحماية نفسها كما قد تفعل أيّ أمّة ذات سيادة.

وقال الزميل في برنامج الشرق الأوسط في مؤسّسة كارنيغي للسلام الدوليّ، بيري كاماك، للمونيتور إنّ تظاهرات 30 آذار/مارس هي تحرّك بعيد عن القتال العنيف في أوساط الفلسطينيّين، بما في ذلك "حماس". وأضاف: "إنّها بوضوح موجة جديدة في المجتمع الفلسطينيّ تهدف إلى نشر مفهومي المقاومة والاحتجاجات غير العنيفة".

وقد بُذلت جهود كبيرة من أجل الحرص على عدم استعمال أيّ أسلحة، وتمّ التركيز على تسليط الضوء على رموز مختلفة من نضال الفلسطينيّين من أجل الاستقلال وحقّ العودة، من بينها خيم (تمثّل مخيّمات اللاجئين) ومفاتيح قديمة (ترمز إلى مفاتيح بيوت الفلسطينيّبن الذي هربوا سنة 1948). وتمّ أيضاً رفع صور لشخصيّة حنظلة الكاريكاتوريّة التي ترمز إلى اللاجئين الفلسطينيّين التوّاقين إلى العودة إلى أرضهم.

وقال للمونيتور العالم السياسيّ نورمان غاري فينكلشتاين، الذي صدر له مؤخّراً كتاب بعنوان "غزة: تحقيق حول استشهادها"، إنّ الفلسطينيّين في وضع لا مجال فيه للفوز.

وشرح قائلاً: "قيل للفلسطينيّين، بما في ذلك حماس، إنّ تظاهراتهم يجب أن تكون غير عنيفة. وغالباً ما سئل الفلسطينيّون مراراً وتكراراً 'أين غاندي الفلسطيني؟'، لكن عندما تشارك حماس في احتجاجات غير عنيفة، يقال لنا إنّ أعضاء حماس هم هدف شرعيّ لأنّهم يشاركون في التظاهرات".

وفي رأي فينكلشتاين، عندما تطلق النار على متظاهرين غير مسلّحين وتقتلهم، فـ"أنت تقول لهم 'تسلّحوا'". وأشار إلى أنّه يسهل تكذيب المزاعم الإسرائيليّة بشأن اللجوء إلى العنف، من خلال النظر إلى الإصابات والوفيّات في صفوف الإسرائيليّين في خلال التظاهرات التي وُصِفت بالعنيفة. وأوضح قائلاً: "منذ 30 آذار/مارس، لم يتعرّض أيّ جنديّ أو مدنيّ إسرائيليّ للإصابة أو القتل. وفي 14 أيار/مايو، تعرّض جنديّ إسرائيليّ واحد لخدوش".

وقال فينكلشتاين، وهو يهوديّ أميركيّ نجت عائلته من المحرقة، إنّه كان يتعيّن على الإسرائيليّين "الاحتفال" بهذه النقلة من إطلاق الصواريخ وحفر الأنفاق إلى التظاهرات غير العنيفة.

وأشار إلى أنّ إسرائيل، في الأسابيع الأولى من الاحتجاجات، اشتكت من استخدام المتظاهرين مرايا من أجل منع القنّاصين من الرؤية، وإرسالهم طائرات ورقيّة مشتعلة عبر الحدود بهدف إحراق المزارع الإسرائيليّة.

وقال: "في الواقع، كان عملاء حماس يتحقّقون من المتظاهرين للتأكّد من أنّهم عزّل ولا يحملون أيّ نوع من الأسلحة في التظاهرات غير العنيفة". ولم يتمّ رفع أيّ أعلام أو يافطات خاصّة بحماس أثناء التظاهرات.

لم تكن إذاً المزاعم الإسرائيليّة بشأن اللجوء إلى العنف في التظاهرات منطقيّة. وبالتالي، دفعت نسبة الوفيّات المرتفعة في صفوف الفلسطينيّين المشاركين في التظاهرات غير المسلّحة بالإسرائيليّين ومؤيّديهم إلى تلفيق كذبة أخرى مفادها أنّ إسرائيل تحرّكت بغرض الدفاع عن النفس.

وكتب مدير تحرير "العربي الجديد"، جايمس براونسيل، في 14 أيار/مايو أنّ "'الخطر' الذي تطرحه هذه التظاهرات غير المسلّحة ليس شخصيّاً، بل له أبعاد سياسيّة وجوديّة ربّما. ولهذا السبب تمّ قتلهم. لا يمكن المبالغة في تقدير ما يمكن أن يفعله الجيش الإسرائيليّ والسلطات السياسيّة الإسرائيليّة من أجل الحفاظ على ما بنوه في السنوات السبعين الماضية من خلال مصادرة أراضي الفلسطينيّين وتشريدهم".

في 14 أيار/مايو، استهدفت القوّات الإسرائيليّة عمداً طاقماً طبيّاً تمّ التعرّف إليه بسهولة. وفي مقابلة على التلفزيون الكنديّ، شرح الطبيب الكنديّ طارق لباني، الذي تعرّض لطلقات ناريّة على يد قنّاصين إسرائيليّين، حقيقة ما حصل.

وقال: "كنتُ بعيداً عن موقع التظاهرات في هدوء نسبي. لم يكن هناك من دخان أو غاز مسيل للدموع، مع أنّه كان هناك الكثير منهما في وقت سابق من ذلك اليوم. كنتُ برفقة فريقي الطبّي المؤلّف من مستجيبين أوائل، وكانوا في غالبيّتهم من المسعفين؛ وكنّا قد تزوّدنا لتوّنا برباطات جديدة استخدمناها لوقف النزيف لدى أشخاص تعرّضوا لطلقات ناريّة في أذرعهم أو أرجلهم. فجأة، سمعتُ صوتاً مدوّياً وسقطتُ أرضاً. أصبتُ في قدميّ الاثنتين. أتت الرصاصة من [جهة] اليسار من قدمي اليسرى واخترقت قدمي اليسرى ثمّ قدمي اليمنى".

وتبيّن الهجمات غير المتوقّعة ضدّ الصحافيّين أيضاً أنّ التحرّكات الإسرائيليّة كانت متعمّدة ولم تكن بغرض الدفاع عن النفس. وفي 6 آذار/مارس، أطلق القنّاصون الإسرائيليّون النار على الصحافيّ الفلسطينيّ ياسر مرتجى الذي كان يغطّي التظاهرات في غزّة. وقد توفّي لاحقاً، في 9 نيسان/أبريل، متأثّراً بجروحه. ودعا معهد الصحافة الدوليّ إلى فتح تحقيق مستقلّ في حوادث قتل الصحافيّين الفلسطينيّن وإصابتهم. هذا ولقي صحافيّ فلسطينيّ آخر يدعى أحمد أبو حسين حتفه في 25 نيسان/أبريل بعد تعرّضه لإطلاق نار أثناء تغطيته للتظاهرات في 13 نيسان/أبريل، وفقاً لوزارة الصحّة.

وكتب مدير تحرير مجلّة "بالستاين كرونيكل" (Palestine Chronicle)، رمزي بارود، في صحيفة "عرب نيوز" السعوديّة أنّ الإدارة الأميركيّة أصدرت بياناً زعمت فيه أنّ "إسرائيل لديها الحقّ في الدفاع عن نفسها"، فيما لم يكترث المسؤولون في البيت الأبيض "لسخافة البيان عند فهمه في السياق الحاليّ المتمثّل بصراع غير متكافئ".

وأضاف بارود: "لم يكن المتظاهرون السلميّون يهدّدون وجود إسرائيل، ولم يكن أطفال الحجارة على وشك مهاجمة مئات القنّاصين الإسرائيليّين الذين أطلقوا النار على شبّان غزاويّين وقتلوهم وأصابوهم من دون أيّ روادع قانونيّة أو أخلاقيّة".

واستخدم فينكلشتاين لغة جارحة لدحض حجّة الدفاع عن النفس، قائلاً: "حتّى منتقدو إسرائيل، على ما يبدو لي، يحرّفون القانون ويشوّهون حقيقة الوضع".

ومن الحجج الأخرى التي تمّ تقديمها لتبرير عنف القوّات الإسرائيليّة أنّ المتظاهرين كانوا من حركة حماس الإسلاميّة. ولدعم هذه النظريّة، نشر الجيش الإسرائيليّ مقطعاً مصوّراً يظهر فيه مسؤول من حماس زعم في 16 أيار/مايو أنّ 50 فلسطينيّاً من الفلسطينيّين الـ110 الذين قُتلوا كانوا أعضاء في حماس. ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" عمودين لأحد قادة المسيرة وأحد المشاركين فيها، مع الإشارة إلى أنّ أيًا من الرجلين لا ينتمي إلى حماس. فكتب فادي أبو شمالة، المدير التنفيذيّ للاتّحاد العامّ للمراكز الثقافيّة في غزّة، مقالاً بعنوان: "لماذا خرجتُ في مسيرة في غزّة" (27 نيسان/أبريل)، وكتب أحمد أبو أرتيمة مقالاً بعنوان "ساهمتُ في انطلاق الاحتجاجات في غزّة، ولستُ نادماً على ذلك" (14 أيار/مايو).

وفي مقابلة مع نبيل دياب، العضو في منظّمة شعبيّة في غزّة، نشر موقع "موندويس" الالكترونيّ ما يلي: "نشأت الفكرة بعد تظاهرة ذكرى النكبة الحاشدة سنة 2011 عندما نظّم آلاف اللاجئين الفلسطينيّين في الأردن ولبنان وسوريا ومصر والأراضي الفلسطينيّة مسيرة باتّجاه الحدود مع إسرائيل من أجل المطالبة بحقّهم الجماعيّ بالعودة إلى وطنهم". وقال دياب بكلّ صراحة إنّ "ما تزعمه الحكومة الإسرائيليّة عن أنّ حماس نظّمت هذه التظاهرات هو كذب".

ووفقاً للصحافيّة الإسرائيليّة أميرة هاس، ضخّمت حماس أعداد أعضائها المشاركين في المسيرة لأسباب داخليّة. وكتبت هاس عموداً في 15 أيار/مايو بعنوان: "هذه ليست 'مسيرة لحماس' في غزّة، بل استعداد عشرات الآلاف للموت".

لقد نجح الإسرائيليّون والأميركيّون في البداية في إلقاء اللوم على الضحايا، لكنّ مزاعمهم ستتبخّر بسرعة عندما يفهم العالم ما الذي يحصل بالضبط في غزّة وتظهر الحقيقة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

داود كُتّاب كاتب مساهم في صفحة "نبض فلسطين" في موقع المونيتور. إنه صحافي فلسطيني وناشط إعلامي، و"بروفيسور فيريس" سابق في الصحافة في جامعة برينستون، وهو حاليًا المدير العام لشبكة الإعلام المجتمعي، وهي منظمة غير ربحية تسعى لدعم الإعلام المستقل في المنطقة العربية. كُتّاب ناشط في الدفاع عن حرية الإعلام في الشرق الأوسط، وهو كاتب أعمدة في صحف "جوردان تايمز" و"جيروزالم بوست" و"ديلي ستار" اللبنانية، وشارك في إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية الحائزة على جوائز وبرامج الأطفال التلفزيونية. نال عدة جوائز دولية، بما فيها جائزة حرية الصحافة من لجنة حماية الصحافيين في نيويورك، وجائزة لايبزغ للشجاعة في الحرية، وجائزة السلام عبر الإعلام من مؤسسة نيكست البريطانية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept